:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, February 18, 2012

سوريا: وجهة نظر إسرائيلية

ما الذي سيحدث في سوريا تالياً؟
الإجابة الوحيدة والأمينة على هذا السؤال هي: لا احد يعرف على وجه التأكيد. فبعد مرور حوالي عام على الثورة ضدّ النظام وسقوط أكثر من ثمانية آلاف قتيل، لا تتوفّر بعد أيّ فكرة عمّن سيحكم سوريا عندما يهدأ الغبار، ولا متى سيهدأ.
انتصار النظام ممكن جدّا. وسقوطه، إن تحقّق، قد يجلب نظام حكم إسلاميّا.
- ما الذي نعرفه حتى الآن؟
أوّلا: لا يجب تضخيم دور إيران. فرغم الشائعات الكثيرة، فإن النظام السوري لا يحتاج للإيرانيين كي يساعدوه في قمع شعبه. إيران مهمّة للنظام كمصدر للتمويل. لكنّ هذه معركة بشّار التي ينبغي عليه فيها إما أن ينتصر أو يخسر. وطهران هي في النهاية لاعب ثانوي. حليف سوريا الآخر هو حزب الله. ومشاركته في عمليات قتل مسلمين سنّة أفسدت علاقة الحزب مع حركة حماس وأفقدته ما تبقّى له من شعبيّة في الشارع العربي.
هناك الآن على ما يبدو نسخة جديدة، سنّية شيعية، من الحرب الأهلية الاسبانية تجري في سوريا. لكن عندما يتعلّق الأمر بالمتطرّفين الإسلاميين على كلا الجانبين، فإنه لا يوجد بينهم شخص طيّب.
ثانيا: تركيا ليست الشخص الطيّب. فالنظام الإسلامي التركي يعارض النظام السوري، ليس حبّا بالديمقراطية، وإنما لأنه يريد أن يرى نظاما إسلاميا سنّيا ديكتاتوريا في دمشق. والأتراك يفضّلون أن يكون النظام الجديد تحت نفوذهم. وفي هذه الحالة فإن تركيا وإيران متساويتان في السوء.
- هل يمكن أن يتوصّل النظام السوري والثوّار إلى اتفاق؟
لا. هذه حرب يجب خوضها حتى الموت. النظام لا يستطيع عقد اتفاق يقضي في النهاية بتخلّيه عن السلطة، لأن النخبة الحاكمة ستخسر عندها كلّ شيء. وهذا يعني أن أركان النظام سيواجهون الموت أو النفي أو السجن لمدد طويلة إن هم خسروا.
ونفس الشيء يمكن أن يقال عن العلويين وفئات واسعة من المسيحيين "أي حوالي 25 بالمائة من عدد السكّان". هؤلاء يواجهون فعليّا خطر التصفية إن سقط النظام.
- هل ما تزال هناك إمكانية لأن يطيح الجيش بالنظام أو يغيّر ولاءه؟
لا. هناك حتى الآن بعض الانشقاقات في صفوف الجيش. لكن القيادات العليا لا تستطيع أن تتحمّل تغييرا في قمّة السلطة.
- هل يمكن الحديث الآن عن حرب طائفية في سوريا؟
ليس بعد. هناك حتى الآن عمليات قتل طائفي. لكن متى بدأ سفك دماء من هذا النوع فستكون النتيجة مرعبة. ما يزال بالإمكان تجنّب مثل هذا السيناريو، مع أن الوضع الآن خطير جدّا.
- هل دخلت سوريا فعلا مرحلة الحرب الأهلية؟
قد يكون ما نراه الآن إرهاصات لحرب أهلية. المجلس العسكري الذي تشكّل مؤخّرا كلّ أعضائه من العرب السنّة. وهم يقولون إنهم سيقاتلون النظام ويدافعون عن الشعب. لكن تدبير السلاح ما يزال يمثّل مشكلة.
- هل انهيار الاقتصاد سيسقط النظام؟
لا. لا احد يستقيل لأنه جائع. الحالة في سوريا هي إما أن تقتل أو تُقتل.
- هل سيشنّ النظام هجوما على إسرائيل؟
تاريخيا، الأنظمة المستبدّة في المنطقة تبادر إلى مهاجمة إسرائيل لصرف الأنظار عن مشاكلها الداخلية. والسيناريو المحتمل هو حرب بين حزب الله وإسرائيل، كما حدث في العام 2006م. النظام السوري أصبح الآن وراءنا. لكنّ المتطرّفين في مصر قد يحاولون هذا قريبا. حزب الله يحاول تعزيز قبضته على لبنان. وحرب مثل هذه ستشكّل خطرا على مصالحه.
- ماذا عن المعارضة السورية؟
أهمّ مجموعة في المعارضة هي المجلس الوطني السوري الذي يتألّف من خمسة عشر مسلما سنّيا ومسيحيَين وكرديَين. لاحظ انه لا يضمّ دروزا أو علويين. وهو يحظى بدعم غربي رغم حقيقة أن من يسيطر عليه هم الإسلاميون. وعشرة من بين أعضائه التسعة عشر هم من الإخوان والسلفيين.
الأكراد مستاءون من هيمنة الإسلاميين على المجلس. وهذا هو السبب في أنهم لم يشاركوا فيه. ممّا يؤخذ على المجلس الوطني عدم تمثيله لكافّة الأقليّات في سوريا وافتقاره للشفافية في عملية اتخاذ القرار وانعدام الرؤية السياسية حول مستقبل سوريا ما بعد الثورة.
هناك أيضا لجنة التنسيق الوطنية التي يسيطر عليها اليساريون. والمجلس السلفي بقيادة الشيخ السلفي عدنان عرعور.
ويجب التأكيد على انه لا توجد قيادة حتى الآن توجّه الثورة فعليّا.
- هل من مؤشّرات تنبئ بما ستؤول إليه هذه المعركة في النهاية؟
الإطاحة بنظام الأسد يعتبر تطوّرا ايجابيا لو حدث، مع أن مجيء نظام إسلامي سنّي بديلا عن النظام الحالي سيمثّل تهديدا للكثيرين.
إذا نجا النظام ونجح في كسر الثورة، فإننا نعرف بأنه سيستمرّ في قمعه واستبداده بالتحالف مع إيران. ونجاح الثورة يعني أن هناك فرصة لديمقراطية حقيقية قد تكون أفضل من تلك التي في مصر.
في سوريا، ستّون بالمائة من السكّان هم من المسلمين السنّة. والأقليّات، العلويون والمسيحيون والدروز والأكراد، لا يريدون نظاما عربيا سنّيا. السوريون السنّة غالبيّتهم من سكّان الحواضر ومن الطبقة الوسطى، وهم أكثر اعتدالا من إسلاميي مصر. الإسلاميون والإخوان السوريون ليسوا بمثل قوّة نظرائهم في مصر. في مصر وليبيا وتونس، يواجه الإسلاميون فراغا سياسيا. في سوريا، سيواجه الإسلاميون معارضة قويّة ومنظمّة.
الآن هناك عدوّان رئيسيان يقفان في طريق الشعب السوري نحو ديمقراطية معتدلة ومستقرّة: الأوّل هو النظام السوري نفسه. والثاني هو السياسة الأمريكية التركية. الولايات المتحدة وتركيا تريدان، الأولى بسذاجة والثانية بمكر، أن تفرضا على السوريين نظاما إسلاميا قمعيا جديدا.

