:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, August 24, 2017

فنّ الإنشاد الدينيّ


من الأصوات الجميلة التي لا تُنسى صوت الشيخ المرحوم حمزة شكّور. كنت أواظب على سماع أناشيده وابتهالاته وموشّحاته من تلفزيون سوريا، وكانت تُبثّ عادةً وقت السحر في شهر رمضان الكريم من كلّ عام.
وصوت الشيخ حمزة جميل بما لا يوصف، قوّته الروحية تجتذب السامع إلى التقاليد الصوفية القديمة. وأنت تسمعه لا بدّ أن يثير في نفسك شعورا بالصفاء والسكينة.
ولد الشيخ حمزة شكّور في دمشق عام 1947. وكان والده يعمل آنذاك مؤذّنا في احد المساجد، وقد علّمه أصول التلاوة والإنشاد الدينيّ. ثم أصبح الشيخ حمزة مقرئا للقرآن الكريم ومنشدا. وفي ما بعد عُيّن كبيرا للمنشدين في الجامع الكبير في دمشق. كما كان يشارك بفاعلية في المناسبات الدينية، ما أكسبه قبولا وشعبية إضافية لدى الناس.
وعلى الرغم من أن الشيخ لم يتلقَّ تعليما نظاميّا في الموسيقى، إلا انه استطاع أن ينتج آلاف الأغاني والمقطوعات ما بين ابتهالات وتقاسيم وبشارف وأدوار ومقامات وموشّحات.
وقد ارتبط اسم الشيخ حمزة شكّور بفرقة أميّة للفنون، ثم بفرقة الكندي التي أسّسها مع الموسيقيّ الفرنسيّ جوليان جلال الدين فايس عام 1983.
كان جوليان جلال الدين عاشقا للموسيقى العربية الكلاسيكية. وقد أتى إلى سوريا واستقرّ فيها بعد أن اشترى قصرا مملوكيّا قديما في وسط حلب يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر. وكان قبل ذلك قد تعلّم العزف على القانون وأصبح من أشهر العازفين على هذه الآلة. ثم تحوّل إلى الإسلام واختار لنفسه اسم جلال الدين تيمّنا بالروميّ مؤسّس المولوية.
ومن خلال فرقة الكندي، استطاع الاثنان تقديم الغناء العربيّ والأندلسيّ إلى الجمهور الغربيّ من خلال الحفلات العديدة التي أقامتها الفرقة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وهونغ كونغ والبرازيل وغيرها.
حمزة شكّور كان إنسانا متديّنا بعمق. وكان يمثّل إسلاما مستنيرا ومنفتحا وبعيدا جدّا عن التحجّر والغلو. وقد أدّى أناشيد دينية مع العديد من الفرق العالمية، ومنها فريق غريغوريان للإنشاد الكنسيّ.
كما اشتهر الشيخ بارتجالاته التي تعلّمها من تراث يعود إلى مئات السنين عندما كانت الأدعية والابتهالات تُمزج بالموسيقى والأنغام.
في القرن التاسع الميلادي، تبنّى المتصوّفة الموسيقى كطريقة للوصول إلى حالة من النشوة الروحية، أو ما يسمّونه بالحبّ الإلهيّ. وفي ذلك الوقت أيضا بدأت تقاليد "السَّماع"، وهي مفردة تعني إضفاء بعد روحيّ على الموسيقى والشعر حتى عندما لا يكون مضمونهما دينيّا خالصاً.
وقد بدأ ذلك التقليد في قونية بالأناضول على يد الشاعر الفيلسوف جلال الدين الروميّ مؤسّس الطريقة المولوية. ورغم أن طقوس تلك الطريقة مرتبطة في الأساس بتركيا، إلا أن تقاليدها انتشرت في البلدان المجاورة مثل سوريا ومصر والعراق منذ القرن السادس عشر.
وكان الشيخ حمزة متأثّرا بتراث الصوفية وبتقاليد المولوية. ورغم قلّة عدد أفراد هذه الطريقة في سوريا، إلا أن الناس كانوا منجذبين إلى سماع أدعيتهم وموسيقاهم.
وقد هُدّدوا بإغلاق زواياهم وحفلاتهم في عدد من المناسبات، لكن المكانة الشخصية الكبيرة للشيخ حافظت على وجودهم. وكان قد وصل إلى درجة من النجومية سمحت له بأن يحتفظ بمجموعته الصغيرة من المنشدين والعازفين.
ومن الأشياء التي ابتكرها الشيخ شكّور انه أضاف إلى الأذان مقامات أخرى كالبياتي والسيكا والراست بعد أن كان مقتصرا على مقام الحجاز. ولذا قيل انه في سوريا فقط يمكنك أن تسمع الأذان بأربعة مقامات متنوّعة.
وهناك أيضا المدائح النبوية وأسماء الله الحسنى التي طالما أدّاها الشيخ حمزة بنغمات عميقة ومتأمّلة، بينما المنشدون يردّدون خلفه بتبتّل وخشوع. وموهبة الشيخ لم تكن تتمثّل في صوته الشجيّ والحسّاس فحسب، بل في قوّة ذلك الصوت أيضا، لدرجة أنه قيل أن أداءه المنفرد يمكن أن يعادل اوركسترا كاملة ويملأ فراغ غرفة كبيرة.
وكان الشيخ حمزة أيضا يعرف كيف يخاطب أحاسيس جمهوره كي يأسرهم، وهذه موهبة إضافية لا يتمتّع بها سوى القليل من المنشدين.
توفّي الشيخ حمزة شكّور في دمشق في فبراير من عام 2009 عن ستّة وستّين عاما. وبعده بستّ سنوات، توفّي في باريس صديقه وشريكه في تأسيس فرقة الكندي جوليان جلال الدين. لكن جهودهما في إثراء الموسيقى العربية التراثية وفي نشر الإنشاد الدينيّ في العالم ما تزال ماثلة للعيان من خلال ما تركاه من سيرة طيّبة وإرث ضخم.

