:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, May 20, 2011

أغاني الحبّ والحرب

غالبية الكتابات التي ظهرت عن أفغانستان خلال العقود الثلاثة الأخيرة هي إمّا عن تاريخ ذلك البلد أو عن حركة طالبان أو عن الإسلام كثقافة. غير أن هذا الكتاب مختلف من حيث انه يحاول رسم صورة عن حياة وواقع النساء في أفغانستان.
عنوان الكتاب "أغاني الحبّ والحرب: شعر النساء الأفغانيّات"، وفيه يورد مؤلّفه الشاعر والأكاديميّ الأفغاني سيّد بهاء الدين مجروح مجموعة من القصائد المسمّاة باللاندي، وهي أشعار ارتجلتها وغنّتها آلاف النساء الأفغانيات المجهولات على مرّ قرون. وهذه القصائد ذات بنية بسيطة وتستخدم لغة سهلة ومباشرة، كما أنها تتّبع قواعد محدّدة في نظم الشعر البشتوني الشفهي.
ويمكن القول إن هذه الأشعار عبارة عن أغنيات للأرض، فهي تحتفل بالطبيعة والجبال والأنهار والفجر والضياء. لكنها بنفس الوقت أغنيات عن الحرب والشرف والعار والحبّ والجمال والصراع والمنفى والموت. أشعار نساء البشتون ظلّت تقال وتتوارث عبر الأجيال. نساء القرى كنّ يرتجلن هذه القصائد وهنّ يردن ينابيع الماء أو يمارسن الرقص والغناء في حفلات الزفاف، وكأن هذه الأشعار صدى لذاكرتهنّ الجماعية.
وما فعله المؤلّف هو انه جمع هذه القصائد من أفواه النساء في وديان وجبال أفغانستان وفي مخيّمات اللجوء في باكستان وغيرها من الأماكن. وبنشره هذه القصائد في كتاب، يكون المؤلّف قد أعطى صوتا لآلاف النساء المجهولات وسمح للقارئ بالدخول إلى أعماق قلب وعقل المرأة الأفغانية.
ومن الواضح أن هذه الأشعار لا تمجّد الحبّ الصوفي. كما أنها لا تعبّر عن أيّ تطلّع من أي نوع إلى السماء أو التفاني في حبّ الإله أو الثناء على السيّد المطلق. لكنّ فيها براعة وعمقا ومأساوية وقسوة في بعض الأحيان. وربّما بسبب هذه القسوة الموجعة والنفَس الصادق، أصبحت هذه القصائد مفهومة ومعروفة عالميّا.
في الفصل الأوّل من الكتاب، يتحدّث المؤلّف عن التشكيل العشائري لمجتمع البشتون الذي يدار بالكامل وفقا للقيم الذكورية وما يُعرف بقانون الشرف. وبطبيعة الحال فإن هذا الواقع يفرض بيئة قاسية يصعب على النساء تحمّلها.
