:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, October 09, 2009

بقايا اليوم

لأنّ مشاكلنا كثيرة بما لا يُعدّ ولا يُحصى، فإن الكاتب في مجتمعنا لا يجد عادة صعوبة في العثور على المواضيع والقضايا التي يمكن تناولها ومناقشتها. لكن برغم كثرة الكتابات وتنوّعها، فإن الإنسان لا يلاحظ على ارض الواقع نتائج أو ثمارا لما يُكتب أو يقال.
والذي يحدث هو أننا نقرأ كلّ يوم الكثير من المقالات والتحليلات التي تتحدّث في كلّ شيء وعن أيّ شيء. لكن في نهاية اليوم لا يبقى في الذاكرة أثر مما قرأناه، اللهمّ إلا بقايا كلمات تتطاير في الهواء ثم لا تلبث أن تتلاشى تحت ثقل ما يحفل به الواقع من ضغوط وتحدّيات.
لكن هناك كتّابا لا نرى أسماءهم كثيرا في الصحف اليومية، ربّما لانشغالهم بأمور أخرى تتصل بطبيعة أعمالهم ومسئولياتهم الأصلية. ومع ذلك عندما يكتب الواحد من هؤلاء تحسّ أنه يقول شيئا مختلفا عما هو معروف وسائد وأنه جدير بأن يُسمع له ويُتمعّن في كلامه.
إلى هذه الفئة من الكتّاب ينتمي الدكتور مرزوق بن صنيتان بن تِنباك الأكاديمي المعروف وأستاذ مادّة الأدب الأموي في جامعة الملك سعود بالرياض.
الدكتور مرزوق متخصّص في الأدب أصلا، لكنه معنيّ كغيره من رجال الفكر والمثقفين بمتابعة الشأن المحلي ورصد تحوّلات الحراك الاجتماعي والفكري في المملكة.
ومن خلال كتاباته المتفرّقة لاحظت عمق أفكاره وصراحته وإلمامه بالمواضيع التي يتناولها، سواءً في كتاباته بالصحافة المحلية أو في لقاءاته التلفزيونية.
وهو في كلّ ما يكتب يصدر عن فكر داعم للإصلاح ولحقوق المرأة ولقدر اكبر من المحاسبة والشفافية.
ومنذ أيّام أسعدني الحظ بقراءة آخر كتب الدكتور مرزوق الذي تطرّق فيه إلى موضوع وأد البنات في الجاهلية. الكتاب سبق وأن أثار كثيرا من الجدل في بعض الأوساط لأن المؤلف توصّل في كتابه إلى أن فكرة الوأد منتحلة من أساسها ولم يرد في أخبار الجاهلية ما يؤكّد حصولها، لا في الروايات ولا في النصوص أو الأخبار التي انتقلت إلينا من تلك الفترة. كما قال إن الوأد أو الدسّ في التراب ليس أكثر من معنى مجازي يتصل بالهوان المعنوي ومكانة الإناث في المجتمع العربي، وهو ما دفع المفسّرين لأن يشتطوا في تصوّراتهم وتأويلاتهم حول المسألة.
جسارة الدكتور بن تنباك وجرأته في طرح ما يؤمن به هي ولا شكّ مما يُحسب له. فالرجل أكاديمي مرموق ومثقف وطني له وزنه ومكانته كما انه يتمتع بحضور كبير وفاعل في المشهد الثقافي المحلي.