Credits
alkindi.org

Sunday, August 20, 2017

رمبراندت و ليستر: صورتان

في حوالي منتصف القرن السابع عشر، رسم كلّ من رمبراندت وجوديث ليستر لوحتين ستصبحان في ما بعد من أشهر البورتريهات الشخصية المألوفة في تاريخ الفنّ الهولنديّ والعالميّ.
للوهلة الأولى، يبدو البورتريهان متشابهين تماما. فكلّ من الرسّامَين رسم نفسه وهو ينظر مباشرة إلى المتلقّي. وكلا الصورتين مرسومتان بنصف طول. لكن نظرة مقرّبة من اللوحتين تكشف عن تباينات واضحة وتشير إلى واقعَين مختلفين.
فصورة ليستر لنفسها يمكن تفسيرها على أنها ترويج للذّات، في حين يبدو أن دافع رمبراندت من رسم شخصه هو رغبته في فهم نفسه كإنسان أوّلا وأخيرا. أي أن الفنّانَين اختارا أن يرسما نفسيهما من منظورين مختلفين تماما.
فرمبراندت رسم لنفسه صورة وهو يرتدي ملابس داكنة وغير مرتّبة إلى حدّ ما. قارن هذا بالطريقة التي رسمت بها ليستر نفسها بحيث لم تترك شكّاً حول طبيعة مهنتها. لقد رسمت نفسها وهي تعمل، يدها اليسرى تمسك بقماش الرسم وبأكثر من عشر فراشي للألوان. بينما يدها اليمنى تتأهّب لوضع اللون على القماش. ثم هناك ملابسها، فستانها الزهريّ والأسود الحديث بأكمامه وياقته الحريرية يوصل إحساسا بالثراء والرفاهية.
وكلّ هذه التفاصيل توحي بأن ليستر تريد أن تُبرز في لوحتها نجاحها كرسّامة. وبالمقابل فإن رمبراندت أهمل تماما هذه الأشياء المساعدة وفضّل أن يركّز اهتمامه على نفسه كشخص وكإنسان.
أيضا هناك استخدام كلّ من الرسّامين للألوان والأضواء بطريقة مختلفة. لاحظ كيف أن صورة رمبراندت لنفسه أحادية اللون تقريبا. الألوان المهيمنة على صورته هي عبارة عن درجات متفاوتة من البنّي القاتم مع لمسات خفيفة من الذهبيّ الذي يلمع من بين طيّات قبّعته. هناك أيضا ومضات ذهبية على شعره الرماديّ وعلى وجهه.
شخص رمبراندت في اللوحة ذو نوعية ضبابية، وإلى حدّ ما مُشعّة. أما الجزء السفليّ من جسمه، بما في ذلك اليدان، فيقع في الظلّ على نحو يذكّرنا بأسلوب كارافاجيو. وهذا التفصيل وظيفته جذب انتباه الناظر إلى وجهه الذي يُعتبر أهمّ جزء في اللوحة.
تركيز رمراندت على وجهه وملامحه يرمز للشخصية أكثر من المهنة. ولو انه أراد الإشارة إلى مهنته لركّز على رسم اليدين. أي انه أراد في هذا البورتريه أن يرسم نفسه كإنسان فحسب أكثر من كونه رسّاما.
لاحظ أيضا كيف انه وظّف تناوله للألوان والظلال لكي يضفي على عمله إحساسا بالعمق. رمبراندت أراد أن يخلق صورة واقعية لنفسه في فراغ ثلاثيّ الأبعاد، وهو هدف لطالما ناضل لتحقيقه في معظم أعماله. وفكرته هنا تتمثّل في اختياره التركيز على نفسه كموضوع وليس الترويج لنفسه كرسّام.
وبالمقابل، هناك الكثير من الألوان في بورتريه ليستر الشخصيّ، من الفستان الزهريّ والأسود، إلى أطراف الأكمام والياقة البيضاء. ثم هناك الطلاء الأخضر الخفيف لذراع الكرسيّ الذي تجلس عليه، بالإضافة إلى الأزرق الشاحب لزيّ عازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه. وعلى جانب من ياقتها الواسعة يمكن رؤية لمحة من ظلّ خفيف.

