:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, March 14, 2012

آخر أيّام تولستوي

قبل حوالي مائة عام، توفّي ليو تولستوي عن عمر يناهز الثانية والثمانين بعد أن عانى من التهاب رئوي حادّ. وقد تابع العالم آنذاك أخبار مرض تولستوي ونقلت الصحف في روسيا وخارجها أحوال مرضه يوما بيوم. ولم يكن تولستوي على علم بتلك الضجّة التي كانت تثور من حوله.
وقبل وفاته بتسعة أيّام، كان الكاتب المشهور قد ترك منزله في ياسنايا بوليانا سرّا عند الفجر بصحبة سكرتيره الخاصّ. كان واضحا أن تولستوي اتخذ قراره النهائي بأن ينفصل عن حياته العائلية ويرتاح من شجار زوجته الدائم مع سكرتيره. وفي الليلة التي غادر فيها منزله كتب يقول: لقد فعلت ما يفعله الناس في مثل سنّي. قرّرت أن اترك الحياة الدنيوية وأقضي أيّامي الأخيرة في هدوء وعزلة".
وفي طريقه إلى محطّة القطار، عرّج على دير شيماردينو لرؤية شقيقته، وقضى ليلة في فندق بجانب أحد الأديرة. ثم غادر مرّة أخرى في الرابعة فجرا باتجاه الجنوب.
هروب تولستوي من ياسنايا بوليانا أصاب معاصريه بالذهول. البعض رأى في تصرّفه "تحرّرا بطوليّا" من قيود الحياة وإزالة للحواجز الأخيرة بينه وبين الله. الصحافة الروسية وصفت قرار تولستوي بأنه "انتصار روحي"، بينما وصفه بعض الكتّاب بالمأساة العائلية.
موت تولستوي، مثل حياته، كان حدثا تاريخيا، خاصّة في روسيا. فقد تقاطر الكتّاب والفنّانون والأتباع والفلاحون على ضيعته واكتظّت القطارات من موسكو إلى كراسنايا بالناس الذين قدموا لحضور جنازته. وحمل نعشه حشد من الفلاحين، وأنشدت اللحن الجنائزي جوقة من مائة مغنّ، ومشى في أثر النعش موكب من حوالي عشرة آلاف شخص.
ولم يكن هناك رجال دين في الجنازة، إذ كانت الكنيسة قد أصدرت قرارا بطرد تولستوي منها قبل ذلك بسنوات، بعد أن صرّح علناً بأن علاقته مع الله لا تحتاج لوسطاء.
الكنيسة كانت أخذت على تولستوي أيضا بعض كتاباته التي رأت أنها أسهمت في تسريع صعود البلاشفة إلى الحكم في روسيا عام 1917م.
بعد الثورة، وصف لينين تولستوي بأنه "مرآة الثورة الروسيّة"، متجاهلا أفكاره السلمية وإيمانه بالله. ومن خلال تحويل البلاشفة تولستوي إلى رمز لهم، فإنهم في نهاية الأمر أفرغوه من أهميّته.
كان البلاشفة على علم بانتقادات تولستوي الجريئة لسلطة القيصر. وكانوا يدركون مكانته كأحد أعظم الكتّاب في العالم. كانت أفكاره وكتبه أثمن من أن يتركوها خارج قانونهم الفنّي. لذا كان يجب أن تُروّض وتُهذّب كي تنسجم مع قيودهم الأيديولوجية التي فصّلوها سلفاً.
قرار طرد تولستوي من الكنيسة ما يزال سارياً إلى اليوم. ومؤخّرا اتهم مجموعة من المثقفين الروس الكنيسة بالعناد لإصرارها على إبقاء الكاتب المشهور على قائمتها السوداء وبالتحكّم في أمور السياسة والثقافة في البلاد.
وفي مواجهة مطالب عائلة تولستوي وأصدقائها بإلغاء قرار الطرد، أصدرت الكنيسة بيانا قالت فيه إن أعمال تولستوي جميلة ولا يمكن نسيانها، وأنها، أي الكنيسة، سمحت للناس بالصلاة على روحه والدعاء له بالرحمة". وأضاف البيان أن تولستوي شخصية مأساوية في تاريخ الأدب الروسي، وأنه استخدم موهبته لتدمير النظام الروحي والاجتماعي التقليدي للبلاد".
