:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, December 29, 2005

كاسيتات دعويّة

"خندقي قبري وقبري خندقي!"
- مقطع من كاسيت دعوي

يدهش المرء وهو يرى هذا الحضور المكثّف للكاسيتات الدينية في كل شارع وسوق وحيّ!
كاسيتات لا عدّ لها ولا حصر لمشايخة ومفتين و "طلبة علم!" لا يكلون ولا يملون من تحذير الناس بلغة صارمة وملتهبة من عاقبة الاستماع إلى الموسيقى والغناء وكافة أشرطة الكاسيت، طبعا عدا تلك التي تحتوي على فتاواهم وخطبهم!
وقبل أسابيع كتب الدكتور سعد الصويّان مقالا جريئا عن ظاهرة الكاسيتات الدعوية وكيف أنها "أصبحت تستخدم للتجييش والتعبئة التي يصبح فيها الجهاد حالة ذهنية وأسلوب حياة، فالشريط الجهادي يصف لك الطريق الذي ينبغي أن تسلكه لنيل الشهادة التي بها تستحق الحور العين، وهكذا في نهاية المطاف يختزل هدف الشهادة السامي بهدف شهواني ويتحوّل مفهومها الإنساني إلى مجرّد بحث أناني عن المتعة الجنسية بصرف النظر عما تحققه الشهادة على مستوى الصالح العام أو على مستوى إعلاء كلمة الله".
وعلى طاري الكاسيتات والأشرطة الدعوية، نقل اليّ صديق قصة طريفة حدثت لابنته.
قال: ابنتي تذهب صباح كلّ يوم بصحبة عدد من زميلاتها إلى المدرسة المتوسطة.
سائق الحافلة الذي ينقلهن مواطن إندونيسي. وكلّ صباح اعتاد السائق أن يضع مؤشّر الراديو على راديو الام بي سي اف ام!
ويبدو أن تلك كانت الإذاعة الوحيدة المتوفّرة في الباص.
إحدى الطالبات كانت تبادر فور أن تستقلّ الحافلة إلى إطفاء الراديو.
وبعد ذلك تفتح حقيبتها وتناول السائق شريط كاسيت وتأمره بأن يقوم بتشغيله.
ومنذ ذلك اليوم استطاعت تلك الداعية الصغيرة أن تغيّر جوّ الرحلة اليومية وتفرض ذوقها على زميلاتها.
لكن من باب طرد الرّتابة والملل، كانت تقوم كلّ يوم بإحضار شريط مختلف.
فيوم مخصّص للشيخ فلان في محاضرته عن عذاب القبر!
ويوم للشيخ (...) في فضل البراءة من المشركين!
ويوم مخصّص للشيخ (...) في كراهية الموسيقى والغناء!
ويوم للشيخ (...) في عظم ذنب من يتعطّرن ويضعن المكياج!
وهكذا.
يقول الصديق: بعد أيام، ظهرت على ابنتي بعض الأعراض الدّعوية الغريبة، فأصبحت تنفر من مشاهدة التلفزيون وتناصب العداء غير المبرّر لأدوات التجميل والزينة وتكثر من الحديث بلا مناسبة عن فساد الكفار وسوء عاقبة أهل الشرك والضلال.
ويضيف: أوكلت إلى أمّ البنت مهمّة إصلاحها واعادة تأهيلها وإرجاعها إلى جادّة الصراط.
لكن الأم لم تحقّق النجاح المنشود في مسعاها، إذ أن كلام الليل سرعان ما تمحوه كاسيتات الصباح!
وما يزال مسلسل الكاسيت والمحاضرات الدعوية مستمرّا في مجتمع الحافلة الذي هو نموذج مصغّر للمجتمع الكبير!