لكن اللوحة تفتقر إلى الإحساس بالبعد الثلاثيّ. وهناك أجزاء كبيرة من فراغ اللوحة تبدو مسطّحة بما فيها الجزء الأعلى من الفستان الأسود الناعم. وقلّة الأبعاد في لوحتها يوحي بأنها اهتمّت برسم التفاصيل التي تروّج لنفسها، مثل أدوات الرسم ووضعية الجلوس، أكثر من اهتمامها بإظهار فراغ إنسانيّ حقيقيّ.
الألوان في لوحة ليستر تعزّز هذه الروح الحيّة التي تضفي على البورتريه فرحا وثقة. إتّكاؤها على كرسيّها وابتسامتها يُظهِرانها بمزاج مريح ومسترخٍ. فمها مفتوح وحتى بعض أسنانها ظاهرة كما لو أنها تتكلّم أو تضحك، وهذا أمر غير مألوف عادة في البورتريهات الرسمية.
وعازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه يبدو انه، هو الآخر، مستمتع بمزاجها الفرح والواثق. وكلّ هذه التفاصيل يمكن أن تقدّم لمحة عن شخصية الرسّامة، كما أنها تشير إلى رغبتها في استخدام هذه الصورة كنوع من الدعاية والإعلان لنفسها.
من جهة أخرى، يبدو مزاج رمبراندت في لوحته حزينا إلى حدّ كبير. نظراته عميقة وقلقة مع تغضّنات بارزة في الجبين وبين الحاجبين وعلى الوجنتين. والانفعال العامّ في صورته هذه هو القلق والتوتّر. وفي تضادّ تامّ مع أجواء التفاؤل والثقة بالنفس في لوحة ليستر، يصوّر رمبراندت نفسه هنا ضعيفا وواهناً. ومن الواضح أن اهتمامه مُنصبّ على تصوير حالته الانفعالية أكثر من الدعاية لشخصه.
هناك أيضا شي آخر لافت، فـ ليستر رسمت نفسها على يسار الناظر، وهي وضعية عادة ما تكون مقتصرة على الرجال في لوحات القرن السابع عشر، كعلامة على الأهمّية والنفوذ. أما رمبراندت فقد رسم نفسه على يمين الناظر، وهذا يتوافق مع إحساسه بالكرب والهشاشة. هذه الوضعية تحيل انتباه الناظر مرّة أخرى إلى أهمّ عنصر في اللوحة، أي وجه الرسّام الذي ينظر بتوتّر واضح.
التفاصيل في كلّ من هاتين اللوحتين توحي باختلاف الواقع. ضربات الفرشاة في لوحة رمبراندت خشنة وقويّة، في الخلفية وعلى الوشاح. وهو لم ينسَ أن يرسم التجاعيد على جبهته، كما رسم خصلات شعره البيضاء التي تبدو غائمة ومشوّشة. وباختصار، صوّر رمبراندت ملامحه الخارجية تصويرا أمينا وواقعيّا.
لكن ماذا عن ليستر؟ لقد رسمت يديها ووجهها بنعومة واضحة، حتى أنها قامت بإخفاء الثنيات التي تظهر على الوجه والفم أثناء الابتسام. واستخدمت نفس النعومة في تصوير شعرها وياقتها وغطاء رأسها.
لكنها وظّفت فرشاة خشنة في أماكن أخرى، على تنّورتها الزهرية مثلا. ومن الواضح أنها استلهمت هذا النوع من ضربات الفرشاة من فرانز هولس الذي كان رسّاما مشهورا ومعاصرا للرسّامة.
وهي بهذا تريد أن تثبت أنها أتقنت أسلوب رسّام هولنديّ كبير، واضعةً نفسها في مكانة أعلى من تلك التي لمنافسيها. كما أنها تريد أن تثبت لمن يرى صورتها أنها يمكن أن تنجح وأن تبرز في مجال يهيمن عليه الرجال تقليديّا، أي الرسم.
أما رمبراندت فقد أراد من خلال ظلاله الثريّة والغامضة أن يكشف للناظر عن طبيعته الانفعالية والروحية بإبراز تفاصيل وجهه وملامحه التي نفّذها ببراعة وإحكام.

Credits
rembrandtpainting.net
rijksmuseum.nl