وقد استوقفني من قبل كلامه الذي قال فيه انه لا يوجد نصّ أو دليل ديني قاطع وصريح يلزم الناس بإغلاق محلاتهم وقت الصلاة. وكذلك قوله انه لم يحدث في تاريخ العرب أو المسلمين أن المحالّ كانت تُقفل للصلاة بصورة رسمية، على الرغم من الأوّلين كانوا أحرص منا على تطبيق الشعائر الدينية. إن إغلاق المحال في مدن كبرى ذات مصالح اقتصادية ضخمة مثل الرياض وجدّة – والكلام ما يزال للدكتور مرزوق - لا يستند إلى دليل شرعي. فما بالك إذا اقترن ذلك بحمل الناس وضربهم على صلاة الجماعة التي لم يرد بها نصّ قاطع؟!
الهمّ الوطني يشغل مساحة كبيرة من اهتمامات الدكتور مرزوق بن تِنباك. وهو طالما حذّر من التمايز المذهبي والطبقي ومن تركيز الثروة في أيدي مجموعة صغيرة من الناس.
يقول الدكتور في احد البرامج التلفزيونية: إن لدينا استغلالا واضحا للمناصب العامّة يسعى فيه شاغر المنصب لجمع أكبر قدر من الثروة قبل تركه الوظيفة.
ويضيف: تلك الفئة القليلة والفاحشة الثراء ستتحكّم بقوت الناس وأرزاقهم، وهم مستمرّون بإنماء ثرواتهم وثروات أبنائهم حتى بعد مغادرة الكرسي عن طريق المحسوبية والواسطة. ويشدّد الدكتور على حقيقة أن كلّ الشركات القائمة الآن هي حصيلة لهذا الفساد أو امتداد له أو متفرّعة عنه. ويضيف: لقد تكدّست الأموال بأيدي أفراد معدودين واستفرد بالقرار أناس مشبوهون، بينما البطالة والفقر تزداد والناس تتململ وتحسّ بالضيق".
غير أن أخطر ما في كلام الدكتور مرزوق بن تنباك هو قوله: قريبا سنجد أن تلك الفئة القليلة ستستعبد الـ 20 مليون بشكل كامل ليسخّروهم للعمل لديهم كالعبيد تماما. إن الوضع خطير جدّا. ولو نظرنا له نظرة تأمّل وتفحّص فسنجد تبعاته تشكّل كابوسا مرعبا لا بدّ وأن نصحو منه ونبحث عن مكان الخلل لتعديله.
إن الوضع إن استمرّ على ما هو عليه – يضيف الدكتور - فستكون نهايته احد أمرين: إما الخنوع للذلّ والتسليم بالواقع، وهذا مستحيل. أو الانتصار للذات ورفض الأمر الواقع ومن ثمّ السعي لتغييره في وقت متأخّر.
وفي ختام حديثه ناشد الدكتور مرزوق وليّ الأمر أن يبدأ فورا بتعديل الوضع فهو المستفيد الأول قبل الشعب من إيجاد حلّ لتفادي الكارثة المقبلة".
صراحة الدكتور بن تنباك في تشخيصه لبعض أمراض واختلالات الواقع الاجتماعي والاقتصادي تؤشّر إلى اتساع هامش التعبير في الصحافة والمنتديات السعودية. والذي يقرأ الصحف المحلية هذه الأيّام لا بدّ وأن يلمس العديد من الشواهد التي تؤكّد هذه الحقيقة.
وقد قرأت مؤخّرا عددا لا بأس به من المقالات التي يناقش فيها أصحابها بعض القضايا التي كانت تُعتبر حتى وقت قريب في عداد المناطق المحظورة والمحرّمة.
والأمل أن تستمرّ قوّة الزخم هذه وأن يتمتّع الكتّاب بالمزيد من الحرّية والصراحة والمكاشفة طالما أن رائد الجميع هو الحرص على مصلحة الوطن والتعاون لما فيه خيره ورفعته. ويبقى أن نرى نتائج وثمارا ملموسة لما يُكتب ويقال. والله الموفق.

