:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف علي هادي اليامي ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, January 19, 2018

موت صغير


"موت صغير" رواية محكمة، وكاتبها محمّد حسن علوان يبدو متمكّنا وملمّاً بأدوات الكتابة الروائية. وبدون تحيّز أو مبالغة، أقول إنها أفضل رواية سعودية قرأتها حتى الآن. ولم يكن مستغربا أن تفوز، وبجدارة، بالجائزة العالمية للرواية العربية.
ومن الواضح أن الكاتب جَهِد كثيرا في جمع المعلومات الضرورية عن شخصيّات وأحداث الرواية وقرأ كثيرا في التاريخ والجغرافيا والسياسة وفي تاريخ التصوّف خاصّة.
وكلّ هذه المعارف وغيرها ساعدته ولا شكّ في تشييد بنيان روايته، ثم أضاف إليها الكثير من مخيّلته الثرّة والمبدعة. وقد فعل كلّ ذلك بإتقان يشي بموهبته وقدرته الممتازة على أن يكتب سردا متماسكا وممتعا، مع أحداث وشخصيات كثيرة تنمو وتتطوّر بوتيرة سلسة ومقنعة.
ويُحمد للكاتب انه على الرغم من هذا الكمّ الكبير من المعلومات التاريخية التي وظّفها في الرواية، إلا انه حرص على ألا يطغى التاريخ على السرد ولم ينسَ انه يكتب رواية في المقام الأوّل.
عنوان الرواية مستمدّ من عبارة مشهورة لبطلها الشيخ محيي الدين ابن عربيّ يصف فيها الحبّ بأنه موت صغير. والأحداث تأتي على لسان ابن عربيّ نفسه. والرواية تتضمّن العديد من المواقف والقصص التي أجاد الكاتب في تصويرها والتعبير عنها.
ومن بين أقوى أجزاء هذا الكتاب الحوار الذي يدور بين أتباع الشيخ أبي مدين مع الخليفة يعقوب بن إسحاق، وكذلك حوار هذا الخليفة مع الفيلسوف ابن رشد الذي يوبّخ يعقوب على سجنه إيّاه وتحريض الغوغاء عليه ومن ثم تكفيره وإحراق كتبه.
ابن رشد يصل إلى مرّاكش بعد أسبوعين من العفو عنه. وعندما يدخل مجلس الخليفة يسأله عن صحّته، ويومئ ابن رشد برأسه ثم يقول: الحمد لله على كل حال".
ثم يقوده الخليفة بنفسه ليُجلسه إلى جواره ويبادره بالقول: يا أبا الوليد، لقد عفونا عنك وأعدناك إلى مجلسنا. عفا الله عمّا سلف". فيصمت ابن رشد قليلا ثم يقول: إن تعفُ عنّي في الدنيا، فلا أعفو عنك في الآخرة. سيحكم الله بيننا يوم القيامة يا يعقوب".
ثم يولّي ابن رشد ظهره للخليفة ويمشي بخطوات بطيئة جهة الباب، والخليفة مبهوت لا يعرف كيف يتصرّف، وبعض مَن هم حوله يهمهمون وكأنهم ينوبون عن الخليفة في إبداء الاستياء.
بعد ذلك اللقاء بأسابيع، تصعد روح ابن رشد إلى بارئها ويقع نبأ وفاته على الخليفة كالصاعقة، فتضيق به الأرض ويقرّر أن يذهب إلى قصره في مدينة سلا ليسلّي نفسه قريبا من البحر".
وأنا أهمّ بقراءة هذه الرواية، كنت أظنّ أنها ستركّز على تأمّلات وأفكار ابن عربيّ في الدين والحياة وستغيب عنها قصص الحبّ والنساء بحكم أن بطلها رجل دين، وبالتالي ستخلو الرواية من عناصر الإثارة والتشويق اللازمة لنجاح أيّ عمل روائيّ.
