:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, June 25, 2010

اللون الأسود: الإشارات والرموز


اللون الأسود لون غريب ومحيّر. الرسّامون يتجنّبون استخدامه إلا نادرا. معاني ودلالات هذا اللون في الثقافة واللغة سلبيّة في معظمها: السحر الأسود، السوق السوداء، الموت الأسود، الثقوب السوداء، التاريخ الأسود.. إلى آخره. في الثقافة الشعبية يقال "هذا يوم اسود" في إشارة إلى كارثة أو مأساة. ويقال أيضا "فلان قلبه اسود" للتدليل على حقده وحبّه للشر. وهناك أيضا القائمة السوداء التي تتضمّن أسماء أشخاص أو منظّمات تستحق المقاطعة أو العقوبة.
غير أن بعض النساء يفضّلن الأسود لأنه كلاسيكي ويُظهرهنّ بقوام أكثر نحافة. مع أن بعض علماء النفس يقولون إن المرأة التي تفضّل الأسود ذات شخصية انقيادية وتميل إلى الخضوع للرجل. الأسود أيضا لون يدلّ على السلطة والهيبة. ربّما لهذا السبب يرتديه القضاة في المحاكم. وهو أحيانا يعطي معنى الخضوع والاستسلام، لذا يستخدمه الرهبان ورجال الدين.
في الموسيقى الكلاسيكية يرتدي العازفون لباسا موحّدا من الأسود.
وكثيرا ما يرمز الأسود للتكتّم والسرّية. وهناك مصطلح الخروف الأسود الذي يشير إلى الشخص الرديء أو غير المحترم في عائلة أو جماعة.
هناك أيضا مصطلح الكوميديا السوداء التي يعبّر عنها القول الشائع "شرّ المصيبة ما يضحك". وفي عالم الطبيعة هناك الأرملة السوداء أو أنثى العنكبوت التي تقتل ذكرها.
الرسّامون أيضا منقسمون في نظرتهم للون الأسود. التجريديون، مثلا، استخدموه كثيرا في أشكالهم ورسوماتهم. ومانيه قال عنه مرّة : الأسود ليس لونا. ورينوار اكتشف بعد سنوات طويلة أن الأسود ملك الألوان. وجورجيا اوكيف، الرسّامة الأمريكية، كانت تعتقد أن اللون الأسود يخفي في أعماقه سرّا دفينا وغامضا. كما أن لوحات غويا السوداء أصبحت ترمز لليأس والتشاؤم والموت.
غير أن أشهر لوحة اقترنت بهذا اللون هي المربّع الأسود للرسّام الروسي كاسيمير ماليفيتش والتي أصبحت في ما بعد إحدى أيقونات الفنّ الحديث.
الموضوع المترجم التالي يستعرض الممرّات والدروب المظلمة التي سلكها اللون الأسود عبر تاريخه الطويل وكذلك الإشارات والرموز التي أصبح مرتبطا بها.

نتحدّث كثيرا عن الألوان كما لو أنها أشياء مادّية ثابتة في حياتنا اليومية. نقول أحيانا هذا اللون بارد وذاك دافئ، مع أننا من خلال هذه التوصيفات نخلع على الألوان تلقائيا استعارات وتشبيهات غامضة. في كتابه عن نظرية الألوان، درس الفيلسوف والشاعر الألماني غوته التأثيرات السايكولوجية للألوان. وقال إن اللون ما هو إلا "ضوء مضطرب". غير انه ليس هناك من الألوان ما هو أكثر إثارة للاضطراب والفتنة من اللون الأسود. لكن هل يمكن أن نطلق على الأسود وصف لون؟ غوته نفسه لم يكن متأكّدا من هذا.
إننا نرى الأسود كسطح يمتصّ جميع ألوان الطيف المرئي. وهو دائما يحتفظ بهالة خاصّة وغامضة. كما كان له تأثيره الكبير على الرسّامين.