Thursday, October 08, 2009

غودوورد: عالم من جمال هشّ وغامض


بعض النقّاد يصفه بأنه ليس أكثر من رسّام مستنسخ عن لورانس تاديما.
والبعض الآخر يقول انه مجرّد رسّام لعالم مملّ من النساء المترفات اللاتي يجلسن أو يستلقين بكسل على مقاعد من رخام.
غير أن جون غودوورد كان في الحقيقة احد أعظم من رسموا المثالية الكلاسيكية. وفنّه يمثّل خلاصة هذا النموذج الهامّ والمتفرّد.
وبرحيله اُسدل الستار على حقبة دامت خمسمائة عام من المواضيع الكلاسيكية في الفنّ الغربي.
هذا الفنّان العبقري والمنعزل والغامض أصبح الآن في دائرة الضوء مع تزايد عدد الدراسات النقدية عنه وعن فنّه.

عاش جون غودوورد في نهايات العصر ما قبل الرافائيلي وبداية عصر الكلاسيكية الجديدة. وكان معاصرا لـ جون ليتون ولورانس تاديما. ومع مجيء موجة الفنّ الحديث، فقد الناس اهتمامهم بفنّه.
ولد غودوورد عام 1861 وعاش في ويلتون غروف بـ ويمبلدون. وقد بدأ عرض أعماله في الأكاديمية الملكية اعتبارا من العام 1887م.
وعندما انتقل إلى ايطاليا برفقة إحدى موديلاته عام 1912م، قطعت أسرته كافة اتصالاتها به وأزالت صوره نهائيا من سجلّ العائلة.
كان غودوورد ميّالا، مثل لورانس تاديما، لتصوير العمارة الكلاسيكية. وقام بدمج ملامحها وسماتها المميّزة في كافة أعماله.
ومعظم لوحاته تصوّر نساءً في ثياب كلاسيكية. غير أن عددا من لوحاته تتضمّن صورا لنساء عاريات أو عاريات جزئيا. وعناوين لوحات غودوورد تعكس مصادر إلهامه، أي ملامح الحضارة الكلاسيكية بفرعيها الروماني والإغريقي.
كان غودوورد مهتمّا بالآثار، كما درس الهندسة المعمارية وأنماط اللباس ووظفّها في لوحاته لكي يضفي على مناظره شيئا من الأصالة.
كما عمل بجدّ على تصوير بعض التفاصيل الأخرى التي تظهر في أعماله دائما مثل جلود الحيوانات والأزهار البرّية.
ولوحات غودوورد تعطي انطباعا عن فنّان استطاع أن يخلق عالما جميلا، مثاليا ورومانسيا خاصّا به.
يقول فيرن سوانسون مؤلّف كتاب "جون غودوورد: أفول الكلاسيكية": إن الجمال الهادئ والأسلوب التقني المدهش في لوحات جون غودوورد يتناقض مع حقيقة أن هذا الفنان المهم لم يتلقّ في حياته أيّ ثناء أو اعتراف سواءً من النقاد أو من مؤرّخي الفنّ.
والواقع أننا لا نعرف سوى القليل عن حياته الخاصّة التي لا تظهر في فنّه كثيرا.
لكن من المؤكّد انه كان فنانا وسيما وموهوبا على شيء من الخجل والحزن. وما تزال حياته يلفّها الغموض كأنها كتاب مغلق. ومن الواضح انه كان يفضّل دائما عدم الكشف عن هويّته أو خصوصيته.
كان غودوورد أهمّ شخصيات الرسم الكلاسيكي الانجليزي في زمانه. ومع ذلك تجاهلته الأمزجة الفنّية المتغيّرة للنقاد في وقت كان الرسم الكلاسيكي يذبل تحت وهج الفنّ الطليعي الحديث الذي ظهر في مطلع القرن العشرين.
كان غودوورد أفضل الفنانين الأوربيين العظام الذين اختاروا تصوير روما واليونان في فنّهم. وهنا بالذات تكمن أهميّته بالنسبة لتاريخ الفنّ.
وفي الفترة الأخيرة زاد الاهتمام بلوحاته سواءً من جمهور النقاد أو من جامعي الأعمال الفنية أو الناس العاديّين. بل إن مؤرّخي الفنّ بدءوا الآن في إعادة تقييم غودوورد ومكانته وفنّه.
والسبب في هذه الطفرة المفاجئة هو إدراك الكثيرين أن جودة لوحاته تنافس تلك التي رسمها كبار كلاسيكيي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
والحقيقة أن غودوورد لم يكن يتحدّث أبدا عن نفسه. كان يكتفي دائما بالتعبير عن عالمه الخاصّ من خلال لوحاته وفنّه.

في لوحته "فتاة بملابس صفراء"، يرسم غودوورد فتاة رومانية ترتدي فستانا اصفر شفافا وتستلقي على مقعد طويل من الرخام بينما تحاول اتقاء حرارة الشمس بيدها. هذه اللوحة هي إحدى أكثر لوحات الرسّام حسّية وإثارة بالنظر إلى الفستان الخفيف والفضفاض الذي يشفّ عمّا تحته.

