:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, October 10, 2011

عالَم مارك شاغال


في لوحات مارك شاغال كائنات خرافية وحيوانات طائرة ومخلوقات هجينة نصفها إنسان ونصفها الآخر وحش. ويُفترض أن الرسّام رأى هذه المخلوقات أو تَمثّلها في صور الشياطين المرسومة في الأيقونات والتماثيل العائدة للعصور الوسطى والتي كان معجبا بها كثيرا في بلده الأم روسيا. ولا بدّ وأن شاغال رأى أيضا وهو طفل سلسلة لوحات النزوات التي رسمها الفنّان الاسباني الكبير فرانشيسكو دي غويا.
منذ صغره، كان شاغال مفتونا بهذه النوعية من الصور الخليطة أو المهجّنة التي تمزج صورة الإنسان والحيوان معا، وهي سمة رافقت تاريخ الرسم منذ بداياته الأولى.
وهو في هذا يقتفي خطى العديد من الرسّامين الذين كانوا منجذبين لهذا النوع من الرسومات، مثل هنري فوسيلي وهيرونيموس بوش.
بعض معاصريه من الرسّامين كانوا، هم أيضا، يتبنّون هذا التقليد في الرسم، من بيكاسو إلى برانكوزي إلى جان "هانز" آرب إلى فيكتور برونر وآخرين.
والأمر الثابت هو أن مثل هذه الرسومات التي تصوّر البشر بهيئة وحوش أو طيور خرافية ظهرت بكثرة في فنّ القرن العشرين.
تكرار الأشكال الهجينة هو من ابرز خصائص لوحات شاغال. فهو كثيرا ما يستبدل رأس الإنسان برأس حيوان. كما انه يرسم الوحوش أو الحيوانات بأطراف تشبه أطراف البشر، كي تستخدمها في الرسم أو عزف الموسيقى. وفي بعض لوحاته، قد تندهش عندما ترى رؤوسا أو أيادي تبرز من الآلات الموسيقية كي تعزف لنفسها.
ما المعنى الذي يمكن أن نعزوه لهذه الكائنات؟
الحقيقة أن لهذه الصور رمزية دينية وشعبية ترتبط بالتقاليد اليهودية التي كانت سائدة في فيتبسك، بلدة الفنّان ومسقط رأسه.
الحيوانات المنزلية الحاضرة دوما في لوحات شاغال، كالأبقار والماعز والدجاج، كانت تستثير ذكريات من زمن طفولته التي قضاها في تواصل حميم مع تلك الحيوانات.
عمّه كان جزّارا. وكان يضحّي بالبقر بينما يهمس لها بكلمات مهدّئة. العنزة التي تعزف على الكمان في لوحاته تحلّ مكان عازف الكمان المتجوّل الذي كان يراه وهو طفل في احتفالات القرية السحرية.
السمك، هو الآخر، يذكّره بوالده الذي كان يعمل في مستودع للأسماك.
وإذا كانت الطيور، أيضا، تعزف الكمان أو البوق، فلأن أغنياتها تشبه في خيال الرسّام أنغام الموسيقى السماوية.





لوحات شاغال لا تخلو من روح النكتة والدعابة. فهو لا يتردّد أحيانا في تصوير نفسه على هيئة ديك أو بملامح عنز؛ وهو الحيوان الذي كان شاغال يعبّر دائما عن تعاطفه معه وحبّه له.
الجحش أيضا تظهر صوره كثيرا في لوحات شاغال. الحمار بطبيعته حيوان مطيع ومتواضع. لكنه بنفس الوقت حيوان يهودي ومسيحي. وذات مرّة، رسم الفنّان بورتريها لنفسه بصحبة حمار بالإضافة إلى ساعة جدّه القديمة.
في العام 1941، قال أندريه بريتون إن الفضل يعود لـ شاغال في إدخال المجاز والاستعارة بطريقة مظفّرة إلى الرسم الحديث. كما أشار إلى قدرة الرسّام في تحرير الأشياء والكائنات من اسر قوانين الجاذبية كي يكسر قوانين الطبيعة ويمنح تعبيرا بصريا للأحلام الخفيّة كجوهر للكائنات والأشياء.
ولد مارك شاغال في العام 1887 لعائلة يهودية فقيرة في روسيا. وكان أكبر أشقائه التسعة. وقد ظهرت بوادر موهبته الفنّية أثناء دراسته في المدرسة الروسية. وعلى الرغم من رفض والده، إلا انه بدأ عام 1907 دراسة الفنّ على يد ليون باكست في سانت بطرسبرغ. وفي هذا الوقت اتضحت ملامح أسلوبه المميّز الذي نعرفه به اليوم.
في عام 1910، انتقل مارك شاغال إلى باريس ومكث فيها أربع سنوات. وخلال هذه الفترة، رسم بعضا من أشهر لوحاته عن قريته وطوّر السمات التي أصبحت علامة فارقة على فنّه.
ألوان شاغال القويّة والساطعة تصوّر العالم في حالة أشبه ما تكون بالحلم. الفانتازيا، الحنين والدين، كلّ هذه العناصر تمتزج معا لتخلق صورا عن عالم آخر.
في عام 1914، أي قبل نشوب الحرب العالمية الأولى، أقام شاغال معرضا مفردا للوحاته في برلين. وأثناء سنوات تلك الحرب، اختار أن يبتعد عن باريس ويقيم في روسيا.
وفي عام 1922، غادر روسيا ليستقرّ في فرنسا بعد ذلك بعام. وقد عاش في باريس بشكل دائم، باستثناء الفترة من 1941 إلى 1948، عندما هرب من فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية ليقيم في الولايات المتحدة.
وقد عبّر شاغال عن رعبه من صعود النازية إلى السلطة في العديد من اللوحات التي تصوّر مآسي النزوح والتشريد والموت.
ويمكن القول إن مواضيع لوحاته موزّعة بين قصص التراث الديني وعناصر الفولكلور والقصص الشعبية ومن تفاصيل الحياة الدينية في روسيا.
وقد نال شاغال العديد من الجوائز اعترافا بفنّه. كما كان احد الرسّامين القلائل الذين عُرضت أعمالهم في متحف اللوفر أثناء حياتهم.

Credits
theartstory.org