:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, January 01, 2016

الموت والمبادئ


كلّ عام وأنتم بخير..
من العبارات الجميلة التي تستحقّ أن تُتذكّر زمنا طويلا قول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: لن أموت أبدا دفاعا عن قناعاتي أو مبادئي، فقد أكون مخطئا".
هذه العبارة تتضمّن درسين مهمّين، الأوّل هو أن ما نعتقد انه قناعات مطلقة أو نهائية لا يعدو كونه مجرّد آراء أو تصوّرات قد تخطيء أو تصيب، وإن كانت صائبة اليوم فقد لا تكون كذلك غدا.
والثاني أن ما نعتقد انه قناعات أو مبادئ قد لا يعتبرها الآخرون كذلك، وإذن هي في النهاية أفكارنا الشخصية أو الخاصّة وليس علينا حمل الآخرين أو قسرهم على اعتناقها أو تبنّيها.
راسل له مأثورات كثيرة عميقة المعنى، لكن هذه العبارة استوقفتني كثيرا، وهي ولا شكّ من أبلغها وأعمقها مغزى.
صحيح فعلا، أتساءل، لماذا يتعيّن على الإنسان أن يموت أو أن "يدفع حياته ثمنا لمبادئه"، وهو الكليشيه الذي كثيرا ما يُقدّم كذريعة للاستخفاف بالحياة وإلقاء الإنسان بنفسه إلى التهلكة؟ أظنّ أن تضحية أيّ إنسان بحياته دفاعا عمّا يعتقد انه عقيدة أو حرّية فكرية هو ضرب من الخبال ونقص العقل. ولو طبّق الناس مقولة راسل الذهبية لكانت البشرية قد حافظت على الكثير من الأفراد المبدعين والمتميّزين الذين ظهروا عبر مسيرتها الطويلة و"دفعوا حياتهم ثمنا لمبادئهم"..
سقراط، مثلا، دفع حياته "ثمنا لتمسّكه بمبادئه" كما قيل، لكن هناك اليوم من يعتبر انه تصرّف بحماقة رغم كونه فيلسوفا عظيما، وهو أمر لا يختلف فيه اثنان. حتى تلاميذه في زمانه أنكروا عليه ذلك الموقف المتعنّت وحثّوه على أن يتراجع عنه كي يُبقي على حياته. لكنه أصرّ على موقفه بغباء وفضّل تجرّع السمّ والانتحار، في حين انه كان يستطيع أن يغيّر موقفه، على الأقلّ تكتيكيّا أو ظاهريّا، مقابل أن يحتفظ بحياته. وعندما تتغيّر الأحوال أو الظروف كان بإمكانه أن يجاهر بأفكاره بعد أن يكيّفها ويخفّف من أثرها كي يتجنّب غضب السلطة أو العوامّ والدهماء. نحن هنا بإزاء مفكّر عظيم يختلف عن غيره ويُفترض انه يعرف التوازنات ويفهم التسويات ويدرك متى وكيف يناور لتفادي المخاطر والأضرار المحتملة.
المؤسف حقّا أن البشرية فقدت الكثير من النوابغ والمبدعين تحت لافتة الدفاع عن الحرّية أو عن الموقف، في حين أن الحياة غالية وأثمن من أن تُهدر في سبيل أفكار قد لا تستحقّ أن يتمسّك بها الإنسان في كلّ حين، بل وربّما تستدعي إعادة النظر فيها من وقت لآخر بحكم عامل السيرورة وتبدّل الأحوال والظروف.
الكثير من العباقرة خسروا حياتهم بسبب قناعات قد تكون خاطئة كما يقول راسل، وأستذكر هنا من تاريخنا الحلاج والجاحظ والسهروردي وغيرهم من الأعلام الذين قلّما يجود الزمن بمثلهم. وبالتأكيد أنا هنا لا أتحدّث عمّا إذا كانت أفكار هؤلاء صحيحة أم لا، فهذا مبحث آخر له أهله ومختصّوه، وإن كنت، كما الكثيرين، ممّن يُعجبون بالصور الجميلة من تجلّيات عرفانية وإشراقات وفيوض وصبوات نورانية والتي يختزنها الشعر الصوفيّ الذي يُعتبر كلّ من الأوّل والثالث من بين أشهر أعلامه.
وفي المقابل نجد نماذج غربية تصرّفت بعقلانية وسايرت التيّار ولو على السطح، مثل غاليليو الذي كان ولا شكّ بمنتهى الذكاء والتعقّل عندما أعلن أمام ممثّلي الكنيسة الكاثوليكية تراجعه عن أكثر آرائه العلمية، وخاصّة فكرته العبقرية والصائبة التي تقول بأن الأرض ليست مركز الكون، وهو الرأي الذي اغضب الكنيسة وكاد أن يعرّضه للقتل حرقا بتهمة الهرطقة، وهي تهمة كان من السهل جدّا إطلاقها على أيّ احد في ذلك الوقت مهما كان خطؤه بسيطا أو تافها.
كان غاليليو يعرف التوازنات والمحاذير وكان يعرف انه يتعامل مع مجانين في ثياب رجال دين مهووسين بالسلطة والنفوذ وميّالين لاستخدام الدين الذي يُفترض انه يعلّم الحبّ والتسامح كذريعة وأداة للقتل. فطن غاليليو لهذا ففوّت عليهم الفرصة وأعلن أمامهم عدوله عن أفكاره. لكن تاريخ العلم اليوم يحفظ له ريادته في الكثير من النظريات والآراء الصحيحة التي أنكرها أمام الاكليروس لكنه ظلّ مؤمنا بها ضمن دائرة تلاميذه وأصدقائه الأقربين.
يمكن للإنسان أن يتمرّد على أفكار قبيلته أو جماعته، كما يقول نيتشه. لكن عليه في جميع الأحوال أن يتجنّب الحالات الحدّية التي يتحتّم عليه فيها أن يختار إمّا بين التمسّك بأفكاره وقناعاته الخاصّة التي تقبل التعديل والمراجعة وإمّا الموت.
وأختم بكلام مأثور آخر لهذا الفيلسوف الكبير، أي برتراند راسل، يصبّ في نفس هذا المعنى ويقول فيه: دائما تذكّر انه من الصحّي والمرغوب فيه أن تضع علامات استفهام من حين لآخر على الأشياء التي كانت ثوابت على المدى الطويل".