وفي لوحته بعنوان "كَسَل"، يصوّر غودوورد امرأة ذات شعر داكن ووجنتين متورّدتين. المرأة تجلس فوق مقعد رخامي مستدير على شاطئ البحر بينما راحت تداعب قطّة باستخدام ريش طاووس. وخلفها تظهر أزهار الدُفلى بألوانها الزاهية والمتناغمة مع لون فستانها الأصفر والبنفسجي.
فكرة النساء اللاتي يداعبن قططا صغيرة كانت احد مواضيع غودوورد المفضّلة.
كان غودوورد مفتونا لدرجة الهوس بالجمال الأنثوي. وقد رسم في محترفه سلسلة من اللوحات التي تستكشف الجماليات المختلفة لجسد الأنثى. ونساؤه الإغريقيات، بخدودهن الطريّة وأعناقهن الطويلة البيضاء، أراد أن يكنّ ايقونات في الكمال ونموذجا في الفتنة الأبدية.
الفساتين الإغريقية الشفّافة، والحليّ والمجوهرات الفخمة، والخلفيات المنعكسة على الرخام، والحسّية الاكزوتية؛ كلّها عناصر تدفع الناظر لأن يصل الحاضر بالماضي الغابر ويتخيّل شكل حياة المحظيات اللاتي كنّ يشعلن قصور العالم القديم بجمالهن وسحرهن.
ويمكن القول إن أهم عنصر جذب في لوحات غودوورد هو التمثيل الحسّي للنسيج والتناغم اللوني الذي يوازن بين البرودة الشاحبة للرخام والحمرة الساخنة للوجوه والشفاه.

في "أتالانتا" يصوّر غودوورد أسطورة الفتاة اليونانية التي هجرها أبواها عقب ولادتها. أتالانتا التي عانت النبذ والحرمان وجدت أخيرا ملاذا آمنا في كنف أنثى دبّ. مع مرور الأيام كبرت الفتاة لتتحوّل بعد ذلك إلى صيّادة بارعة وتصبح إحدى أكثر النساء جمالا في أركاديا. لكنها تبدي انزعاجها من كثرة المتقدّمين لطلب يدها. وفي النهاية يفوز بها الرجل الذي استطاع التغلّب عليها في مسابقة للعدو بفضل تفّاحات فينوس الذهبية.
من الواضح أن غودوورد كان منجذبا كثيرا لشخصيّة أتالانتا. وقد استخدم لرسمها الموديل الجميلة "مِس غولدسميث" التي تظهر هنا في صورة جانبية بكتفين عاريين بينما لفّت شعرها بمنديل أخضر. وأتالانتا غودوورد لها علاقة بلوحة ليتون التي رسمها عام 1893 والتي تحمل نفس الاسم. الشريط الذهبي المثبّت في أعلى ذراع المرأة الأيسر موجود في كلا اللوحتين وكذلك شكل جدران القصر.
أتالانتا تبدو في اللوحة بعد أن ربطت شعرها وشدّت ثيابها الفضفاضة استعدادا للسباق. هنا يكثّف الرسّام دفء وحسّية الملامح الجميلة للمرأة مقابل برودة الرخام في الخلفية.

رسم غودوورد هذه اللوحة بعنوان "سيّدة من بومبي" في العام 1916م. من المهم الإشارة إلى أنه اختار أن يربط المرأة بالمدينة التي كانت مصدر الهام كبير لفنّاني القرن التاسع عشر.
الزخارف المرسومة على الجدار في خلفية اللوحة تشبه تلك التي سبق لـ تاديما أن رسمها. هناك أيضا بلاط الأرضية، الستائر ذات الألوان الداكنة والطاولة التي تدعمها قدم تأخذ شكل أسد.
لوحة "العطر الجديد" تتضمّن هي الأخرى قدم طاولة منحوت على شكل نمر. هذا الرمز الكلاسيكي كثيرا ما يظهر في العديد من لوحات غودوورد. واختياره لمثل هذه الرموز يضفي على جميلاته الغريبات سمة كلاسيكية توحي بالقدم أكثر من كونه إعادة بناء اركيولوجي للماضي. وهناك عناصر مشتركة بين مختلف لوحاته: جدران الرخام، الأقمشة الغريبة، النساء المثيرات، وقطع النحت الكلاسيكي.. إلى آخره.
الجانب السردي في اللوحات قليل دائما. كما أنها تخلو من الشحنات العاطفية والانفعالية.
الأمكنة والاكسسوارات القديمة هي جزء لا يتجزّأ من المزاج الذي تثيره الصورة عن عالم بعيد. التوتّر بين الآثار القديمة والتمثيل الحيّ للنسيج، بين الرخام البارد واللحم الناعم، بين التصاميم المجرّدة والجاذبية الحسّية، هي كلها مكوّنات مهمّة من ملامح عالم غودوورد.