Thursday, February 16, 2012

خطوط وألوان

فرانشيسكو دي غويا، الثاني من مايو عام 1808، 1814


يُفترض أن هذه اللوحة تصوّر الأحداث المأساوية التي وقعت في ذلك اليوم في مدريد عاصمة اسبانيا. هيو توماس وصف اللوحة بأنها "أوبرا منظمّة". ورغم جمال هذا الوصف، إلا انه مضلّل إلى حدّ ما.
ما غفل عنه توماس هو الاستثناء، وهو موجود هنا في هذه اللوحة. وحيث توجد الأخطاء والغموض وعدم الاتساق، يوجد المعنى.
معظم الشخصيات في اللوحة ضحلة نسبيا. وهي موزّعة في كلّ أنحائها، مثل عناصر زخرفية مصفوفة على سطح مستوٍ. غير أن الاستثناء الوحيد فيها هو الرجل الذي يرتدي جاكيتا اخضر فاتح اللون في الزاوية السفلى اليسرى. هذا الرجل يظهر وهو يطعن الحصان الأبيض بخنجر.
شكل الرجل مختلف عن بقية الأشخاص. وهو يقف في بقعة مضاءة ويبدو بكامل قوامه، كما لو أننا نرى صورة ثلاثية الأبعاد. كما انه يتحرّك إلى داخل الصورة.
هذا الرجل هو غويا نفسه. اللوحات العظيمة ليست وثائق تاريخية، كما لا يمكن اعتبارها تاريخا. لو كانت كذلك حقّا، فإنها على الأرجح لن تكون فنّا. الرسّام الحقيقي فقط هو الذي يعكس ما يعتمل في عقله في لحظة الخلق، كما فعل غويا هنا.
لقد رسم الصراع المستمرّ بين جانبين في عقله حيث الدم والكدح والدموع والعرق. وهذا كلّ ما يتطلّبه خلق صورة معبّرة.