وكان "المجمّع المقدّس" قد اصدر قرارا عام 1899 بحظر كلّ صلاة لتذكّر تولستوي أو الترحّم عليه بعد وفاته باعتباره مرتدّا.
كان أمرا محزنا، وإن لم يكن مفاجئا، أن تمرّ الذكرى المئوية لوفاة تولستوي قبل عامين دون أن يلحظها احد في روسيا. كان تولستوي يعارض العنف الذي تمارسه الدولة. وقد وصف الدولة بأنها سيطرة الأشرار المدعومين بالقوّة المتوحّشة. وكان يرى أن اللصوص اقلّ خطرا من الحكومة المنظّمة. كما دعا إلى فكرة المقاومة السلمية وشجب كافّة أشكال الحروب.
وكان تولستوي أيضا يعتبر تحالف الكنيسة مع الدولة ضربا من التجديف والكفر. كما كان يعتقد بأن الارستقراطية تشكّل عبئا كبيرا على الفقراء. وعارض الملكية الخاصّة وانتقد مؤسّسة الزواج. وكان يثمّن كثيرا فكرة العفّة والكفاف الجنسي.

تولستوي ينتمي إلى عائلة بالغة الثراء. لكنّه أصبح يؤمن بأنه لا يستحقّ الثروة التي ورثها عن عائلته. وقد عُرف في أوساط المزارعين والفقراء بسخائه. وكان يوزّع مبالغ كبيرة من المال على المتسوّلين والمستحقّين، وهو أمر كان يثير حنق زوجته في اغلب الأحيان. وقبيل موته أعلن عن تخلّيه عن عائلته وثروته مفضّلا أن يعيش بقيّة عمره كراهب متجوّل.
هذه المبادئ لم يعد لها مكان في روسيا اليوم التي ابتعدت كثيرا عن قيم وأفكار تولستوي.
وتجاهُل روسيا لواحد من أعظم الكتّاب في البلاد يبدو غريبا، خاصّة إذا ما تذكّرنا أن اثنتين من رواياته، الحرب والسلام وآنا كارينينا، احتلّتا مؤخّرا المرتبتين الأولى والثالثة، على التوالي، ضمن أفضل عشر روايات في العالم. بل إن بعض النقّاد يذهب إلى أن رواية الحرب والسلام تتفوّق في قيمتها الإبداعية حتى على إلياذة هوميروس.
فلاديمير تولستوي، احد أحفاد تولستوي، انتقد بمرارة إصرار البطريرك الذي يأتمر بأوامر فلاديمير بوتين على رفض الاستجابة لنداءات العائلة برفع قرار الطرد الكنسي الذي ما يزال مطبّقا منذ أكثر من مائة عام.
ليوبولد سولرجيتسكي، احد أصدقاء وأتباع تولستوي، كتب يقول إن لـ تولستوي شخصيّتين: تولستوي العظيم وتولستوي الحقيقي. تولستوي العظيم ما يزال حيّا وسيبقى معنا إلى ما لا نهاية. أما تولستوي الحقيقي، أي الإنسان الرحوم والرقيق والصبور والمملوء إنسانية وتواضعا فقد ذهب إلى الأبد".
وهذا التقييم يتوافق مع سيرة جديدة لـ تولستوي كتبتها روزاموند بارتليت بعنوان تولستوي: حياة روسية. وهو كتاب مليء بالمعلومات والحقائق التفصيلية عن حياة تولستوي وأفكاره.
تذكر بارتليت في كتابها أن انطون تشيكوف، وكان احد أصدقاء تولستوي المقرّبين، قال ذات مرّة: تخيفني فكرة أن يموت تولستوي. وإذا مات فإنه سيترك ولا شكّ فراغا كبيرا في حياتي. وطالما انه حيّ، فإن موجة الابتذال والرداءة والقبح في الأدب ستبقى بعيدا في الظلمة الخارجية".