في لوحة "يحبّني، لا يحبّني"، تستند فتاة شابّة على جدار رخامي ابيض وهي ترتدي ثوبا كلاسيكيا شفافا بلونين احمر واخضر، بينما تربط شعرها الأسود بشريط ذهبي. المنظر الايطالي يوفّر خلفية مثالية للحظات من العزلة. الخلفية الكثيفة من أشجار السرو وأزهار الدُفلى تنقل اهتمام الناظر إلى المرأة ذات الملامح المرهفة. إنها تعبث في بتلات الورد الأبيض بينما تتملّكها الحيرة بشأن حقيقة شعور الرجل الذي تحبّه. هذا التصوير الحسّاس لحالة التذكّر والاستغراق في التفكير سيرسمه غودوورد في ما بعد في لوحة أخرى تتكئ فيها فتاة شابّة على مقعد رخامي بينما تبدو مستغرقة في نفس الفكرة.
هذه هي إحدى أنجح لوحات غودوورد. وهي تلخّص هاجسه بالأفكار الكلاسيكية المثالية التي قادته إلى روما حيث أسّس له فيها مرسما. لقد ظلّ الرسّام وفيّا في تمسّكه بالأفكار الإغريقية والرومانية. واستمرّ في إغواء المتلقي من خلال تصويره نساءً جميلات في حالة تأمّل صامت رَسَمَهنّ بطريقة لا نظير لها من الإتقان والبراعة الفنية.

في اللوحة المسمّاة "ساعات الراحة" يقدّم غودوورد رؤية جديدة عن الأزمنة القديمة. نساؤه الجميلات اللاتي يجلسن في بيئة متوسّطية يستحضرهنّ من عالم بعيد جدّا عن محترفه في لندن. ورغم انه عُرف بافتتانه وشغفه بالمواضيع الإغريقية والرومانية فإنه يُنظر إليه كرسّام مبدع في توظيفه للألوان المكثّفة والتصاميم ذات التراكيب والبُنى المجرّدة.
هذه اللوحة نموذج جيّد لموضوع طالما ألف غودوورد رسمه. وفيها يصوّر امرأة إغريقية تستند إلى درابزين يطلّ على البحر. المرأة ذات الشعر الأسود ترتدي فستانا بلونين ذهبي وبنّي وتبدو وهي مستغرقة في التحديق في الأفق. قد تكون بانتظار حبيب ما أو ربّما كانت تتخيّل عالما من الأحلام والتهيّؤات البعيدة. مروحتها ملقاة على الأرض بإهمال بينما تجلس على الكرسيّ الخشبي في هذا المكان الهادئ.
الدرابزين الرخامي منحوتة عليه صورة جنود يتقاتلون بالسيوف. وقد يكون في هذا تلميح إلى حبيبها الذي تنتظر عودته من أرض المعركة.

في لوحة "العطر الجديد" تتبدّى موهبة غودوورد في أجلى صورها من خلال عناصر الرخام والنحت والحياة الساكنة والملابس المنسدلة واللحم الأنثوي البضّ. غير أن بعض النقاد يرون أن تركيز الرسّام على هذه الأشياء أضرّ بفنّه كثيرا. يقول جوزيف كيستنر موضحا هذه النقطة: "العطر الجديد" تمثّل نقطة قوّة غودوورد وضعفه معا. فالرداء الأحمر الشفّاف يُظهر بوضوح تأثير ليتون من خلال الطيّات الدقيقة للملابس والايروتيكية الواضحة في اللوحة والتي يشي بها صدر المرأة العاري حيث من المفترض أن تضع العطر. استخدام اللون هنا قد يكون له ما يبرّره. لكن المبالغة في تكديس عناصر الديكور المنزلي ليست مقنعة. ومحاولة غودوورد المزج بين تاديما و ليتون في اللوحة يمكن أن يكون أمرا جميلا لكنه ينطوي على بعض المحاذير الفنّية.

