:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, January 15, 2014

!رحلة إلى جهنّم

في الليل، عندما تنظر إلى السماء من مكان مفتوح وبعيد عن زحام المدينة وأضوائها، سيدهشك كم أن هذا الكون رحب ولامُتناهٍ. مجرّة درب التبّانة، التي يتبع لها كوكبنا وتبعد عنّا حوالي 100 ألف سنة ضوئية، فيها وحدها ما يقرب من 200 بليون نجم على الأقل. والنجوم التي يمكننا أن نراها بسهولة في الليل تبعد عنّا 1000 سنة ضوئية. وهي، أي هذه النجوم، مجرّد قطرة صغيرة في بحر هذه المجرّة الهائلة.
وستتذكّر أيضا كيف أن كوكبنا الأزرق الصغير، أي الأرض، يسبح في مساحة لا تحدّها حدود من النجوم والمجرّات والسُدُم والثقوب السوداء وغيرها من الأشياء والظواهر الغريبة. وكيف أنها، أي الأرض، تدور بطريقة أنيقة ومتوازنة حول نجمنا الأمّ، أي الشمس، في شكل من أشكال الرقص الذي بدأ منذ بلايين السنين وسيستمرّ حتى تستنفذ شمسنا وقودها بعد نحو 3 بلايين عام من الآن، كما يقول العلماء.
على مدى قرون، ظلّ الناس ينظرون إلى السماء ويتساءلون عن الأضواء التي يرونها فيها. ثم سرعان ما لاحظوا أن الكثير من تلك الأضواء تتجوّل في السماء على فترات منتظمة. لذلك وصفوها "بالكواكب" أو "بلانيت"، وهي كلمة مشتقّة من اليونانية تعني "المتجوّل".
وكان الناس في ذلك الوقت يعتقدون أن الأرض تقع في مركز الكون. وبالتالي، فإن تلك الأضواء التي تتحرّك في السماء لا بدّ وأن تكون رُسُلا أو مبعوثين إلى البشر من لدن الآلهة. ولهذا السبب أعطوها أسماءها السماوية التي تُعرف بها اليوم مثل عطارد والزهرة المرّيخ والمشتري وزحل وما إلى ذلك.
وربّما تعيّن علينا أن نشكر غاليليو "أوّل من نظر إلى السماء ليلا من خلال تلسكوب" وكوبرنيكوس وإسحاق نيوتن ويوهانز كبلر وغيرهم من العلماء الشجعان الذين خاطروا بحياتهم كي يوسّعوا مداركنا ويفتحوا عقولنا على الكثير من حقائق وأسرار هذا الكون الفسيح والمدهش. هؤلاء هم الذين وضعوا نموذجا جديدا يشرح حركة الكواكب كما نفهمها اليوم ويضع الشمس في مركز النظام الشمسي. وبفضل دأبهم وجهدهم، نعرف الآن أن الأرض هي واحد من ثمانية كواكب وعدد هائل من الأقمار والأجرام الأخرى التي تدور حول الشمس.
وأحد أكثر هذه الكواكب الثمانية البعيدة إثارة للاهتمام هو كوكب فينوس أو الزهرة الذي يمكننا رؤيته في السماء بالعين المجرّدة في بدايات المساء أو في الصباح الباكر. ولهذا السبب يُسمّى "نجمة المساء" وأحيانا "نجمة الصباح" بحسب الوقت الذي يُرى فيه. ومن السهل رصد الزهرة وتمييزه عن سواه من النجوم والكواكب، لأنه ثاني ألمع نجم في السماء بعد القمر. والسبب في لمعانه القويّ هو انه محاط بسحب سميكة جدّا تعكس ضوء الشمس.
طبعا نعرف أن اسم الزهرة باللاتينية، أي "فينوس"، هو اسم إلهة الجمال والحبّ والخصوبة عند الرومان. وهو بالمناسبة الكوكب الوحيد بين كواكب المجموعة الشمسية الثمانية المسمّى على اسم أنثى. وربّما أطلق عليه هذا الاسم بسبب سطوعه الشديد. غير أن طبيعة وظروف هذا الكوكب تعطي انطباعا معاكسا لما يشير إليه اسمه لأسباب سيأتي شرحها بعد قليل.
في الأيّام الأولى من عمر الزهرة الذي يمتدّ لحوالي أربعة بلايين عام، كان هذا الكوكب شبيها تماما بكوكب الأرض. الاثنان كانا متطابقين تقريبا في كلّ شيء، في الحجم وفي الكيمياء والجاذبية والكثافة. وبعبارة أخرى، تتألّف الزهرة تقريبا من نفس الموادّ التي على الأرض. والزهرة فيها براكين بالآلاف وجبال ورمال، مثل هذه التي نراها على الأرض. لذا لم يكن مستغربا أن يُوصف الزهرة بأنه الكوكب التوأم للأرض.