تشيكوف لم يعش ليشهد موت تولستوي. فقد مات بمرض السلّ قبل ستّ سنوات من وفاة تولستوي وعن عمر لا يتجاوز الرابعة والأربعين. لكنه كان مصيبا في أن وجود تولستوي كان يفرض قيودا أخلاقية معيّنة على المجتمع الروسي.
في الثامن والعشرين من أكتوبر عام 1910، هرب تولستوي من بيته عند منتصف الليل برفقة سكرتيره وإحدى بناته. وعلى فراش الموت، استقبل عددا قليلا من أتباعه وبعض أبنائه. واتفقوا جميعا على انه لا يجب السماح لـ صوفيا، زوجة الكاتب، برؤيته. وفي النهاية، وبعد أن فقد وعيه رضخوا لطلبها. ودخلت وركعت عند سريره بينما كان يحتضر. وقد كتبت في مذكّراتها في ما بعد تقول: لم يُسمح لي أن أقول لزوجي وداعا. أولئك الناس القساة".
عاشت صوفيا اندرييفنا تسع سنوات بعد وفاة تولستوي. وبقيت في ياسنايا بوليانا حتى بعد أن أحكم البلاشفة سيطرتهم على روسيا. كانت تتمنّى أن تُدفن إلى جوار زوجها في الضيعة التي عاشا فيها لأكثر من 48 عاما. لكن لم تُحترم تلك الرغبة. وعندما توفّيت في نوفمبر من عام 1919، دُفن جثمانها في مقبرة في كوتشاكي على بعد ميلين من قبر تولستوي.
كان تولستوي شخصية ذات تأثير هائل، سواءً في أعماله أو في حياته.
وفي سيرته، كان من المحتّم أن تكثر التناقضات: الجنديّ الشابّ الذي أصبح فيما بعد واحدا من دعاة السلام الأكثر صخبا في زمانه. و زير النساء الذي تُسجّل يومياته الطويلة صراعه مع دوافعه الجنسية، والذي أصبح بعد ذلك احد أكثر الناس عفّة وصرامة في عصره. والارستقراطي الذي أصرّ في وقت لاحق على أن يهب حقوق مؤلّفاته وكتبه إلى العامّة مجّانا. والناشط الاجتماعي الذي سُجن رفاقه وزملاؤه من المفكّرين والكتّاب أو أرسلوا إلى المنافي، بينما تمتّع هو بالحماية من قبل أقاربه في البلاط الإمبراطوري.


المكان المناسب للبدء في التحقّق من هذه الشخصيّة المتناقضة هو ياسنايا بوليانا، الضيعة التي وُلد فيها تولستوي وقضى الشطر الأكبر من حياته.
هذا المكان يعكس، أكثر من أيّ مكان آخر، طبيعة الرجل. والحقيقة أن ياسنايا بوليانا لم تتغيّر كثيرا منذ أن تركها تولستوي قبل أكثر من قرن. وما يزال بالإمكان الوصول إليها عن طريق زقاق تصطفّ على جانبيه أشجار البتولا.
بعد وفاة تولستوي عام 1910، مُنحت بعض أراضي الضيعة للفلاحين الذين كانوا يخدمونه. بينما أعيد توزيع أجزاء من الأرض بعد قيام الثورة عام 1917. الإسطبلات ما تزال تؤوي بعض الخيول حتى اليوم. الغريب أن بيت تولستوي نجا من فوضى ثورة 1917، عندما تمّ نهب الكثير من الممتلكات والبيوت المجاورة.
ارتباط عائلة تولستوي بـ ياسنايا بوليانا ما يزال قويّا إلى اليوم. وبعد رحيل تولستوي، تولّت صوفيا، زوجته، المسئولية عن المنزل والعقارات الملحقة به. كانت، حتى وفاتها عام 1919، تصطحب الضيوف الكثيرين الذين كانوا يزورون الضيعة، في حين تولّت الكسندرا، الابنة الصغرى لـ تولستوي، هذه المسؤولية خلال العشرينات قبل أن تغادر الاتحاد السوفياتي نهائيا عام 1928م.