في "قيلولة في احد أيّام الصيف" يستدعي غودوورد بيئة البحر المتوسّط مرّة أخرى. ضوء الشمس ينعكس على سطح البحر الفيروزي بينما يحجب الضباب أجزاءً من جزيرة بعيدة. المرأة في اللوحة ذات جمال كلاسيكي وتظهر وهي مستندة على مقعد رخامي بينما تستمع إلى الموسيقى من آلة ناي تعزفها امرأة. كلّ الحواسّ مستثارة. في مقدّمة الغرفة، على الأرضية، جلد نمر مرسوم بطريقة مبهرة. كلّ شعرة فيه لها معالمها وتفاصيلها الدقيقة. طاولة الرخام إلى اليسار يدعمها أسدان أثريان مُثّلت كتلتاهما النحتية ببراعة متناهية.

حسب بعض النقاد، تعتبر لوحة غودوورد المسمّاة "بانتظار ردّ" إحدى أكثر لوحاته طموحا وإثارة للاهتمام. المرأة الظاهرة فيها هي موديله المفضّلة. هنا يرسم غودوورد منظرا معقّدا وموحيا يتألف من عدّة طبقات، مكانيا وسيكولوجيا.
وقد عمد إلى تضمين اللوحة صورة لرجل، وهو أمر نادر الحدوث. اللوحة تتضمّن سردا دراميا مقنعا. الشابّ الوسيم، وهو الفنان نفسه، ينتظر بصبر بينما تفكّر المرأة الجميلة بعرضه الزواج منها. إنها تتعمّد عدم النظر إليه وتشغل نفسها بلمس سعفة النخيل. غير أنها تبدو شاردة الذهن. التوتّر الجسدي يكمن في ذلك الفراغ الصغير بين أصابع يدها اليسرى ومرفق الشابّ. هذه اللوحة تكشف عن براعة غودوورد في صبغ لوحاته بعنصر لمس. تركيز الناظر يذهب تلقائيا إلى الأنسجة المميّزة والمختلفة المتمثلة في الرخام البارد واللامع وفي جلد الحيوان الليّن والناعم. وامتزاج ألوان الرخام بألوان جلد النمر يوصل شعورا بالفخامة والصقل في اللوحة.
موزاييك الأرضية المفصّل والدقيق يعزّز خطوط الفراغ المعماري. وكما في كلّ لوحات غودوورد، فإن قصوره الأنيقة هي الخلفية المثالية التي يبني عليها قصص عشّاقه الشباب.

في لوحة "الإزعاج والسكينة" يرسم الفنان امرأة شابّة تستلقي على جلد نمر مفروش فوق عتبة من الرخام في حين تداعبها رفيقتها بدبّوس لباس من الخشب. المرأتان ترتديان ملابس شفّافة من النوع الذي كانت ترتديه النساء اليونانيات في القديم. على الأرضية الرخامية، هناك دبّوس لباس آخر وشريط شعر.
لفترة تربو على النصف قرن منذ البدء في عمليات التنقيب عن الآثار في مدينة بومبي الايطالية عام 1748م، ظلّ الفنانون الأوربّيون مفتونين بمظاهر الحياة الرومانية والإغريقية. وقد رسم غودوورد لوحات عديدة مثل هذه عن نساء ذوات جمال مثالي في بيئات هادئة ومنعزلة. ومن الواضح انه اختار في هذه اللوحة أن يرسم المرأة المستلقية بطريقة مغرية فألبسها ثيابا شفّافة تكشف عن أجزاء مثيرة من جسدها. غير أن هناك شيئا لا يمكن لمسه في هؤلاء النساء. إنهنّ لا ينظرن إلى المتلقي ولا يبادلنه أيّ اهتمام ويبدين غير راغبات في أيّ اتصال شخصي أو إنساني. ومثل بيئتهنّ القديمة، لهؤلاء النساء نوعية مرمرية وفخمة تشبه التماثيل الإغريقية التي تجمّدت في الزمن.