دوروثيا تاننغ، ما وراء المتنزّه، 1940


تمثّل هذه اللوحة فترة رائعة في حياة واحدة من أكثر الرسّامات والكاتبات إثارة للاهتمام في القرن الماضي. فبعد أسفار كثيرة وإقامة لبعض الوقت في ولاية اريزونا ووادي اللوار في فرنسا، عادت دوروثيا تاننغ إلى نيويورك، المدينة التي ولدت فيها وشهدت بدايات ظهورها كرسّامة.
في تلك السنة، أي في 1942، زار محترفها جوليان ليفي، الرجل الذي ادخل السوريالية فعليا إلى الولايات المتحدة. وقد أعجب ليفي كثيرا بلوحة تاننغ عيد الميلاد، لدرجة انه عرض عليها أن تقيم لها معرضا منفردا. واستقبل المعرض استقبالا حسنا وأصبحت تاننغ بعده فنّانة معروفة.
زواج دوروثيا تاننغ في ما بعد من الرسّام الشهير ماكس ارنست خدمها كثيرا وعرّفها على العديد من الشخصيات المبدعة في ذلك الوقت مثل البيرتو جياكوميتي وخوان ميرو وكرّس صورتها عند العامّة كامرأة فنّانة ومثقّفة.
وجدت تاننغ نفسها بسرعة محاطة بالعباقرة، لكنها ظلّت تعتمد على نفسها وتبحث عن مصادر إلهامها الخاص.
لوحتها ما وراء المتنزّه تتحدّث عن قوّة الإرادة والمقدرة الإبداعية والكشف عن الذات وعن قصّة الازدهار الفنّي التي ستحدّد رؤية الفنّانة عن المستقبل.
تبدو تاننغ في اللوحة بهيئة امرأة منفردة ومغرية وكأنها في حالة صراع مع جمالها الجسدي الخاص. في ما بعد ستنتقل الرسّامة من مرحلة الجنسانية المزعجة إلى تبنّي لغة تجريدية تميّزها الألوان والصور الخفيّة والعناوين الشعرية الذكية.
في العام 1980 بدأت تاننغ التركيز أكثر على كتابة الشعر. وقد ألّفت العديد من الكتب وأصبحت شاعرة يُحتفى بقصائدها في أفضل الصحف الأمريكية.
وقبل عامين احتفلت بعيد ميلادها المئوي، وتوفّيت في الحادي والثلاثين من يناير عام 2012م.


جان ميشيل باسكيا، بورتريه شخصي، 1982


عندما تنظر في هذه اللوحة مليّا ستدرك أن السهم الذي يمسك به الرجل في يده الممدودة هو فرشاة رسم. صحيح أن الفرشاة تبدو مثل سهم، لكن هكذا تبدو الفرشاة أحيانا في عقل الفنّان.
السهام في يد الرامي دقيقة وسريعة وقويّة وعنيفة وقادرة على أن تخترق جسم الإنسان.
والرسّام جان ميشيل باسكيا، عندما كان في سنّ الثانية والعشرين، كان عنده فهم عميق لمعنى الفنّ. وقد رسم هذا البورتريه لنفسه بيد يسرى كبيرة كي يشير إلى أهمّية مهنته، تماما مثلما فعل ميكيل انجيلو عندما منح العذراء يدين عظيمتين في تمثال بييتا لنفس هذا السبب.
ثم بسط الرسّام ذراعه الأخرى إلى الأمام، وهي حركة أدرك الرسّامون الشاعريون أنها اليد التي تحاول الوصول إلى رقعة الرسم.
باسكيا في هذه اللوحة يبدو كما لو انه يصرخ بوجه كلّ من لا يرى في اللوحة سوى سهم: هذه فرشاة!.
توفّي جان ميشيل باسكيا في سنّ السادسة والعشرين بعد حياة صاخبة وتجربة مريرة في إدمان المخدّرات.
لكن برغم رحيله المبكّر، كان قد رسّخ حضوره، ليس كأحد أهم الرسّامين في النصف الثاني من القرن الماضي فحسب، وإنّما كشخصية مأساوية في عالم الفنّ المعاصر.
وهذا البورتريه الشخصي والوحشي هو مثال على أسلوبه القاسي الذي استلهمه من فنّانين مثل بيكاسو وبولوك ومن موسيقى الجاز وربّما من إدمانه للهيروين.
الشخص المزعج في البورتريه يبدو أن الرسّام استوحى ملامحه من تلك التماثيل الصغيرة الغامضة من أفريقيا القديمة.