Tuesday, December 27, 2005

أهمية إعادة الاعتبار للعقل

"لا نستطيع أن نحلّ المشاكل المزمنة التي تواجهنا بنفس العقلية التي أوجدت تلك المشاكل. ومن السّذاجة أن نفعل نفس الأمور بنفس الطريقة ثم نتوقّع نتائج مختلفة".
- البيـرت آينشتـايــن

من الخطأ أن يتعسّف البعض في تفسير الآيات القرآنية فيربطها بالنظريات والاكتشافات العلمية ويحمّلها فوق ما تحتمل كما يفعل زغلول النجار وعبدالمجيد الزنداني وغيرهما.
فالقرآن الكريم، كما نعرف، هو كتاب هداية وتربية وإرشاد في المقام الأول، وليس مرجعا في الفيزياء أو الفلك أو الطب والعلوم.
إن الذي يريد معرفة أسرار الكون عليه أن يقرأ ما كتبه كبار العلماء مثل اينشتاين وهوكنغ وديفيز ونيوتن وغيرهم من الأسماء البارزة في مجال الفيزياء والطبيعة.
وحبّذا لو قام مسئولو التعليم في بلداننا بترجمة كتب هؤلاء وغيرهم إلى العربية بطريقة سهلة ومبسّطة ومفهومة كي يقرأها اكبر عدد من الناس.
هذا بنظري أولى وأهم من غسل أدمغة الطلاب بفقه التبديع والتفسيق وفتاوى التحريم والتكفير والكراهية التي لا يمكن إبطال مفاعيلها الضارّة وآثارها الخطيرة سوى بمنظفات من هذا النوع الذي يحفظ للإنسان عقله ويحفّزه على استخدام ذلك العقل فيما ينفعه ولا يضرّه وفي ما يفتح وعيه على منافذ العلم والمعرفة الحقّة.
ربّما لو وجدت هذه الفكرة طريقها للتنفيذ لخفّت حدّة التطرّف والتفكير الغيبي ولاصبح الناس في مجتمعاتنا اقلّ ميلا إلى التفسيرات الغيبية التي تجنح غالبا نحو الخرافة كلما أتى الحديث عن الإنسان والكون والوجود.
وربّما – من جهة أخرى – يصبح الناس في بلادنا اكثر تقبلا للعلمية (من العلم) واقلّ نزوعا إلى استحضار الخرافات والأساطير والركون إلى ما ينشره بعض الناس من أمور هي اقرب إلى الخزعبلات والتخريفات منها إلى حقائق العلم الحديث.
إن من الضروري أن نعيد النظر في رؤيتنا للمنطق وفي تعاملنا مع الظواهر العلمية، وهذا يبدأ من إعادة التفكير جديا في صوغ المناهج الدراسية التي تدرّس للتلاميذ بطريقة تعيد الاعتبار لعلم المنطق وأساليب البحث العلمي لان من شأن ذلك أن يعين الناشئة على تفسير الأحداث والظواهر تفسيرا علميا ومنطقيا بعيدا عن التناول الغيبي والخرافي الذي سدّ منافذ العقل وعطّل ملكة التفكير عند قطاعات كثيرة في مجتمعاتنا.