ومع ذلك، إن كانت الأرض والزهرة توأمين، فإن الزهرة هي التوأم الشرّير الذي وقع له حادث ما رهيب جدّا أدّى إلى تغيير معالمه وخصائصه جذريّا. وعلى امتداد مئات الملايين من السنين، تسبّبت القوى على الكوكب في جعله يأخذ مسارا مختلفا تماما عن الأرض.
ولأن الزهرة هو ثاني اقرب الكواكب إلى الشمس، فإن هذه الحقيقة لوحدها تسبّبت في سلسلة من الأحداث التي لم يكن ممكنا وقفها.
وكان علماء الفلك، وإلى ما قبل نصف قرن فقط، لا يملكون أيّة فكرة عن طبيعة الزهرة. كانوا يعرفون مثلا أنه أقرب إلى الشمس من الأرض، وبالتالي اعتقدوا انه أكثر سخونة. لكن في أواخر سبعينات القرن الماضي، أجرى الروس لأوّل مرّة تحليلا للغلاف الجوّي للكوكب. وما اكتشفوه كان مذهلا. اكتشفوا أن الزهرة ليس أكثر سخونة من الأرض فحسب، وإنما أكثر وأشدّ سخونة بكثير.
كما اكتشفوا أن غلافه الجوّي، الذي يتألّف كلّه تقريبا من ثاني أكسيد الكربون، أكثر سمكا بمائة مرّة من غلاف الأرض، أي انه يمنع بعضا من طاقة الشمس من التسرّب مرّة أخرى إلى الفضاء، ما يؤدّي بالتالي إلى رفع درجة حرارة الكوكب بما يجعله أكثر كواكب المجموعة الشمسية سخونةً على الإطلاق.
من ناحية أخرى، نعرف أن لدى الأرض طبقة واقية تُعرف باسم طبقة الأوزون. هذا الدرع الحيويّ يحمي الأرض من الأشعّة فوق البنفسجية للشمس. الزهرة ليس فيها طبقة أوزون. ونتيجة لذلك، فإن الأشعّة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس تجد طريقها مباشرة إلى الغلاف الجوّي للكوكب.
والآن تخيّل ما الذي يمكن أن يحدث لإنسان يضع قدميه على ارض هذا الكوكب الذي يبدو كما لو انه حُكم عليه إلى الأبد بهذا المصير الناريّ المريع.
سوف يختنق في الحال بفعل هواء الزهرة المشبع بغاز ثاني أكسيد الكربون وسيتعرّض جسده للطهي في درجة حرارة تبلغ 460 درجة مئوية، أي بما يكفي لإذابة حتى القصدير والرصاص!

والمشكلة أن درجة الحرارة على الزهرة ثابتة لا تتغيّر، سواءً كان الوقت ليلا أو نهارا وفي أيّة بقعة من الكوكب. وهذا معناه انه لا يوجد مكان ولا ملاذ آمن للاختباء من هذا الفرن الرهيب. ولأن الغلاف الجوّي يحتوي في معظمه على ثاني أكسيد الكربون، فإنه يجعل الزهرة مكانا شديد السُمّيّة. ومن ثمّ فإن فرص بقاء أيّ كائن حيّاً على سطح الكوكب تكاد تكون معدومة.
وكما لو أن درجة الحرارة والضغط ونقص الأكسجين أمور غير كافية، فإن الزهرة يملك أيضا واحدا من أفتك الأسلحة المقاومة لأيّ شكل من أشكال الحياة، وهو حامض الكبريتيك الذي تتشكّل منه الغيوم الصفراء في سماء الكوكب.
واقع الحال يقول إن الزهرة عالم عنيف وحمضي وسامّ وغير مضياف بالمرّة، على الرغم من اسمه الجميل. ومناخه، كما تقدّم، يتّسم بالتطرّف الشديد ودرجات الحرارة القصوى. غطاء السحاب على الزهرة يوفّر شفَقا غامضا وقاتلا. ولأن أمطاره حامضية، أي من النوع الذي يسبّب التآكل، فإن المسابير والمركبات الفضائية القليلة التي أرسلت إلى هناك لمسح سطح الكوكب باستخدام الرادار إمّا تحطّمت أو تعطّلت.
في سبعينات القرن الماضي، استطاع الروس إنزال أكثر من مركبة على سطح الزهرة. وبعد بضع ساعات من هبوطها لحق بها التلف بفعل الحرارة الشديدة. لكن مركبات أخرى مثل "ماجلان" الأمريكية تمكّنت من التقاط العديد من الصور للكوكب وأرسلتها إلى الأرض كي يدرسها العلماء.
المعروف أن الزهرة يبعد عن الأرض 42 مليون كيلومتر، وعن الشمس حوالي 108 ملايين كيلومتر. وقد قطعت المركبة الأمريكية مارينر 2 هذه المسافة وصولا إلى الزهرة في 110 أيّام بالتمام والكمال.