فيسنتي روميرو، نور الصباح، 2007


ولد روميرو عام 1956 في مدريد بـ إسبانيا. ودرس في كلية سان فرناندو للفنون الجميلة التي تُعتبر أشهر مؤسّسة أكاديمية في بلاده.
أسلوب روميرو في رسم اللوحات الزيتية متفرّد وخاص. وهو يعزوه إلى نوعية التدريب الأكاديمي الذي تلقّاه. مناظره تذكّر بأساليب كبار الرسّامين الانطباعيين. ومعظمها يصوّر نساء يمارسن أنشطة شتّى في بيئة منزلية أو في الطبيعة المفتوحة.
المكان الذي اختاره روميرو للسكنى ولإقامة محترفه يقع على شاطئ كوستا برافا المتوسّطي، وهو تقريبا نفس المكان الذي ولد فيه سلفادور دالي. اللمعان والسطوع الذي يميّز مناظر روميرو هو انعكاس لما يراه الرسّام في هذا المكان الذي اشتهر بهدوئه وجمال بيئته البحرية.
في صغره اشتهر الفنّان برسوماته الكاريكاتيرية التي كان يرسمها لمعلّميه وزملائه. ويقال انه نادرا ما كان يرى إلا وبيده كرّاس وأقلام ملوّنة.
الموديلات الجميلات اللاتي يظهرن في لوحاته يعبّرن عن الروح المثالية للمكان. وقد نجح في تحويل الحالات الحميمة في الحياة إلى فكرة تهيمن على لوحاته المليئة بالعاطفة والجمال وبقدر محسوب من الحسّية.
وقد عرض فيسنتي روميرو أعماله في العديد من البلدان مثل اسبانيا وفرنسا والبرتغال وغيرها.

Credits
franciscogoya.com
wga.hu

Wednesday, February 15, 2012

سيمفونية الحياة

أقف الآن على مشارف السبعين. أنظر إلى الماضي واتأمّل كيف انصرمت هذه السنوات سريعا، وما الذي حقّقته خلالها وما الذي لم أحقّقه. البعض يشبّه حياة الإنسان بالسيمفونية الموسيقية. وهذا الوصف دقيق ومقنع إلى حدّ كبير. فالحياة مثل السيمفونية من حيث أن لها بداية ونهاية. كما أنها تحتوي على حركات ومقاطع وأنغام مختلفة ومتنوّعة يشارك في صوغها أناس متعدّدون.
من المفردات التي أتوقّف عندها وتحفّزني على التفكير طويلا كلمة "ممرّات". وهي تعني العبور من مرحلة إلى أخرى أو الانتقال من طور لآخر: طفولة، شباب، نضج، مرض، موت .. وهكذا.
بعض الناس يعتبرون الزواج احد المراحل الرئيسية في الحياة. ولا يفوق هذه المرحلة من حيث الأهمّية سوى إنجاب الأطفال.
والبعض يقيسون حياتهم بالعقود، عندما يتحدّثون عن العشرينات والثلاثينات والأربعينات إلى آخره.
موت الأبوين يشكّل مرحلة حزينة في حياة أيّ إنسان. وهو حدث ينبّه الإنسان إلى انه، هو أيضا، يقترب من هذه التجربة في إطار ما يُسمّى بالحالة الإنسانية.
إن عدم فهم الإنسان لمعنى الحياة قد يعرّضه للعديد من الأمراض والانتكاسات على المستويين الفردي والاجتماعي. عندما كسرتُ حاجز الأربعين، فهمت ما الذي يقصده الناس عندما يتحدّثون عن أزمة منتصف العمر. تخيّل أن تستيقظ ذات صباح لتجد رأسك يمور بالأسئلة المزعجة: كيف كبر الأطفال بهذه السرعة؟ وكيف غفلت عن هذه الحقيقة طوال هذا الوقت؟ كنت اعتقد أنني سأصبح ثريّا عندما ابلغ هذه السنّ. لكن هذا لم يتحقّق. ما الذي كان يتعيّن عليّ فعله بطريقة مختلفة؟ هذه التساؤلات الحائرة تختزل معنى مصطلح أزمة منتصف العمر. والدرس الذي تعلّمته في تلك المرحلة هو أن من المهم أن ندرك انه ليس بمقدورنا تغيير الماضي وأن علينا أن نعيش حياتنا دون إحساس بالندم على ما فات.
هناك عنصر مهمّ في هذا الموضوع يتعلّق بمدى إحساس الإنسان بكونه شابّا حتى عندما يتخطّى سنّ الأربعين. بعض الناس، مثلا، لا يريد ولا يتمنّى أن يظلّ شابّا على الدوام، بل أن يدخل سريعا مرحلة النضوج، أي أن يكبر بسرعة..
احد الشعراء الانجليز التقط هذه الروح عندما نشأ لديه أوّل شكّ حول الأفكار المسيحية. فقد قرأ أن الإنسان عندما يستقرّ به المقام في الجنّة فإنه يرتدّ إلى مرحلة الطفولة. وقدّر الشاعر أن هذه ليست بالفكرة الجيّدة بالنسبة له، لأنه يتطلّع لأن يكون رجلا ناضجا هناك، مع كثير من المتع والمباهج.
إن ما هو أكثر حزنا من الموت المبكّر هو إحساس الإنسان بأن حياته الماضية كانت سلسلة من الدروب الخاطئة والفرص الضائعة. ومن السهل أن تجد اليوم من يقول بكثير من الندم: ما كان ينبغي لي أن اعمل بتلك الوظيفة، أو ما كان يجب أن أتزوّج في سنّ متأخّرة .. إلى آخره.
لا يكاد يوجد إنسان اليوم إلا ويمرّ بما يُسمّى أزمة نهاية العمر، أي عندما يصبح المرء بمواجهة الموت الوشيك ويدرك أن خيباته أكثر من نجاحاته وأنه لا يوجد من الوقت ما يكفي لأن يفعل شيئا لتصحيح المسار.
وأسعد الناس بنظري هم أولئك الذين يشعرون بأنهم أبدعوا في هذه الحياة وأن باستطاعتهم أن ينظروا إلى الوراء فيشعرون بأن الأخطاء التي ارتكبوها كانت ايجابية ومعقولة. البعض منّا قد يبدي أسفه على انه لم يُتح له تعلّم العزف على آلة موسيقية أو إتقان لغة أجنبية معيّنة كي يقرا للكتّاب الذين أحبّهم بلغتهم الأصلية. وهناك من يتمنّى لو انه تمكّن من جمع الكثير من المال في حياته المبكّرة، لأن المال الوفير يحلّ الكثير من المشكلات ويجعل نوعية الحياة أفضل وأسهل.