اُعتبر غودوورد منبوذا من قبل عائلته الموسرة لأنه قرّر أن يشتغل بالرسم. ثم تبرّأ منه أهله بعد أن ذهب إلى روما بصحبة موديله الايطالية.
عندما كان يعيش في ايطاليا ازداد اهتمامه بالطبيعة وبالحياة الصامتة.
وبينما اتسمت لوحاته الأولى بكثرة الأزهار والأشجار فوق جدران الرخام، أصبح الآن يوظف المزيد من عناصر الطبيعة في أعماله.
"بائعة الفواكه" لوحة جميلة، وهي مختلفة بشكل واضح في اللون والأسلوب وفي تمثال الأسد الحجري الضخم المرسوم في أعلاها. أحيانا، كان غودوورد يضع موديلاته من النساء إلى جانب التمثال في محاولة لخلق توازن بين شخصياته الفخمة. وفي هذه اللوحة استنسخ أحد الأسود المصرية القديمة المصنوعة من الغرانيت والموجودة اليوم في متحف الفاتيكان. ويُحتمل انه رأى هذه التماثيل الرائعة في ايطاليا أثناء إقامته هناك والتي امتدّت سبع سنوات. لكنه في اللوحة أدخل بعض التعديلات على التمثال، فحوّل الغرانيت إلى رخام كما استبعد منه النقوش الهيروغليفية.
ازدادت متاعب غودوورد جرّاء إصابته بالقرحة المعوية والأرق والاكتئاب.
وعندما عاد إلى بريطانيا كان الفنّ فيها قد أصبح غريبا وعدائيا. وثمّة احتمال انه بدأ يحسّ بأن نوعية فنّه أصبحت مترهّلة إلى حدّ ما، بالرغم من انه يصعب تأكيد هذه الفرضية.
كان غودوورد يدرك محنته. فوضعه كان غير مستقرّ وكان واقعا بين مطرقة الألم وسندان الرفض.
وبدلا من الاستمرار في إحساسه بالتعاسة وعدم قدرته على الرسم، أقدم على الانتحار في الثالث من ديسمبر عام 1922م.
كان غودوورد ضحيّة شخصيّته المتفرّدة، وكان يدرك انه غير قادر على أن يشقّ طريقه في عالم مُعادٍ. فقررّ أن ينهي كلّ شيء على طريقته الخاصّة.
قتل غودوورد نفسه وهو في سنّ الحادية والستين. وكانت أسرته قبل ذلك قد نبذته بسبب اشتغاله بالفنّ، ثم أحسّت بالعار من انتحاره فأحرقت كافّة أوراقه وصوره. والمؤسف انه لا توجد اليوم أيّ صور فوتوغرافية له. "مترجَم"

Tuesday, October 06, 2009

رسم هنغاري


لا يختلف الفنّ الهنغاري عن الفنّ في بقية أنحاء أوربا. فقد تأثّر الرسّامون المجريّون بالاتجاهات والمدارس الفنّية العديدة التي سلكها نظرائهم الرسّامون الأوربّيون من كلاسيكية وواقعية وانطباعية وتجريدية وتعبيرية.. إلى آخره.
ورغم وفرة الأعمال الفنّية والرسّامين الموهوبين، ظلّ الرسم الهنغاري حبيس بيئته المحلية إلى حدّ ما ولم يشتهر كثيرا خارج حدود هذا البلد التي كانت عرضة للتغيير المستمرّ نتيجة الصراعات السياسية والعسكرية التي شهدتها منطقة شرق أوربّا طوال القرنين الماضيين.
وقائمة الرسّامين الهنغاريين المتميّزين منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين ممن اشتهروا داخل وخارج بلدهم تتضمّن أسماء مثل داك ايبنر لايوش، بيلا كادار، بور بيرتالان، يوجيف ريبل روناي، تيفادار تشونتفاري كوستكا، ميهاي مونكاتشي، غيولا بانتسور، بال شيناي ميرس وراينهارت استيفان.