Sunday, December 25, 2005

ثقافة الأسهم

في المجالس والمكاتب والبنوك والمنازل وفي كلّ مكان، لا حديث للناس هذه الأيام سوى عن الأسهم.
ومنذ البداية كنت أقول إن هذا النوع المستحدث من البيزنس يصلح للفقراء وذوي الدخل المحدود، أي من لا يملكون منزلا ولا رصيدا في البنك ولا مصدر دخل غير الراتب الذي ما أن يحلّ أوانه في نهاية الشهر حتى يطير ويتلاشى سدادا للقروض والفواتير والضرائب والديون.
(وهنا افتح قوسا: بعيدا عن جزئية الراتب والديون والفواتير وحتى الأسهم. سألني زميل ذات مرّة سؤالا من نوعيّة الأسئلة المدبّبة التي تصيب عقل الإنسان بالدّوار والصدمة. قال: هل تخيّلت في يوم من الأيام معنى أن لا يكون للإنسان بيت في وطنه؟! وهل تدرك معنى أن لا يعود الإنسان قادرا على أن يحلم، مجرّد حلم، بامتلاك بيت أو ما يشبه البيت في هذا المكان الذي نسمّيه "وطن"؟)..
قلت: لا حديث للناس هذه الأيام سوى عن الأسهم.
فمعظم القنوات الفضائية، إن لم يكن جميعها، أصبحت تخصّص شريط أخبار إضافيا ترصد فيه مؤشّرات حركة الأسهم التي تتغيّر صعودا أو هبوطا على مدار اللحظة.
قناة العربية، مثلا، أصبحت تخصّص يوميا اكثر من أربع ساعات من بثّها لتغطية نشاط البورصة ومتابعة كل شاردة وواردة في السوق.
وكلنا نتذكّر كيف أن السعوديين تدفّقوا على دبي منذ فترة للفوز ببعض اسهم إحدى الشركات الكبرى، واضطرّوا للنوم في الشوارع والحدائق العامة بسبب الازدحام في الفنادق، والكثيرون منهم عادوا من هناك بالخيبة والإحباط وبخفّي حنين!
الحقيقة أن تقارير الأسهم أصبحت خبرا يوميا يؤثر في حياة الناس.
في منطقة الخليج بشكل عام، اصبح الناس يهتمّون بالأسهم اكثر من حرصهم على متابعة آخر تطوّرات الوضع في العراق وفلسطين.
فهل سيؤدّي انشغال الناس بهذه الثقافة الجديدة والمربحة، أي الأسهم، إلى تخفيف الضغط السياسي عن الحكومات المطالبة (بفتح اللام) بالإصلاح والعدالة والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار؟
لنتذكّر أننا نتحدّث عن دول ما تزال بعضها تتعامل مع الميزانيات الوطنية باعتبارها أسرارا عسكرية.
لكن كيف يمكن لنا أن نقرأ هذه الظاهرة في سياق أوضاعنا الداخلية؟
هل يمكن أن يؤدّي هذا اللهاث الشديد وراء الأسهم إلى تمدّد الطبقة الوسطى في المدى المنظور، وذلك بعد أن تقلص حجم هذه الطبقة كثيرا بسبب التفاوت المخيف والمخلّ في توزيع الثروة؟
أما سؤال الأسئلة أو سؤال المليون دولار كما يقولون، وهو سؤال متفرّع، فيمكن تلخيصه في التالي: هل تكالُب الناس عندنا على الأسهم وتزاحمهم بهذا الشكل الجنوني والمحموم على تحقيق العوائد والأرباح هو جزء من خطة يراد من ورائها توسيع قاعدة المستفيدين من الفرص الاقتصادية الجديدة، كحلّ بديل عن تطبيق الشفافية المالية وإعادة توزيع الثروة الوطنية بطريقة اكثر عدلا بدلا من تركيزها في يد فئات صغيرة من الناس؟
وألا يمكن، فيما لو بلغ التهافت على الأسهم اشدّه واخذ مداه وانتشاره، أن يؤثّر ذلك على المبادرات التجارية الفردية وأصحاب المشاريع الصغيرة ويؤدّي في نهاية الأمر إلى ولادة شركات مساهمة عملاقة تتحكّم، ليس فقط في صناعة القرار الاقتصادي، وإنما أيضا في القرار السياسي وفي أمور الحكم والإدارة، تماما كما حدث ويحدث في بلاد كثيرة من العالم؟
وأخيرا يتساءل البعض: هل أن ما يجري حاليا هو مجرّد طفرة عابرة ستأخذ وقتها وتكمل دورتها الطبيعية إلى أن تنتهي وتتلاشى مثل سابقتها، أم أن ما يحدث محكوم برؤية مستقبلية محدّدة يمكن أن يتمخّض عنها واقع اقتصادي وتنموي جديد يصبّ في مصلحة جميع فئات الشعب بلا استثناء ويعزّز ثقة الناس في المستقبل؟