ذات مرّة تحدّث احد أساتذة الأدب الروسي بأسلوب بليغ عن الطريقة التي كان ينظر بها كلّ من دستويفسكي وتولستوي إلى الحياة. وقد توصّل إلى أن شخوص تولستوي يذهبون إلى الحرب ويمرّون بقصص حبّ فاشلة ويعانون من الموت المفاجئ. لكن حياتهم العادية، في تفاصيلها الصغيرة، تظلّ مشوّقة ومثيرة للاهتمام.
بالنسبة لـ دستوفيسكي لا يوجد شيء عاديّ. فالحبّ ينقلب إلى هواجس، والمقامرون والمصروعون والسكارى هم دائما في مركز الأشياء، والرجال يضربون الخيول حتى الموت، والفقر يحوّل حياة الناس إلى ما يشبه الجحيم على الأرض.
والمسألة لا تتعلّق بمَن مِن هذين الروائيين يُعتبر أعظم من الآخر، لأن كليهما عظيمان، بل أيّ منهما تمكّن من تصوير الحياة على حقيقتها؟
يرى دستويفسكي أن الحياة تقرّرها لحظات خطيرة، وأن العالم مدفوع بثورات تأتي من اللاوعي. لكن تولستوي يصرّ على انه رغم أننا قد نتخيّل أن حياتنا تقرّرها لحظات اختيار مهمّة ومتوتّرة، إلا أن الحقيقة هي أن اختياراتنا في النهاية هي نتاج لقرارات صغيرة ولحظات عادية.
وبطبيعة الحال، فإن المرحلة الأخيرة من حياة الإنسان هي الأكثر أهمّية. وكما يقال أحيانا، فإن الوظيفة الحقيقية للفلسفة هي أنها تعلّمك كيف تموت بطريقة جيّدة.
غير أن الشيء الجيّد هو أننا لا نعلم متى نموت على وجه التحديد. موعد الموت هو المعلومة الأكثر أهمّية عن حياتنا. ومع ذلك فإن المفارقة تكمن في أن جهلنا بتلك المعلومة، على أهمّيتها، يجعلنا نبدو أفضل حالا.
أحد الفلاسفة عاش تسعين عاما. وكان على يقين بأن الإنسان يمكن أن يعيش دائما عشر سنوات إضافية، ما لم يخبره الأطبّاء بخلاف ذلك.
فيلسوف آخر عاش إلى ما فوق الثمانين. وكان من عادته أن يشتري أدوات ولوازم جديدة للمطبخ، لأن هذا يمنحه إحساسا بالمستقبل، رغم أن البعض قد يرون في تصرّفه هذا سلوكا غريبا وساذجا.
في المرحلة الأخيرة من الحياة، من الصعب أن لا تفكّر في الموت. الفيلسوف الإغريقي ابيكوروس كان ينصح أتباعه بالانهماك في المتع والملذّات، خاصّة الطعام والشراب، أي أن يبحثوا عن الجانب الصافي من الحياة.
وقد وضع لأصدقائه خطّة إصلاح شخصي لمواجهة القلق تتكوّن من أربعة مبادئ:
المبدأ الأوّل: لا تؤمن بالآلهة. فعلى الأرجح هي غير موجودة. وحتى لو كانت موجودة، فإن من السذاجة أن تعتقد أنها يمكن أن تهتمّ بك أو تراقبك أو تحصي عليك أعمالك وتصرّفاتك.
والمبدأ الثاني: لا تقلق بشأن الموت. فالموت هو نوع من النسيان، حالة لا تختلف عن حياتك قبل أن تولد، فراغ لا نهائي. لذا حاول أن تنسى الجنّة والنار، لأن أيّا منهما غير موجود. بعد الموت لا يوجد سوى النسيان والعدم. فلا تجهد عقلك في التفكير فيهما.
المبدأ الثالث: حاول أن تنسى الألم. فالألم إمّا أن يكون لفترة قصيرة، ومن ثمّ يتلاشى بعد برهة. أو أنه قد يطول ويشتدّ، وعندها لن يكون الموت بعيدا. لذا فإن قلقك ينتهي هنا، لأن الموت كما نعرفه لا يمثّل مشكلة. الموت في حقيقته ليس أكثر من عدَم، ظلام أبديّ أو نوم بلا أحلام.
المبدأ الرابع: لا تضيّع وقتك في محاولة الحصول على الرفاهية، لأن الاستمتاع بها لا يعادل الجهد المبذول من اجل الحصول عليها. ويترتّب على هذا أن الطموح لاكتساب المال أو الشهرة أو السلطة هو طموح لا طائل من ورائه، لأن الجهد المبذول للحصول على هذه الأشياء كبير ومكلّف جدّا ولا يتناسب مع النتيجة المنشودة.
السؤال الحقيقي والهام: هل مثل هذا الانفصال الكلّي عن الحياة بأسئلتها الكبيرة ودوّاماتها اليومية الصاخبة يمكن أن يوفّر حياة ثريّة بما يكفي لأن تستحقّ أن يعيش الإنسان من اجلها؟
الكثيرون ربّما يقولون نعم. لكنّني لست من بينهم. "مترجم"