خلال العصر السوفياتي، احتفلت الدولة بالذكرى المئوية لميلاد تولستوي عام 1928 وبالذكرى الخمسين لوفاته في عام 1960م. وحظيت المناسبتان بتغطية واسعة في الصحافة. وكان ذلك أمرا مثيرا للاهتمام. فالعلاقة بين السلطات السوفياتية وأفكار تولستوي كانت متوتّرة. وأفكاره السلمية أصبحت غير مقبولة بشكل متزايد بالنسبة إلى النظام الجديد.
إذا نظرنا إلى الوراء وقارنّا بين أوضاع روسيا زمن تولستوي وحالة البلاد الآن سنجد بعض أوجه الشبه المذهلة. فهناك اليوم فجوة تتّسع باطّراد بين الأغنياء والفقراء. وثمّة تحالف ملحوظ بين الكنيسة والدولة. وهناك رقابة بشكل أو بآخر وإقصاء للأصوات المستقلّة. كما أن الدور السياسي للدولة يقع على حدود الاستبداد.
هنالك من يعزو صمت روسيا الرسمية وتجاهلها لإرث تولستوي لنقص الأموال وعدم القدرة على تسويق تولستوي تجاريّا في سوق ثقافية تهيمن عليها الأفلام المترجمة والواردات الأجنبية.
لكنّ هناك سببا كامنا وأكثر عمقا، وهو افتقار البلاد للوسائل اللازمة لمعالجة القضايا الأخلاقية الملحّة التي تواجه روسيا اليوم، وهي نفس القضايا التي كانت موجودة في نهاية حياة تولستوي.
ضمير تولستوي لم يكن يسمح له بالسكوت عن الظلم والعنف والفقر والخروج على القانون. وهي مشاكل كان يراها حوله في الحقبة المتأخّرة من روسيا القيصرية. وكان باستمرار يناشد مواطنيه بأن لا يصمتوا على الاستبداد والظلم والفساد وأن يتّخذوا موقفا.
والواقع أن هناك الآن من يجادل بأن الأوضاع في روسيا اليوم ليست بأفضل حالا ممّا كانت عليه في بدايات القرن الماضي. كان الملايين من الروس، زمن ما قبل الثورة، ينظرون إلى تولستوي باعتباره منارة للحقيقة. واليوم يفضّل الناس عدم تذكّر عظمة وإنسانية كتّابهم في القرن التاسع عشر، ربّما بسبب شعورهم بعدم الارتياح إزاء تفريطهم وتقصيرهم ولامبالاتهم.
جاذبية تولستوي في قلوب وعقول مواطنيه توارت كثيرا بدليل فشل الدولة المشين في تكريم ذكرى واحد من أعظم مواطنيها. وعلى المستوى الرسمي، يبدو أن لا مكان لأفكار فوضويّ ونباتيّ مسالم كان يبشّر بالأخوّة بين بني الإنسان في بلد لا يمجّد اليوم سوى أفكار الذكورة والعزّة القومية والحكومة القويّة.
ولا يمكن إغفال نفوذ الكنيسة الأرثوذكسية التي استعادت نشاطها في العقدين الأخيرين وتتمتّع الآن بعلاقة وثيقة مع الحكومة الروسية. هذه الكنيسة هي نفسها التي ما تزال تعتبر تولستوي زنديقا على الرغم من جهود سلالته وسخط الكثير من الروس.
في يوم وفاة تولستوي والأيّام التي تلته، أرسلت الدولة الجواسيس لتعقّب كلّ حركة وخطوة من أتباعه خوفا من أن يشجّع موته الملايين من مؤيّديه من الشباب والفلاحين والمثقّفين على القيام بتحرّك شعبي أو ثورة ما. أما ممثّلو الصحافة فقد حوّلوا موته إلى نوع من الإعلام المحموم.
واعتمادا على الروايات الصحفية والمراسلات الشخصية وتقارير الشرطة والتعاميم السرّية والبرقيات والرسائل والمذكّرات، فإن المشهد العام لأيّام تولستوي الأخيرة كان انعكاسا حيّا لامبراطورية هشّة تقف بقلق على حافّة الحرب والثورة.