بِيت موندريان الذي كان معجبا بنظريات غوته استخدم الأسود بطريقة مؤثّرة جدّا في أشكاله التجريدية ذات الخطوط الأفقية والعمودية. بالنسبة له لم يكن الأسود لونا. آد راينهارت الذي درس لوحات موندريان نقل الموضوع خطوة ابعد عندما قال إن الأسود هو لون نفي. انه ينفي جميع الألوان الأخرى. الجانب الغامض من الأسود كان يروق كثيرا للرسّامين.
بول كْلِي قال انه لا يمكن عقلنة الأسود وليس مطلوبا أن نفهمه. بالنسبة له، الأسود هو تعبير عن البدائية. تعليقات كْلي تشير إلى الأصول القديمة للون الأسود، أي إلى الزمن الذي لم يكن الإنسان بعد قد روّض النار أو استخدمها لإضاءة ساعات الظلام.
في فيلم اوديسّا الفضاء لـ ستانلي كوبريك، يظهر بشكل غير متوقّع عمود اسود غامض في الأيّام الأولى لوجود البشر على كوكب الأرض. وعندما يهبط الليل، يبعث مرأى ذلك العمود الغامض الشكّ والهلع في نفوس القِرَدَة.


ترى هل يكون الأسود منزرعا في أعمق أعماق دماغ الإنسان؟ هل هو جزء من تجربة التطوّر التي مرّ بها البشر عبر آلاف السنين؟ ليس ثمّة إجابة واضحة عن هذا السؤال بالرغم من التقدّم الكبير الذي ُانجز في مجال البحوث والدراسات العصبيّة. وكلّ ما نعرفه على وجه اليقين هو أن هذا اللون يمكن أن يثير في وعينا الجماعي إحساسا بالضعف والعجز. كما انه يرتبط بالأمور غير العقلانية أو تلك التي ترفض الخضوع لمنظومة المسلّمات الثقافية.
لذا يمكن القول إن الأسود لون مخرّب، من حيث انه يقوّض الواقع الراهن. ادموند بورك يقول إن الأسود مرتبط بالأشياء الرهيبة والمتسامية معا. كما أن له علاقة دائمة تقريبا بالأشكال الصلبة والهندسية. وبالنسبة للبعض، هو يرتبط باللانهائية وإلى بدايات خلق الكون والحياة على الأرض.
الرسّام الروسي كاسيمير ماليفيتش رسم لوحته المشهورة المربّع الأسود عام 1915 والتي أصبحت احد أهمّ الأعمال الفنية في روسيا. في هذه اللوحة أزاح الرسّام الفراغ الصوري والمنظور تاركا فقط مربّعا اسود نقيّا على خلفية بيضاء. هذه اللوحة أصبحت في ما بعد رمزا لفنّ الحداثة كما كانت مصدر إلهام للعديد من الفنّانين.
في معظم اللوحات التجريدية نلمس إحساسا بالحزن والكآبة. هذا الإحساس الغامض له ارتباط باللون الأسود يعود إلى زمن أرسطو في اليونان القديمة. وفي اللغة اليونانية، فإن مفردة الأسود تعني حرفيا الحزن. وعلى خطى أرسطو وبعد وقرون طويلة، ألّف روبرت بيرتون كتابه المشهور تشريح الحزن عام 1621م. هذا الكتاب عبارة عن دراسة معمّقة لظاهرة الحزن، تاريخها وأسبابها وعلاجها.
في القرن التاسع عشر، ظهر اللون الأسود في العديد من السياقات. بالنسبة إلى غويا، كان الأسود يرمز لحالة النفي الاجتماعي، وهو ما تؤكّده صوره الكثيرة عن الموت والكوارث.
الرسّام الفرنسي هنري ماتيس كان يعتمد على الأسود لتبسيط بناء اللوحة. في لوحته نافذة فرنسية يحوّل ماتيس نظر المتفرّج بعيدا عن ألوان ديكور رمادية وبنّية وخضراء كي يركّز اهتمامه على مشهد لشرفة مظلمة.