لكن مع القراءة سيتبيّن لك انه حتى أهل الله من المتصوّفة والزهّاد يجري عليهم ما يجري على بقيّة الناس من حالات العشق والشغف الحسّيّ بالحياة، دون أن يكون في ذلك ما يخدش مروءتهم أو يحرفهم عن النهج السويّ والسلوك القويم.
ومن القصص البديعة التي تندرج ضمن هذا الباب والتي أبدع الكاتب في تصوير تفاصيلها المدهشة والغريبة قصّة ما حدث في مكّة ثم في بغداد بين الشيخ ابن عربيّ والفتاة الفارسية نظام ابنة الشيخ زاهر الأصفهانيّ.
وأنا اقرأ "موت صغير"، لا أدري لماذا تذكّرت رواية "عزازيل" ليوسف زيدان. ثمّة نقاط شبه بين العملين، فكلاهما يتضمّن عنصر مخطوطات وقصص تصوّف وعشق، لكنّي ازعم أن هذه الرواية أكثر إمتاعا وإحكاما وتشويقا من "عزازيل".
عندما تنتهي من قراءة الرواية، ستكون قد عرفت محيي الدين ابن عربيّ كما لم تعرفه من قبل. ستعرف مثلا انه عانى كثيرا في حياته من تقلّبات السياسة والصراعات بين أهل المذاهب والفرق المختلفة، فهاجر من بلد إلى بلد وجرّب العيش في المنافي أكثر من مرّة ودخل السجن وتعرّض للكثير من العنَت والمشقّة بسبب أفكاره المتفتّحة والجريئة.
"موت صغير" تتضمّن العديد من النقاشات العميقة والحوارات المثيرة للتأمّل، من قبيل الحوار الذي يدور بين ابن عربيّ ومريده سودكين بالقرب من نهاية الرواية. إذ يولد للأخير ولد فيأخذه إلى دارة ابن عربيّ كي يدعو له. والحوار يجري على هذا النحو:
  • ادعُ الله للولد أن يجعله من أهل طريقنا يا سيّدنا.
    - لا يا سودكين، الطريق إلى الحقيقة تتعدّد بتعدّد السالكين.
  • ادعُ الله أن يجعله من أهل السماء يا سيّدنا.
    - لا يا سودكين، إنما أنشأه الله على هذه الأرض فلا يعلو عيها. إنها أمّنا".
  • فادعُ الله أن يريه الحق حقّا ويصرف عنه الشبهات.
    - لا يا سودكين، الكون كلّه شبهة، فأنت لا تعرف منه إلا أنت.
  • إذن ادعُ الله أن يرزقه العلم.
    - لا يا سودكين، العلم يطرد الجهل لكنه لا يجلب السعادة.
  • حسنا، ادعُ الله له بما تشاء يا سيّدنا.
    - أسأل الله أن يجعل قلبه مثل مكّة يُجبى إليها من ثمرات كلّ شيء.
  • آمين، لا حرمنا الله من دعائك الجميل يا سيّدنا.
  • Tuesday, January 16, 2018

    الأفكار واللغة


    في الانجليزية، وعلى النقيض من العربية، القمر مؤنّث، والشمس مذكّر، والنهر مؤنّث وهكذا.
    لكن ليست هذه قاعدة ثابتة. بمعنى أن هذه الأسماء في الأصل ليس لها جندر، أي ليست مذكّرة أو مؤنّثة في ذاتها، بل سياق الكلام هو ما يحدّد ذلك.
    الليل أيضا ليس له جندر. لكن إذا كان الليل هادئا مع نسيم لطيف وروائح أزهار في الظلام فهو مؤنّث. أما إن كان محمّلا بالخوف والتوتّر والخطر فعندها يصبح مذكّرا.
    وإذا أردت وصف الشمس كعنصر مغذّ ويمدّ النباتات بالنموّ والنضارة فهي مؤنّث. أما إن أردت وصفها كإله من عصور ما قبل التاريخ وتهيمن على السماء بقوّة فعندها تصبح مذكّرا.