Credits
linguadex.com
gutenberg.org

Monday, March 12, 2012

كوروفين: أبو الانطباعية الروسية

كونستانتين كوروفين هو احد الرسّامين الذين برزوا في أواخر القرن قبل الماضي ومثّلوا مرحلة جديدة في تطوّر الرسم الروسي، مثل ايساك ليفيتان وفيكتور نيستيروف وفالانتين سيروف وميخائيل فروبيل.
ولد كوروفين في نوفمبر عام 1861 في موسكو لأسرة تشتغل بالتجارة. وعند بلوغه الرابعة عشرة، دخل مدرسة موسكو للنحت والرسم والهندسة كي يدرس الهندسة المعمارية. لكن بعد سنتين من الدراسة اختار أن يتخصّص في الرسم. ثم ذهب إلى سانت بطرسبيرغ كي يواصل تعليمه في أكاديمية الفنون. غير انه سرعان ما أصيب بخيبة أمل من أساليب الأكاديمية وقرّر أن يوقف دراسته.
في العام 1885، قام كوروفين بأوّل زيارة له إلى أوربّا شملت فرنسا وايطاليا، ثم اسبانيا التي رسم فيها بعضا من أفضل لوحاته.
كان الرسّام على علاقة ودّية مع الفنّان المشهور فالانتين سيروف. وقد سافرا معا في الفترة ما بين عامي 1888 و 1894 إلى أراضي القوقاز وآسيا الوسطى.
وفي أوائل سنوات القرن العشرين، عمل بنشاط على تصاميم الأزياء الخاصّة بعروض التمثيل في مسرح البولشوي ومسرح ماريانسكي. وأثناء الحرب العالمية الأولى عمل كوروفين كمستشار لعمليات التمويه في مقرّ الجيش الروسي.
وقد اشتهر الرسّام بتنوّع موضوعات لوحاته، فرسم الأشخاص والحياة الصامتة والمناظر الطبيعية في الريف والمدينة. وممّا لا شكّ فيه أن السنوات الأولى من القرن العشرين شهدت ذروة مسيرته الإبداعية. وفي عام 1905، نال لقب أكاديمي في الرسم. وفي الفترة من 1909 إلى 1913 زاول التدريس في كلّية موسكو للرسم.
وبعد ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا شارك الرسّام بفاعلية في جهود المحافظة على الآثار الفنّية وتنظيم المزادات والمعارض لصالح السجناء السياسيين المفرج عنهم، واستمرّ يتعاون مع المسرح. لكن في عام 1923، وبناءً على نصيحة صديق، غادر كوروفين روسيا إلى غير رجعة وانتهى به المطاف في فرنسا التي قضى فيها الخمسة عشر عاما الأخيرة من حياته.
وفي باريس التقى الانطباعيين الفرنسيين الذين كان لهم تأثير قويّ على فنّه.
وقد لخّص الرسّام ذات مرّة مفهومه للإبداع بقوله: إن غاية الفنّ هي أن يؤثّر جماليا على المتلقّي، دونما حاجة إلى محاضرات أو دروس أخلاقية".
عندما كان كوروفين يعيش في المهجر، اثبت مواهبه الأدبية من خلال كتابة القصص القصيرة والمذكّرات. وقد نشر مذكّراته في الصحف الروسية الصادرة في باريس، وزيّنها برسومات عن روسيا وطبيعتها وناسها وعن معلّميه وأصدقائه. صحيح انه أحبّ باريس كثيرا. غير انه أحبّها كضيف وظلّ يشعر فيها بالغربة، في حين كان يراوده الحنين الدائم لأرض الوطن.
كان كوروفين ينفر دائما من محاولات تصنيفه ضمن مدرسة أو حركة فنّية بعينها. ومع ذلك أصبح أوّل رسّام انطباعي في روسيا.
وكان يدرك أن الطبيعة الروسية تتطلّب نمطا مختلفا من الانطباعية يُبرز جمال هذه الطبيعة ودفئها. والكثير من مناظره يعطي انطباعا عن طبيعة حميمة ومضيافة.