كان ماتيس سيّد الألوان المستقلّة الذي قاد تحوّلا تاريخيا مهمّا في الفنّ من خلال دراسته التي كتبها بعنوان "الأسود كلون". وقد بذل الفنّان جهده من اجل تحرير الأسود من هوّيته الشائعة والمتعارف عليها كلون يمتصّ الألوان الأخرى وجعل منه لونا مشعّا وذا خاصّية لامعة. أي انه تصرّف بعكس الانطباعيين الذين كانوا يهتمّون بالضوء، ولذا تجاهلوا اللون الأسود كلّيا تقريبا.
كاندينسكي الذي استخدم الأسود كثيرا في لوحاته كان يعتبره لونا يقود وجودا خاصّا به في مكان بعيد عن حياة الألوان البسيطة. كان كاندينسكي يصف الأسود إما كبُنية دائرية وإمّا تبعا لاستقطابه الألوان الأخرى مثل الأصفر والأزرق أو الأحمر والأخضر أو البنفسجي والبرتقالي.
في الفترة الأخيرة كان هناك اهتمام متزايد وانتقائي بالأسود. وفي بعض الحالات، أصبح هذا اللون يشير إلى التغييرات السياسية والاجتماعية. في لوحتها الحديقة السوداء ترسم جيني هولزر نباتات سوداء أو حمراء قاتمة، يمكن تفسيرها على أنها رمز لموت النظرة الطوباوية إلى العالم. كما يصحّ اعتبارها إعادة صياغة عصرية للوحة نيكولا بُوسان المشهورة رُعاة أركاديا.
ريتشارد سيرا حاول هو أيضا أن يجعل الأسود لونا دنيويا، وذلك من خلال تحويل طبيعته من لون ميثولوجي إلى لون متجسّد ومادّي بحيث تبدو سماته البصرية اقلّ أهمية من خصائصه اللمسية.
في كتابه بعنوان حلقات زحل، يشير دبليو جي سيبالد إلى عُرف كان سائدا في هولندا في القرن السابع عشر. حيث كان من عادة الناس الذين يتوفّى لهم قريب أن يغطّوا بأشرطة الحداد السوداء جميع المرايا في البيت وكذلك جميع اللوحات التي تصوّر طبيعة أو أشخاصا أو فاكهة في الحقول. كانوا يعتقدون أن من شأن ذلك أن يعين الروح وهي تفارق الجسد على أن لا تتشتّت أو تنشغل في رحلتها الأخيرة بانعكاس نفسها أو بإلقاء نظرة أخيرة على الأرض التي يُفترض أنها ستغادرها إلى الأبد.

Wednesday, June 23, 2010

حكايتان

صُدم الطبيب وهو ينظر إلى نتائج الفحوصات والتحاليل التي كان قد أمر بإجرائها لمريضه وتأكّد له ما كان يتوقّعه. فقام بجمع أبناء المريض وسألهم: كم مضى على والدكم وهو يدخّن؟ كان للسؤال وقع المفاجأة عليهم وأخذوا ينظرون إلى بعضهم البعض بدهشة قطعها قول احدهم: لم يعرف والدنا السيجارة أبدا. ولم يدخّن طوال حياته. التدخين في بيئتنا يعتبر من الأمور المعيبة. قال الطبيب: هذا مستحيل. رئتا الوالد تالفتان تماما وقد انتشر فيهما الورم الخبيث طولا وعرضا.