Monday, February 13, 2012

دَفن كونت اورغاس

إسبانيا، طليطلة، والأطراف المستطيلة والألوان النابضة بالحياة. هذه هي الكلمات التي تقفز إلى الذهن عندما يُذكر اسم إل غريكو، احد أعظم الرسّامين في التاريخ.
أصله من جزيرة كريت باليونان. وقد بدأ مسيرته كرسّام باسمه الأصلي دومينيكو ثيوتوكوبولوس. عمل في البداية كرسّام للأيقونات. لكن الأيقونات مسطّحة ولا حياة فيها. كما أنها قديمة الطراز. لذا قرّر دومينيكو أن يتعلّم فنّ الرسم الواقعي. وبحكم كونه مواطنا من فينيسيا، التي كانت تحتلّ كريت في ذلك الوقت، فقد اختار أن يسافر إلى فينيسيا. وفيها تعلّم كل ما استطاع أن يتعلّمه من الرسّامين الكبار مثل تيشيان وتينتوريتو وغيرهما. كما أتقن الأسلوب الفنّي الجديد المسمّى الماناريزم أو الأناقة المتكلّفة.
وبعد قضائه بعض الوقت في فينيسيا وروما، ذهب دومينيكو إلى إسبانيا. وهناك منحه المعجبون به اسمه الذي سيشتهر به في ما بعد: إل غريكو، الذي يعني "الإغريقي". ومع ذلك، ظلّ طوال حياته يوقّع لوحاته باسمه الحقيقي مكتوبا بأحرف يونانية، ما يدلّ على أنه كان شخصا شديد الاعتزاز بتراثه.
تحفة إل غريكو الكبرى هي لوحته دفن كونت اورغاس. وهي ليست أفضل أعماله فحسب، وإنما يمكن اعتبارها أيضا أحد أفضل الأعمال الفنّية في العالم.
اللوحة تصوّر حادثة وفاة ودفن والي بلدة اورغاس الذي تذكر أسطورة من القرن الرابع عشر انه عندما مات حضر دفنه قدّيسان نزلا من السماء، تكريما له على عطاياه السخيّة للكنيسة. ويظهر القدّيسان في اللوحة وهما يرتديان الملابس المطرّزة بينما يعتمر احدهما تاج البابوية، وسط دهشة وانبهار المشيّعين.
رسم إل غريكو اللوحة عام 1586 بتكليف من احد الكرادلة كي تُعلّق على جدار كنيسة سانتو توم في طليطلة. الشكل غير المألوف للوحة "أي رأسها المستدير" يعود إلى حقيقة أنها رُسمت لتناسب جدارا بهذا الشكل في الكنيسة.
في اللوحة يرسم الفنّان روح كونت اورغاس على هيئة طفل وهي تصعد إلى السماء بمساعدة ملاك، بينما يتمّ إنزال جسده المادّي في نعش. وقد قسم الرسّام المنظر إلى جزأين: جزء علوي تظهر فيه العذراء وابنها وحشد من الملائكة، بينما ملأ الجزء السفلي بالنبلاء والوجهاء الذين يتابعون مراسم الدفن التي تجري أمامهم.
الطريقة التي وزّع فيها الرسّام الأشخاص في هذه اللوحة مثيرة للانتباه. في أسفل الزاوية اليسرى نرى صبيّا صغيرا يشير إلى كُمّ احد القدّيسين. هذا الطفل هو ابن إل غريكو، جورج مانويل. وفي جيب سترته يظهر منديل نُقش عليه توقيع الفنّان وتاريخ 1578، أي عام ولادة الصبي.
الشخص الوحيد في اللوحة الذي ينظر باتجاه المتلقّي "أي السابع من اليسار" هو إل غريكو نفسه. ووجهه يظهر مباشرة فوق اليد الممدودة التي تعلو رأس احد القدّيسين.