في لوحة الشتاء، مثلا، نرى طبيعة ثلجية يظهر فيه حصان وباب بيت مفتوح. ثمّة تناغم وحميمية ما بين الإنسان والطبيعة. في صور كوروفين، بشكل عام، يتوحّد الإنسان والطبيعة معا. كما أن جمال كلّ منها يكمّل الآخر. وهذه اللوحة ليست رفضا للانطباعية. ولكنّها بحث عن بديل روسيّ منها.
رحلة الرسّام إلى شمال روسيا في العام 1894 شكّلت فترة مهمّة في تطوّره الإبداعي، إذ حرّرته من تأثيرات الرسّامين الآخرين وسمحت له بأن يعثر على أسلوبه الخاصّ.
افتتان كوروفين بالمواضيع الروسية تعكسه لوحته بعنوان قصيدة رعوية. العنصر الفولكلوري والتوليف المتوازن على نحو سلس لهذه اللوحة يستدعي إلى الذهن أعمال فيكتور فاسنيتسوف الذي كان كوروفين معجبا به.
في البورتريه الذي رسمه للفنّانة تاتيانا ليوباتوفيتش، يُبرز الرسّام الطابع الشعري للمغنّية المشهورة. المرأة تجلس وظهرها إلى النافذة مع خلفية خضراء بينما ترتدي فستانا ابيض وتحمل في يديها كتابا. البنفسجي الزاحف والبقع الوردية اللون التي يعكسها ضوء الشمس على ثوب المرأة يضفيان على شخصيّتها جاذبية وفتنة.
كان كوروفين عاشقا للألوان بالفطرة. وقد جعل اللون وسيلة التعبير الأساسية في لوحاته. كتب ذات مرّة: الألوان والشكل يجتمعان ليعطيا تناغما جماليا. الألوان يمكن أن تكون احتفالا للعين. والعينان تحدّثان الروح عن الفرح والبهجة".
باريس، بأضوائها الساطعة وعرباتها وإعلاناتها المبهرجة، كانت احد الموضوعات المفضّلة لـ كوروفين. وفي بعض تلك اللوحات، مثل باريس في الليل ومقهى باريسي ومهرجان ليلي وغيرها، يستطيع الناظر أن يلمس طريقته الحرّة في الرسم وسعيه الحثيث في إظهار ثراء الألوان.
عرف كوروفين الرسم الغربي بشكل جيّد وأعجب بإنجازات الانطباعيين. وهو في لوحاته يضفي على الأشياء خاصّية لمس وينقل حالات عاطفية. كتب عنه احد تلاميذه يقول: كان عاطفيا على نحو غير عاديّ. وكان يتحلّى بالصبر في عمله. ولطالما اظهر حماسة منقطعة النظير في تصوير كلّ ما تقع عليه عيناه: ذوبان الجليد على ضفاف الأنهر، فتاة في ثوب أبيض إلى جانب أريكة أرجوانية، أزهار في الشمس أمام بحر أزرق، منطقة نائية من بلدة ريفية، أضواء ليالي باريس، فينيسيا أو طاشكند أو اركانغيلسك.
في كلّ شيء كان كوروفين يجد شعرا. وهو عندما يرسم منظرا يُكسبه حياة جديدة ويخلع عليه شيئا من إحساسه الشعري. ويمكن اعتبار مناظره تجسيدا للسعادة والفرح بالحياة. كانت كلّ الألوان في هذا العالم تخطب ودّه وتأتي إليه طائعة مبتسمة".
ذكرى كوروفين محفوظة في أعماله المنتشرة في عدد من المتاحف الروسية. وقد تحوّل بيته الصيفي في غورزوف بـ أوكرانيا إلى مركز فنّي يحمل اسمه. والمعروف أن كوروفين عاش هناك ما بين عامي 1910 و1917 ورسم الكثير من لوحاته الرائعة التي تمجّد جمال الطبيعة في غورزوف وشبه جزيرة القرم.
في السنوات الأخيرة من حياته، عمل كونستانتين كوروفين في تصميم العديد من الأعمال المسرحية في أوروبّا وأمريكا وآسيا وأستراليا. وقد توفّي في فرنسا في سبتمبر من عام 1939 ودُفن إلى جوار زوجته في المقبرة الروسية في باريس.