ووسط ذهول الأبناء ممّا سمعوه انتقل الطبيب إلى الغرفة المجاورة ليتحدّث إلى المريض. طلب منه في البداية أن يشرح له بعض عاداته اليومية. فقال: حياتي بسيطة وليس فيها ما يستدعي الاهتمام. في الصباح الباكر أصحو وأصلّي الفجر ثم اتجه إلى الخيمة الملحقة بالبيت. هناك أشعل بعض الحطب وأجهّز القهوة وانتظر مجيء جارنا الذي اعتدت تناول القهوة وتبادل الحديث معه. سأله الطبيب: قلت انك تستخدم الحطب، صف لي هذا الحطب، مثلا ما أنواعه ومن أين تجلبه عادة؟ قال: الحطب موجود في الصحراء كما تعرف. وأنواعه كثيرة. هناك مثلا الطلح والسُمَر والغضى والعرار والحمض إلى آخر تلك الأنواع من الأشجار التي تنمو في الصحراء. عادة نقطع الشجرة ثم نتركها تجفّ وفي ما بعد نستخدمها حطبا لإيقاد النار وإعداد الطعام والقهوة. قال الطبيب: عندما يشتعل الحطب هل يخلّف دخانا؟ ضحك المريض ممّا بدا له انه سؤال ساذج من الطبيب وقال: أكيد، أكثر الأشجار البرّية ذات روائح عطرية ودخانها في الغالب من النوع الحارق ولا مفرّ من أن يستنشقه الإنسان حتى دون أن يقصد.
الحكاية الثانية هي عن مريض آخر ظهر الورم الخبيث في رئتيه. هو أيضا لم يدخّن طيلة حياته أبدا. وعندما طلب منه الطبيب أن يحدّثه عن أسلوب حياته قال: حياتي عاديّة جدّا. لا أتذكّر أنني فعلت شيئا مختلفا عن ما يفعله سائر الناس. في نهاية الأمر اكتشف الطبيب أن مريضه اعتاد منذ سنوات طويلة على أن يبخّر نفسه بأغلى أنواع العود الذي يُجلب عادة من جنوب شرقي آسيا والهند.
هاتان الحكايتان سمعتهما مؤخّرا من أحد معارفنا. وفي النهاية قد يكون ما رواه مجرّد حالتين معزولتين. ولا توجد أنماط متكرّرة أو متواترة يمكن القياس عليها أو بناء استنتاجات مؤكّدة تربط ما بين الإصابة بسرطان الرئة ودخان الحطب أو البخور.
صحيح أن كيمياء الجسم تختلف من شخص لآخر وكذلك مستوى المناعة والقابلية للإصابة بالأمراض. غير أن مما لا شكّ فيه أن استنشاق الدخان، أيّ دخان، يعتبر أمرا مضرّا بالصحّة. كما أن العلاقة بين الصحّة والمرض يدخل فيها عامل البيئة والثقافة المحلّية وأساليب الحياة مما يعرفه الأطبّاء والمتخصّصون.
أتذكّر أنني قرأت مؤخّرا نتائج دراسة طبّية أشارت إلى وجود علاقة ما بين ظاهرة الانتشار الواسع وغير الطبيعي لوباء الكبد الفيروسي النوع بي في مناطق معيّنة من المملكة وبين ميل الأهالي في تلك المناطق لاستخدام أواني طبخ مصنوعة من الحجر. كما ذكرت دراسة أخرى أن هناك علاقة ما بين انخفاض الهرمونات الذكورية عند الرجال وشرب المياه الصحّية المعبّأة في قناني بلاستيكية.
وبعض الدراسات الطبّية التي أجريت في الغرب أشارت إلى أن الغازات الكيميائية والسموم التي تنتج عن الحطب المحترق شبيهة بتلك التي تنتج عن تدخين التبغ، كما أن تأثيرها لا يقلّ عن التدخين السلبي. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن منتجات الايروسول والغازات المنبعثة من عوادم السيارات.
ترى هل تنتقم الطبيعة من الإنسان الذي يقطع الأشجار ويحرق الغابات ويلوّث المياه ويفسد البيئة؟
بعض الناس يظنّون أن التعرّض للأدخنة لا ينتج عنه أيّ ضرر بالنظر إلى أن أجدادنا الأوائل ألفوا العيش وسط الأشجار المحترقة التي كانوا يستخدمونها لأغراض التدفئة وإعداد الطعام.