ليس من الواضح ما إذا كان إل غريكو قد شهد فعلا مثل هذه الجنازة، أو انه فقط رسم المشهد من الذاكرة. تقسيم اللوحة إلى جزأين، سماوي وأرضي، يبدو اقرب ما يكون إلى الفانتازيا. ومن الواضح أن الفنّان أضفى على ملامح شخوصه مسحة محلية تؤكّدها قسَمات الوجوه التي تبدو اسبانية جدّا. العنصر الوحيد الواضح الذي يربط جزأي اللوحة معا هو الشبه المادّي. فالقدّيسان والبشر يحملون نفس السمات تقريبا.
اللوحة أيضا تتضمّن بورتريها لـ فيليب الثاني ملك اسبانيا الذي يظهر بين القدّيسين. إمبراطورية فيليب في ذلك الوقت كانت أكبر امبراطورية في أوربّا. كانت تضمّ أراضي هولندا ونابولي وجنوب ايطاليا ومستعمرات في جنوب أمريكا. اسبانيا آنذاك ينطبق عليها وصف الامبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.
كان فيليب يعيش حياته منفصلا عن رعيّته. تقاليد القصر التي ورثها عن أبيه كانت تفرض عليه أن يحتفظ بمسافة تفصله عن الشعب. فقط نخبة صغيرة كان مسموحا لها بأن تأتي إلى القصر وتقابل الملك. وأيّ شخص يأتي ليقابله أو يطلب منه شيئا كان عليه أن يفعل ذلك وهو جاثٍ على ركبتيه.
التغيير الوحيد الذي أحدثه فيليب ولم يكن معمولا به زمن والده هو أن الرهبان لم يعودوا ملزمين بالانحناء أمامه. لقد منح سفراء مملكة السماء الذين كان يعيّنهم بنفسه مكانة أعلى بكثير من المسئولين عن الشئون الدنيوية.
وكانت لدى الملك وتحت تصرّفه أداة قويّة تتمثّل بمحاكم التفتيش التي كانت تخدم مصلحة الدولة باضطهادها كلّ من لم يكن يعتنق الكاثوليكية.
لأكثر من سبعمائة عام، بسط العرب سيطرتهم على كامل جزيرة ايبيريا قبل أن يُهزموا عام 1492م. فقط العائلات التي تحوّلت من الإسلام إلى المسيحية سُمح لها بالبقاء في اسبانيا. ورغم أن مئات ألوف المسلمين واليهود كانوا قد غادروا البلاد، إلا أن فيليب كان ما يزال يرى أن اسبانيا الكاثوليكية تواجه تهديدين: الكفّار الذين كانوا يجاملون المسيح ظاهريا، والزنادقة الذين كانوا يخطّطون للتمرّد على حكمه.
محاكم التفتيش كانت عبارة عن شرطة سرّية تدافع عن الوضع القائم وتحوّل إلى الدولة ثروات وممتلكات أولئك الذين يعارضونها. الاضطهاد العرقي والديني كان احد العوامل الرئيسية التي أدّت إلى انهيار الإمبراطورية الاسبانية.
كان اليهود متخصّصين في المال والتجارة الخارجية. أفضل أطبّاء البلاد كانوا من اليهود. وكانوا يمثّلون نخبة أساتذة الجامعات.
من جهتهم، كان المسلمون قد زرعوا مناطق شاسعة من البلاد. ونجاح الزراعة كان يعتمد على نظم الريّ التي أتوا بها إلى اسبانيا. وبعد مغادرة هؤلاء أصبحت المزارع قاحلة وأفرغت القرى من سكّانها وانهارت مؤسّسات التجارة.
بالنسبة لـ فيليب ورجال الدين، فإن عظمة اسبانيا كانت اقلّ أهمّية بكثير من الدفاع عن الدين.
ويبدو أن التعصّب الديني وغير العقلاني للملك كان العامل الأساس الذي اكسبه مكانا بين قدّيسي السماء في لوحة إل غريكو.