ويشير المؤلّف إلى أن الحبّ في مجتمع البشتون يُعتبر من التابوهات أو المحرّمات. فالشباب من الجنسين لا يمكن أن يروا ولا أن يحبّوا أو يختاروا بعضهم بعضا. والزواج في كلّ الأحوال تقرّره وترتّبه سلطة العشيرة. أحيانا يُختار للمرأة صبيّ صغير أو رجل عجوز كزوج. وإذا كانت الفتاة غير محظوظة فإنها قد تقع في حبّ رجل لا يحظى بموافقة العشيرة. وعندها يصبح هذا خطئا فادحا تعاقَب عليه بالقتل أحيانا.
قمع النساء الأفغانيات وقهرهنّ معنويا تسبّب في إحداث معاناة لا توصف. الرضّع من الإناث وأمهاتهنّ يُقابلن بالازدراء والعار ويعشن حياة من التبعية والذلّ. وتمردّهن ضدّ هذه الرموز القبلية وضد الظلم والتهميش وإساءة الكرامة لا يأتي إلا من خلال الانتحار أو نظم الأشعار والأغاني التي تجد فيها النساء متنفّسا للتعبير عن إحباطهنّ وسخطهنّ على مجتمع الرجال..
"انظر إلى هذا الطغيان الرهيب! انه يضربني ثم يحرّم عليّ البكاء".
"أيّها الناس القساة! تسمحون لرجل عجوز أن يقودني إلى سريره، ثمّ تسألونني لماذا أبكي وأمزّق شعري"!
"يا إلهي! مرّة أخرى تُجهِّز لي ليلة مظلمة. ومرّة أخرى ارتعش من الرأس إلى القدمين لأنه يتوجّب عليّ أن أنام على سرير أكرهه".
الشعر في هذه المجموعة ينقل غضب وألم النساء الأفغانيات وإحساسهنّ بالموت البطيء. فهنّ مقيّدات بقيم مجتمع أصوليّ ينظر إليهنّ كمواطنين من الدرجة الثانية. وهنّ منذ الولادة محكوم عليهنّ بالموت. لكن عقولهنّ ترفض القيود المفروضة من الذكور وقلوبهنّ تفيض بكلمات الحبّ والعاطفة بلا مقابل. وفي موضوع الحبّ الممنوع، لا تتردّد نساء البشتون في التعبير عن شغفهنّ بصراحة قد تبدو مرعبة أحيانا..
"فمي لك، إلتهمه ولا تخف. هو ليس مصنوعا من السكّر الذي قد يذوب".
"حبيبي يريد مني أن اقبّله بين الشجيرات الكثيفة. وأنا اقفز من فرع إلى فرع لأقدّم له فمي".
"تعال وقبّلني دون تفكير في الأخطار. ماذا يهمّ لو قتلوك! الرجال الحقيقيون يموتون دائما من اجل حبّ امرأة جميلة".
"أعطني يدك يا حبيبي ولنذهب إلى الحقول كي نتبادل الحبّ أو نسقط معا تحت ضربات الخناجر".
"إذا غفوتَ، لن تظفر سوى بالهباء. أنا منذورة للذين يسهرون عليّ الليل كلّه".
والكثير من هذه الأشعار بقدر ما هي نوع من الفاكهة المحرّمة التي أكلت منها نساء البشتون بوفرة وعن طيب خاطر، بقدر ما هي أيضا تعبير عن التحدّي والسخرية من هيمنة الذكور..
"أنا الجميلة المستلقية إلى جانبك. فمي جاهز، وذراعاي ممدودان لك، وأنت كالجبان تسمح للنوم بأن يستولي عليك".