وإلى فترة ليست بالبعيدة، ساد اعتقاد مؤدّاه أن تدخين التبغ يُعدّ من الأمور الصحّية. لكن عندما نُشرت إحصائيات تقارن بين معدّلات حالات الوفاة عند من يدخّنون ومن لا يدخّنون أصبح الناس على وعي بمخاطر التدخين الصحّية.



Sunday, June 20, 2010

ثلاثة كُتُب

تتفاوت النسبة بين ما هو موضوعي وبين ما هو ذاتي عند الكتابة عن حياة الشخصيّات المشهورة. والمؤلّف الذي يؤرّخ لحياة مبدع ما ويتناول نتاجه بالنقد والتقييم، كثيرا ما تفرض عليه انطباعاته وأفكاره المسبقة نوعية الأحكام والمواقف التي يضمّنها كتابه عن هذه الشخصية أو تلك.
هذه المشكلة لا تقتصر على مؤلّف الكتاب فحسب بل قد تمتدّ أحيانا لتشمل المتلقّي نفسه الذي قد يقرأ الكتاب وفي ذهنه القناعات والمواقف التي كوّنها عن الشخصيّة في مرحلة سابقة.
جيكوب ويسبيرغ يستعرض في المقال التالي ثلاثة كتب تتناول سيرة حياة ثلاثة من كبار الرسّامين، هم على التوالي هنري ماتيس ودييغو ريفيرا وسلفادور دالي.

كقاعدة عامّة، يمكن القول إن حياة الروائيين اقلّ نشاطا وحيوية من حياة الرسّامين. فبينما يجلس الكاتب لوحده إلى طاولة، فإن الفنّان يؤدّي عمله وسط دعم فريق كامل من الرعاة والزبائن والمساعدين.
وبينما يحاول الروائي أن يكون له أسلوبه الخاصّ في الكتابة، فإن الرسّام من حقّه أن ينضمّ إلى تيّار جماعي أو أن يختار طريقه بمفرده.
وعندما يتعلّق الأمر بالسلوك الاجتماعي، فإنه لا توجد مقارنة على الإطلاق بين الروائي والرسّام. وليام فوكنر، مثلا، قد يتناول خِفية جرعة من الكحول من درج مكتبه، بينما يستطيع جاكسون بولوك أن يسكر على الملأ. وهمنغواي بإمكانه أن يتخذ له زوجة أو عشيقة، بينما يستطيع بيكاسو أن يدّخر لنفسه عشرات الخليلات. وإذا كان لدى الكاتب عشيقة، فإن الرسّام يمكن أن يعيش حياة تتسم بالمجون والعربدة.
لهذه الأسباب أصبحت كتب السيرة، منذ جورجيو فاساري في القرن السادس عشر، نوعا من التسلية الجيّدة. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت مثل هذه القصص تساعدك على تقدير وتقييم إبداعات أصحابها. إذا أردت، مثلا، أن تعرف طبيعة إسهامات هاري ترومان، فما عليك إلا أن تقرأ سيرة جيّدة له، لأنه لا يمكنك الذهاب إلى متحف كي ترى سياسة الاحتواء المزدوج. الفنّانون في المقابل يسعون للوصول إلينا دون حاجة إلى كلام النقّاد أو مؤرّخي الفنّ، مع أن هؤلاء قد يلفتون اهتمامنا إلى أشياء ربّما تفوتنا. لكن هل بإمكان كاتب السيرة أن يقرّبنا أكثر من التجربة الفنّية؟
الكتب الثلاثة التالية تقدّم إجابات مختلفة ومتباينة عن هذا السؤال.
الكتاب الأوّل، وهو أفضلها، عنوانه ماتيس المجهول: السنوات الأولى للكاتبة هيلاري سبورلنغ.