شكل اللوحة الكبير وتأثيرها الصوري الأخّاذ يتناسبان مع دعاية الإصلاح الكاثوليكي المضادّ. البروتستانت كانوا يطمحون إلى تطهير جميع الكنائس من الزخارف والصور. والكاثوليك كانوا يرون خلاف ذلك. كانت حجّتهم هي أن الكنيسة بيت الربّ. وإذن لا بدّ من اللجوء إلى كلّ وسيلة لتزيينها إكراما له.
كان إل غريكو محاطا بالمشاكل المالية طوال حياته. لم يكن أميرا بين الرسّامين مثل تيشيان. ويقال بأن البابا بايوس الخامس "التقيّ" أزعجه عري الأشخاص الذين رسمهم ميكيل انجيلو في سقف كنيسة سيستينا. وقد عرض عليه إل غريكو أن يعيد رسم نفس الأشخاص، لكن بهيئة أكثر احتشاما.
ليس معروفا لماذا اختار إل غريكو أن يقيم في اسبانيا إقامة دائمة. قد يكون ضاق ذرعا بهوس فنّاني روما بالجمال المعماري. وربّما كان يساوره الأمل في أن يوفّر له احتفاؤه بالحياة الأخرى اعترافا أفضل في اسبانيا.
في العام 1579، كلّف الملك فيليب إل غريكو برسم لوحة له. ويبدو أن الملك لم يحبّ تلك اللوحة كثيرا. لكن كان هناك عامل أسهم في تقريب كلّ منهما للآخر. فبالنسبة لهما، فإن حياة الآخرة أكثر أهمّية من هذه الحياة الزائلة. كان فيليب يفضّل أن يحكم من قصر الاسكوريال بصحبة الرهبان. وكان أمرا باعثا على السرور أن يرى مذبح الكنيسة من فوق سريره في القصر. هذه الأمور كانت بالنسبة لـ فيليب أكثر أهمّية من امبراطوريّته.
في عام 1588، هُزمت الارمادا الاسبانية. وفي عام 1598، أي سنة وفاته، دفعت الضغوط المالية فيليب لأن يوقف حربه ضدّ فرنسا والمقاطعات الشمالية، بينما كانت هولندا قد خرجت تماما عن سيطرته.
كلّ أعمال إل غريكو، وخاصّة هذه اللوحة، تشهد على إيمان الرسّام بمملكة السماء التي كان يعتبرها أهمّ وأكثر واقعية من العالم الذي نعيش فيه.
فقط في الجزء العلوي من اللوحة تبدأ الحياة. هذا الجزء يبدو ديناميكيا بتأثير الضوء واستخدام العمق والخطوط التي تدفع العين للنظر إلى أعلى.
لكن لم يكن كلّ الأسبان يؤمنون بتجاهل الواقع والاستغراق في الغيبيات. الكاتب ميغيل دي ثيرفانتيس مثلا، والذي كان معاصرا لـ إل غريكو وفيليب الثاني، كان يتبنّى نظرة مختلفة. ورغم انه لم يهاجم أو ينتقد الحماسة الدينية المفرطة لمواطنيه، إلا أن شخصية دون كيشوت، رغم مثاليّتها، توضّح المخاطر التي يتعرّض لها شخص يعيش في عالم من الفانتازيا ويبحث عن المثاليات، غافلا عن رؤية الأرض التي تحت قدميه. "مترجم".