في عالم الزهرة الجهنّمي لا يوجد الكثير من التضاريس المتنوّعة. أفق الكوكب يفتح على منظر صخور وتلال، بينما لا اثر لأيّ رطوبة على سطحه. ويقول العلماء إن سطح الكوكب كان في ما مضى عبارة عن مستنقع رطب يمتلئ بأشكال الحياة الغريبة.
وطبقا لبعض الدراسات، يحتوي الزهرة أيضا على عدد كبير من البراكين. وليس معروفا على وجه اليقين عددها. ولكن يُحتمل أن براكين الزهرة تتجاوز عدد ما هو موجود في أيّ من الكواكب الأخرى في نظامنا الشمسي. ولكن على عكس البراكين الموجودة على الأرض والتي يمكن أن تندلع أحيانا بطريقة متفجّرة، فإن البراكين على الزهرة تتفجّر بطريقة أقلّ عنفا حيث تتدفّق الحمم أو اللافا ببطء نحو السطح.
ويوجد في الزهرة ستّ مناطق جبلية تتمدّد فوق حوالي ثلث مساحته. وهناك فجوات ودلائل أخرى تشير إلى أن سطحه تحرّك منذ دهور سحيقة، تماما مثلما يتحرّك سطح الأرض اليوم. ولكن خلافا لما هو حال الأرض، ليس هناك من دليل على أن في الزهرة نظام صفائح تكتونية كالأرض.
ممّا لا شكّ فيه أن الزهرة يوفّر حالة متطرّفة بين جميع الكواكب. موقعه في نظامنا الشمسي يستحقّ الدراسة لأنه موجود خارج منطقة الكواكب المثلى، وهو مصطلح يُستخدم لوصف الكواكب التي يمكن أن يوجد بها ماء في شكله السائل، وبالتالي تزداد فرص وجود حياة فيها.
والزهرة هو مجرّد مثال واحد على البيئات الفريدة والمتنوّعة لنظامنا الشمسي. وهو يخبرنا كم يجب أن نشعر بأننا محظوظون لأن كوكبنا الأزرق وجد مكانه المناسب ضمن عائلة الشمس.
كما أن ظروف هذا الكوكب تذكّرنا بالآثار المدمّرة لما يُسمّى "الاحتباس الحراري" أو "الدفيئة" الذي خبرناه وما نزال على الأرض، حيث لا يمكن أن تنعكس أشعّة الشمس باتجاه الفضاء، وبدلا من ذلك تلفح السطح بحرارتها المهلكة.
ولو قُدّر لك وذهبت يوما إلى الزهرة ووجدت طريقة أو وسيلة ما للنجاة من حرارة الشمس المحرقة على سطحه، فسرعان ما ستلاحظ شيئا غريبا. فبسبب أن الزهرة يدور ببطء شديد حول محوره، فإن يوما واحدا فيه يعادل 244 يوما من أيّام الأرض. ولأنه يدور حول الشمس مرّة كلّ 225 يوما، فإن اليوم الواحد فيه أطول من سنة! كما أن الزهرة يدور إلى الخلف، أي على عكس جميع كواكب المجموعة الشمسية التي تدور بعكس اتجاه عقارب الساعة.
وستلاحظ أيضا أن الشمس تشرق في سماء الزهرة من الغرب وتغرب في الشرق، وأن مسيرها في السماء منذ أن تشرق إلى أن تغرب يستغرق 117 يوما من أيّام الأرض. العلماء يعزون هذا التغيّر في سرعة واتجاه دوران الزهرة إلى احتمال أن يكون الكوكب ارتطم بجرم ضخم قد يكون نيزكا أو مذنّبا أو كوكبا آخر في وقت مبكّر من تشكّل الكون، أي قبل بلايين السنين.
الآن بعد أن عرفنا أن الزهرة هو أسخن كوكب في النظام الشمسيّ، ترى هل هناك مكان ما أكثر سخونة منه في الكون؟ الإجابة نعم. وهذا المكان هو أقرب ما يكون إلى الجحيم المتخيّل ويقع في مدار حول كوكب المشتري، وبالتحديد على سطح قمر يُدعى آيو يبعد عن الأرض مسافة 400 مليون ميل. هذا المكان المعذّب ينوء وبشكل مستمرّ تحت ثقل الجاذبية الهائلة للمشتري والتي تجعله يبدو ملتويا ومتوتّرا.
ونتيجة لذلك، فإن باطن هذا القمر يسخن وتتشكّل فيه كميّات هائلة من الصخور الذائبة والموادّ المنصهرة التي تثور باتجاه السطح على هيئة تشقّقات وبراكين يمكن أن تبلغ حرارتها أكثر من 1000 درجة مئوية.
العلماء يعتقدون أن القمر آيو هو الجرم الأكثر نشاطا بركانيّا في النظام الشمسي كلّه. وهو مغطّى بتدفّقات كبيرة من الكبريت والحمم ذات الألوان الزاهية. وفوق كلّ هذا الجحيم، يستحمّ آيو في حِزَم من الإشعاع القاتل المنبعث من المشتري.