كتاب سبورلنغ هو عبارة عن قصّة تكشف فصولها بالتدريج عن سيرة حياة رسّام عظيم. السؤال الذي يطرح نفسه عن ماتيس هو: كيف استطاع ابن تاجر بذور من ريف شمال فرنسا الفقير أن يصبح مبتكر الحداثة وسيّد اللون والضوء المتوسّطيين؟
الكتاب يُطلعنا على خطوات ماتيس الصغيرة وإخفاقاته الكثيرة. وشيئا فشيئا ينقلنا للتعرّف على أسلوبه المبتكر وإبداعاته الثورية.
تشرح المؤلّفة كيف نضج أسلوب ماتيس الفنّي وكيف سقط بعد ذلك في فترة مظلمة دامت سنتين إثر فضيحة مالية نشأت عن تزوير أوراق تورّط فيها والدا زوجته. هذه الفترة من حياة ماتيس شغلت كلّ وقته واستنزفت موارده الشحيحة أصلا وسبّبت له الانهيار. ولم يتمكّن من الوقوف ثانية على قدميه إلا بعد أن تمّت تبرئة أصهاره. ثم تشرح المؤلّفة كيف تأثّر الفنّان بأنماط الأقمشة المزركشة في قريته وبلوحات تيرنر التي رآها أثناء قضائه شهر العسل في لندن وبإحدى لوحات سيزان التي اشتراها بمال بقالة العائلة.
الشيء الجدير بالإعجاب في شخصيّة ماتيس هو نزاهته وإخلاصه. فطوال عشرين عاما صمد هذا الرجل المتحفّظ وذو العادات الثابتة في وجه الفقر والمرض وسوء فهم الآخرين له ورفضهم للوحاته الثورية. والده اعتبره عارا على العائلة وحرمه من نصيبه من الميراث. المعلّمون في باريس اخبروه أن حالته ميئوس منها. معاصروه اعتبروا لوحاته المعْلَمية سخيفة ومضحكة. بعض لوحاته مثل العارية الزرقاء صدمت حتى منافسه العتيد بيكاسو. "إذا أراد أن يرسم امرأة فليرسم امرأة. وإذا أراد أن يضع تصميما فليضع تصميما. لكن هذه اللوحة هي شيء بين الاثنين". بيكاسو قال هذا عن ماتيس، لكنّه عن قريب سيقوم بتقليده.
هذه السيرة عن هنري ماتيس مكتوبة بطريقة جيّدة. غير أنها لا تتحدّث كثيرا عن أسرار الإلهام الفنّي. سبورلنغ تخبرنا أن النمط الذي يظهر على ورق الحائط وقماش المائدة في لوحة ماتيس هارموني بالأحمر مستوحى من قماش قطني ازرق كان الرسّام قد لمحه من نافذة قطار. وأثناء مراجعة اللوحة قام بتغيير خلفيّتها من الأزرق إلى الأحمر.
هذه المعلومة على بساطتها ممتعة. لكنّها لا تقوّي استمتاعنا بهذه التحفة بالذهاب إلى ما وراء المعلومة.

الكتاب الثاني عنوانه الحلم بعينين مفتوحتين: حياة دييغو ريفيرا للكاتب باتريك مارنهام. الكتاب عبارة عن حكاية صاخبة لا تخلو من ثرثرة. ثم هو بعد ذلك عن الرسم.
دييغو ريفيرا عاش حياة أكثر جموحا من ماتيس وأنتج فنّا اقلّ أهمّية. وهذا ما تعكسه بوضوح السيرة التي كتبها مارنهام عن الفنّان المكسيكي.
ارتبط ريفيرا طوال حياته بالماركسية والسياسة المكسيكية. كما عُرف بكثرة عشيقاته وفضائحه النسائية المشهورة وكذلك بزواجه الغريب من الرسّامة فريدا كالو.
كان ريفيرا أيضا ناسج أساطير من طراز غابرييل غارثيا ماركيث. ولطالما تحدّث عن قصص يصعب تصديقها، مثل أكله للحوم البشر عندما كان طالبا وقتاله إلى جانب الثائر ايميليانو زاباتا.