"غداً سيشبع الجياع من عشّاقي عندما أعبر القرية بوجه حزين وبشَعْر مشرع للريح".
"في الليل، الشرفة معتمة والأسرّة كثيرة وخشخشة أساوري، يا حبيبي، تدلّك على الطريق إليّ".
"أصبحت مجنونة أكثر فأكثر. عندما أمرّ بالقرب من ضريح وليّ، أرجمه بالحجارة تكفيرا عن كلّ الأماني التي لم تتحقّق".
"أنا أحبّ. لا اخفي حبّي ولا أنكره، حتى لو اقتلعوا بالسكّين كلّ شاماتي".
وإذا كان قانون الشرف الذكوريّ يشترط طاعة وقبول الأنثى بصمت، فإن نساء البشتون في أوقات الحروب يَقلِبن بدهاء هذا الوضع لصالحهنّ من خلال التعبير عن الازدراء والمناورات الماكرة. فهنّ من يقرّرن كيف يجب أن يتصرّف الرجل وفقا لميثاق شرفه الخاص. فإذا عاد إلى البيت مضروبا في معركة أو مهانا بسبب نزاع، فإنه حتما سيقابَل بالاحتقار والسخرية المتغطرسة من قبل كلّ نساء القرية.
والمرأة هي التي تنصح الرجل بأن يتصرّف كبطل في الحرب. فإذا عاد من ميدان المعركة بجرح في ظهره وليس في صدره، فإن حياته عندئذ لن تكون جديرة بأن تُعاش..
"في المعركة اليوم، أدار حبيبي ظهره للعدوّ. أشعر الآن بالخجل بعد أن كنت قبّلته الليلة الماضية".
"يا حبيبي! إن أدرت ظهرك للعدوّ، فلا تأت إلى البيت مرّة أخرى! إذهب وابحث لك عن ملجأ في أرض بعيدة".
"إذهب أوّلا، يا حبيبي، لتنتقم لدماء الشهداء، وبعدها تستحقّ أن تأوي إلى نهدي".
"إن لم يكن هناك جرح في وسط صدرك فسأظلّ غير مكترثة، حتى لو كان ظهرك مليئا بالثقوب مثل منخل".
"إذا كنت ترتجف بين ذراعيّ هكذا، فماذا أنت فاعل غدا عندما تطلق قعقعة السيوف ألف ومضة"!
"أيّتها الأرض! إن ضريبتك باهظة جدّا. تلتهمين الشباب وتتركين الأسرّة فارغة".
إحدى السمات اللافتة في هذه القصائد هو انه لا يتعيّن عليك أن تكون على دراية بالتاريخ السياسيّ المضطرب لأفغانستان ولا بمعاناة الشعب الأفغاني لتقدّر جمال القصائد. كما لا يُفترض أن تكون على علم بكيفية معاملة النساء أو بمعنى فقدان البيت والوطن لتفهم الأشعار وتتعاطف مع الحزن الذي تختزنه.
ومن خلال مواضيع الحبّ والحرب والموت والشرف والتحدّي وحبّ الوطن، فإن ما يتردّد صداه في قصائد نساء البشتون هو قوّة الشخصية والقدرة على التحمّل وروح الكفاح من أجل البقاء.
بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، ونتيجة للمذابح المروّعة والرعب والدمار الذي أعقب ذلك، اخذ شعر اللاندي منحى أكثر مأساوية. أصبحت التعبيرات موجعة أكثر ولا سيّما في موضوع المنفى والفقد وحبّ الوطن..
"العيش على أرض المنفى هذه يدمّر قلبي. أدعو الله أن يعيدني إلى سفح جبلي الشاهق".
"يا الله! لا تدَعْ أيّ امرأة تموت في المنفى! ستلفظ أنفاسها الأخيرة دون أن تتذكّر اسمك لأنها لا تفكّر سوى في وطنها".
كان سيّد بهاء الدين مجروح شاعرا مشى في طريق التصوّف والفلسفة وكان يعتبر نفسه وريثا للروميّ وعمر الخيّام. لكنه بنفس الوقت كان محاربا شجاعا قاتل من أجل استقلال أفغانستان وتأمين مستقبل لشعبها تُحترم فيه الحقوق والحرّيات.
وقد حصل المؤلّف على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة مونبلييه الفرنسية، ثم عمل معيدا في كليّة الآداب في جامعة كابول. وبعد الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1978، ذهب إلى المنفى في بيشاور حيث أسّس المركز الأفغاني للمعلومات. وقد اغتيل مجروح في منزله في بيشاور على يد إرهابيين تابعين لجماعة طالبان في 11 فبراير 1988م.