    في إحدى الأغاني القديمة ترِد هذه العبارة: الحبّ طائر، وهي بحاجة لأن تطير). لاحظ أن الحبّ أشير إليه بصيغة المؤنّث، والأمر هنا مرتبط بسياق الشعر والأدب.
    أي أن المتكلّم أو الكاتب يخلع على هذه المفردات الجندر المناسب بحسب تصوّره لها وباختلاف السياق الذي ترد فيه.
    اللغة أيضا ليست فقط وسيلة للتعبير عن الأشياء، بل إنها يمكن أن تغيّر الطريقة التي نفكّر بها. مثلا في العربية أو الانجليزية، يمكنك أن تقول "أنا ذاهب" وتسكت، أو "فلان يمشي" ثم تتوقّف. لكن في الألمانية هذا ليس كافيا، بل يتعيّن عليك أن تقول إلى أين أنت ذاهب وأن تحدّد المكان الذي يمشي إليه الشخص في الجملة الثانية.
    في تجربة أجريت قبل سنوات، اختيرت مجموعتان من الأشخاص، الأولى أفرادها يتحدّثون الانجليزية، والثانية يتحدّثون الألمانية. وعُرض على المجموعتين فيلم صامت لا تتجاوز مدّته بضع دقائق ثم طُلب من أفراد كلّ مجموعة أن يصفوا ما رأوه في الفيلم.
    وكانت النتيجة أن الذين يتكلّمون الانجليزية تذكّروا ماذا كان الأشخاص في الفيلم يفعلون، أما الذين يتحدّثون الألمانية فقد تذكّروا إلى أين كان الأشخاص ذاهبين. أي أن كلّ مجموعة كانت تفكّر بلغتها الخاصّة. وهذا يؤكّد إلى أي مدى يمكن أن تتحكّم اللغة في تفكيرنا وتؤثّر على حياتنا.
    وأختم بقصّة سمعتها قبل سنوات، وهي قد لا تكون وثيقة الصلة بالموضوع، ولكنها عن اللغة والتفكير وعمل الدماغ.
    والقصّة عن أكاديميّ أمريكيّ من أصل ألمانيّ كان قد هاجر وهو طفل مع عائلته إلى الولايات المتّحدة بعد استيلاء النازيّة على السلطة في ألمانيا. وفي أمريكا بدأت العائلة حياة جديدة.
    في ذلك الوقت، كان هو في سنّ الثامنة، وقد واصل مع شقيقته دراستهما في أمريكا، وبعد سنوات حصل على الدكتوراه بتفوّق، واختارته تلك الجامعة المرموقة ليكون أحد أعضاء هيئة التدريس فيها.
    وفجأة حصل له حادث سيّارة أصيب على إثره بارتجاج في المخّ وفقدان للذاكرة. وبعد أن قضى في العناية المركّزة سنوات وهو غائب عن الوعي، بدأ يُفيق شيئا فشيئا بعد أن ظنّت عائلته أن لا أمل أبدا في عودته للحياة الطبيعية.
    لكن ما أدهش الأطبّاء وأسرته أن الرجل بعد أن استعاد وعيه نسي تماما اللغة الانجليزية التي كان قد تعلّمها في السنوات الأربعين السابقة وبدأ يتحدّث لغته الأمّ، أي الألمانية، التي كان آخر عهده بها عندما كان طفلا.
    الأطبّاء فاجأهم ما حدث واحتاروا في تفسير تلك الحالة، وقال بعضهم إن ما حصل له علاقة بخلايا الذاكرة التي يعوّض بعضها عمل الآخر عند تلفه. وما حدث هو أن الدماغ استعاد المعلومات القديمة التي سبق له أن خزّنها، تماما مثل ما يفعل جهاز الحاسوب عندما يستعيد ملفّات سبق أن خُزّنت في ذاكرته وربّما يكون قد مرّ عليها سنوات دون أن تُفتح أو تُستخدم.
    للحديث بقيّة..