يقول المؤلّف: القصص الحقيقية هي تقريبا بمثل جودة القصص الخيالية. فرغم أن ريفيرا لم يحاول اغتيال هتلر كما كان يزعم متباهياً، إلا انه قد يكون وراء جريمة اغتيال تروتسكي. فقد طرد ريفيرا تروتسكي من منزله في مكسيكوسيتي عندما اكتشف أن الأخير كان يقيم علاقة عاطفية مع زوجته. وكانت كالو قد راودت تروتسكي بسبب غيرتها من علاقة الحبّ التي أقامها ريفيرا مع شقيقتها.
وبعد أن أصبح تروتسكي بلا حماية، وجد نفسه فريسة سهلة لعملاء ستالين.
ويحكي مارنهام عن قصّة العلاقة بين ريفيرا وكالو في إطار من الكوميديا السوداء. "في إحدى المرّات، أسَرّ ريفيرا إلى بعض أصدقائه أن زوجته أصبحت مكتئبة جدّا إلى الحدّ الذي لا يستطيع معه إدخال السعادة على قلبها بإخبارها عن آخر فتوحاته الجنسية".
لكنْ في هذه السيرة أيضا نتعلّم بعض الحقائق عن تطوّر الفنان دون أن نفهم كيف حدث ذلك. في باريس، قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، كان ريفيرا عضوا في حركة الطليعيين الفرنسيين. وكان يرسم أعمالا تكعيبية من قبيل لوحته بعنوان حياة ساكنة مع زجاجة كحول.
وبعد زيارة له إلى ايطاليا رأى خلالها بعض جداريات عصر النهضة، تراجع ريفيرا عن التكعيبية وأصبح يرسم الجداريات الضخمة.
الكتاب الثالث عنوانه الحياة المُشينة لـ سلفادور دالي للكاتب إيان غيبسون. هذا الكتاب يتنمي إلى تلك النوعية من الكتب التي تحفل بالتنظيرات السيكولوجية والمواقف والآراء الانفعالية الحادّة والقاطعة.
ففي كتابه عن دالي، يغرقنا غيبسون بالتفاصيل الساذجة والمملّة. فهو يتحدّث مثلا عن أصول أسلاف دالي وعن هواجسه الجنسية والصراعات داخل الحركة السوريالية التي طُرد منها الرسّام في النهاية بسبب تأييده للفاشية.
نظرية غيبسون الكبرى هي أن حياة دالي كانت مجلّلة بالعار. وهذا ليس بالأمر المفاجئ من شخص رسم لوحة عنوانها المستمني العظيم.
وعلى النقيض من ريفيرا وماتيس، كان وصول دالي مبكّرا وسريعا. فقد أعطته السوريالية طريقة للتعبير عن مكنونات نفسه. ومن الصعب أن تجادل في براعة دالي الفنية كما أثبتها في لوحته مولد الرغبات السائلة التي رسمها عام 1932 عندما كان في سنّ الثامنة والعشرين.
لكن دالي، بحسب المؤلّف، سرعان ما أصبح شخصا راكدا وفاسدا وفي النهاية مثيرا للشفقة.
غيبسون يسرد تجربة دالي الطويلة، لكنّه لا يحاول أن يحلّلها أو يشرحها.
بعد قراءة هذه الكتب الثلاثة، ذهبت لزيارة متحف الفنّ الحديث في نيويورك، في محاولة لاختبار ردود فعلي على الفنّانين الثلاثة.
واستنتجت أن غيبسون حوّل دالي إلى قزم وإلى رسّام بلا قيمة.
بينما حرّضني مارنهام على أن اذهب إلى المكسيك لرؤية المزيد من جداريات ريفيرا.
وأثناء معاينتي للصالة المخصّصة للوحات ماتيس، أحسست بأن احترامي لهذا الفنّان قد تضاعف، خاصّة بعد ما قرأته في كتاب سبورلنغ عن نضاله وعصاميّته. وأزعم أن بإمكاني الآن أن ألقي محاضرة موجزة عن سنواته الأولى.