Credits
poetryfoundation.org
muftah.org

Wednesday, May 18, 2011

الأرض ومستقبل الإنسان

تذكّرت وأنا اقرأ تنبّؤات بعض العلماء بشأن مستقبل البشر على الأرض بعض أفلام الخيال العلمي التي تتحدّث عن أشكال غريبة من المخلوقات التي تذهب بعض النظريات إلى أنها ستستوطن الأرض بعد ملايين السنين، أي بعد أن يكون البشر بملامحهم وخصائصهم التي نعرفها اليوم قد انقرضوا نهائيا من على ظهر هذا الكوكب.
والحقيقة انه أحيانا يصعب رسم خط فاصل بين ما تقول به أفلام وروايات الخيال العلمي الشاطحة وبين تنبّؤات فئة من العلماء يصفون أنفسهم بعلماء المستقبليات حول طبيعة الحياة على الأرض بعد ملايين، وربّما بلايين السنين من الآن.
علماء المستقبليات يقولون إنهم يعتمدون في تنبّؤاتهم عن مستقبل الأرض على معلومات تتناول معطيات الفيزياء وقوانين الثيرمودايناميكس والتغييرات المناخية وتسارع التكنولوجيا وتطوّر البشر عبر ملايين السنين.
بعض العلماء يقولون إن شمس كوكب الأرض تكوّنت قبل أكثر من أربعة بلايين عام. وبناءً على بعض التقديرات، يُتوقّع أن تعيش الشمس ستّة بلايين عام إضافية قبل أن تستنفد وقودها نهائيا.
ويضيف أولئك العلماء إنه بحلول ذلك الوقت لن يكون هناك بشر كي يشهدوا موت الشمس، بل مخلوقات من نوع مختلف كمثل اختلاف البشر اليوم عن فصيلة الحشرات.
استكشاف المستقبل كان حتى وقت قريب مهمّة مقتصرة على رجال الدين. لكن تفكيرهم محدود زمانيا ومكانيا. وأقصى ما يمكنهم التنبّؤ به هو صعود الامبراطوريات وانهيارها، بالإضافة إلى القصص المتواترة عن "قيامة دينية" قد تقع ضمن فترات لا تتجاوز ألف عام.
أسلافنا من البشر الذين عاشوا قبل آلاف السنين على هذه الأرض لم يكن بمقدورهم أن يتنبّئوا بما سيكون عليه المستقبل، وبالتأكيد لم يكونوا يدركون بأن المستقبل سيكون مختلفا. فالحياة في تلك الأزمنة كانت بسيطة. كان الإنسان يولد ويموت في نفس البيئة وفي نفس الظروف. ولم تكن الكتابة قد اكتُشفت بعد، وبالتالي لم يكن هناك تاريخ مدوّن.
علماء المستقبليات، وبفضل التقدم التكنولوجي الهائل الذي أنجزه الإنسان، أصبحوا قادرين على التنبّؤ بما يخبّئه المستقبل البعيد من خلال محاولة رسم خارطة لشكل وطبيعة الحياة بعد بلايين السنين من الآن.
وأساليبهم في طلب هذه المعرفة هي مزيج من العلوم والفلسفة. أما افتراضاتهم التي يبنون عليها نظرياتهم فتستند إلى تطوّر كوكب الأرض والنظام الشمسي اللذين سيكونان مختلفين خلال الخمسين مليون سنة القادمة عمّا هما عليه الآن. ويضيف العلماء أن آلاف أو ملايين السنين من نشاط البشر على الأرض لا بدّ وأن يترك تغييرا على شكل الحياة على الكوكب.
غير أن العلماء ينظرون للماضي كمادّة للدراسة الموضوعية أكثر من كونه مجرّد فضاء للتأمّل الصامت أو الخيال العلمي أو الروايات الدرامية المشوّقة.
الكون، كما نعرفه اليوم، نظام معقّد جدّا ومن الصعوبة بمكان الإلمام بأسراره وألغازه الكثيرة. لكن العلماء لهم رأي مختلف. فهم مثلا يرون بأن الكون عبارة عن منظومة بسيطة نسبيا إذا ما قورن بنظام مشوّش مثل جسم الإنسان. وبالتالي فإن التكهّن بما سيحمله المستقبل هو مهمّة مجدية وممكنة معا.
بعض علماء الفلك يقولون إن احتراق كافّة النجوم التي يحتويها الكون ربّما يحتاج لألف مليون عام من الآن، وأن تبخّر آخر ثقب اسود في الكون يحتاج لعدد مهول من السنوات ربّما يزيد على عشرة أضعاف الرقم السابق.
العلم الحديث يستبعد النظرية القديمة القائلة بأن البشر يمثّلون ذروة تطوّر الحياة على الأرض. وهناك استشهاد بمقولة داروين الذي توقّع أن لا يحافظ أيّ نوع من المخلوقات على حالته أو شكله في المستقبل البعيد. ويذهب بعض العلماء إلى أن أهمّ تحوّل في أنواع الحياة لن يكون بيولوجيّاً، وأن التطوّر في المستقبل لن يحدّده الانتخاب الطبيعي كما كان يرى داروين بل التكنولوجيا، لأن قوّة الكمبيوتر تسارعت لدرجة انه يصعب اليوم تصوّر حدّ فاصل بين الإنسان والحاسب الآلي.
لقد تجاوز العلم اليوم خطوطا لم يكن بمقدور احد أن يتخيّلها من قبل. ومن الواضح أن العلم لم يعد يكتفي بمجرّد محاكاة نظم وقوانين الطبيعة، بل تخطّاها وأوجد ظروفا وأحوالا لم تُرَ أبدا من قبل على وجه الأرض. إذ يستطيع العلم اليوم تبريد الموادّ إلى جزء من الصفر المطلق، أي أبرد عدّة مرّات من أبرد مكان في هذا الكون. كما أن تجارب الشيفرة الوراثية من شأنها أن توجد كائنات غير معروفة على هذا الكوكب.
وما يشغل العلماء والمفكّرين الآن هو التأكّد ممّا إذا كان مقدّرا للبشر أن يروا ما سيحمله المستقبل البعيد. فالأنواع التي وُجدت على الأرض منذ نشأتها الأولى لم يعد موجودا منها الآن سوى واحد بالمائة فقط. وقد تصادف أننا، أي البشر، احد تلك الأنواع. ويضيف العلماء أن حاضر الإنسان هو أكثر خطرا من ماضيه بعدد من المرّات. بل إن 50 بالمائة من العلماء يتوقّعون احتمال انقراض البشر ويشيرون إلى أن التهديدات الكبيرة التي تحدق ببقاء الإنسان خلال المائة عام القادمة قد تكون خطرة جدّا على البشرية. والتهديدات تتضمّن خطر الإبادة النووية والفيروسات والبكتيريا، سواءً كانت طبيعية أو من صنع البشر.
الخطر الوجودي الذي يتهدّد البشر بالانقراض جرّاء حرب نووية أو فيروس قاتل هو ما يدفع العلماء إلى تصوّر تكنولوجيا قادرة على أن تحرّر البشر من النواحي الضعيفة في طبيعتهم وتحافظ على بقاء الإنسان حيّا ومزدهرا وتجعله أكثر قدرة على البقاء والاستمرار.
ويحدو العلماء أمل بأن ينجح علماء الأعصاب في التحكّم بالدماغ بحيث يمكن للإنسان تحقيق حالات من السعادة والأخلاق المطوّرة من اجل مجتمعات اقلّ هشاشة واقلّ عنفا. كما يتطلّعون إلى اليوم الذي تتوفّر فيه آلات فائقة الذكاء تحقّق استعمار الفضاء وتسهّل على الإنسان العيش على الأرض لبلايين السنين القادمة. ومثل هذا السيناريو يعدّ أفضل بكثير من تخيّل كائنات ما بعد البشر وهي تجلس عاجزة وتكتفي بمراقبة الشمس بينما يأخذ وقودها بالنفاد.
لكنّ سيناريو البقاء الأكثر إثارة للخوف والقلق يتضمّن، ليس موت الجسد فحسب، وإنما الموت الأخلاقي أيضا. فالتكنولوجيا التي قد تحرّر البشر من خطر الانقراض قد تحمل معها خطر تحويلهم إلى مخلوقات مجرّدة من طبيعتها الإنسانية. يقول العلماء: إن قيمة البشر لا تكمن في جوهرهم الفيزيائي وإنما في كونهم كائنات تشعر وتفكّر وتقيم علاقات مع الآخرين وتستمتع بالأدب والفنّ والموسيقى والشعر.. إلى آخره. ويضيفون: إن مرحلة ما بعد البشر قد تنتج مخلوقات ذات كفاءة عالية، لكنها بلا روح وتخلو من مشاعر الصداقة والإبداع الفنّي التي تستحقّ أن يعيش بها ومن اجلها الإنسان عندما كان إنسانا فقط.
التوقّعات كثيرة وكلّنا نمارسها. لكن الإنسان بشكل عام يعرف عادة عن الماضي أكثر مما يعرف عن المستقبل. بل حتى الماضي لا يعرف عنه إنسان اليوم سوى النزر اليسير. وما يقوله العلماء عن المستقبل يبقى في النهاية مجرّد تكهّنات قد تصدق وقد تخيب. كما أن هذه التوقّعات تطرح من الأسئلة أكثر ممّا تقدّمه من إجابات، لأن المستقبل مرهون بإرادة الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض وهو على كلّ شيء قدير.

Tuesday, May 17, 2011

مِيرو: الرسّام الشاعر

ابتسم الحظّ في الكثير من الأحيان للرسّام الاسباني خوان ميرو (1893- 1983م). كانت لديه الموهبة والخيال والبراعة والاتصالات الرائعة.
في أوّل زيارة له إلى باريس عام 1919، غادر الرسّام الشاب برشلونة مع "رسالة تقديم" إلى بابلو بيكاسو كانت عبارة عن كعكة خبزتها أمّه. ترى أيّ شيء يمكن أن يكون ضامنا لترحاب حارّ أكثر من مثل هذه الهديّة؟
في العام التالي، عندما استقرّ ميرو في باريس، استخدام محترفا تصادف أن كان بجوار السوريالي الكاريزماتي أندريه ماسون.
وبدا أن ماسون كان يعرف كلّ شخص. وقام بسخاء بضمّ جاره الجديد إلى دائرته الخاصّة من الأصدقاء.
في تلك الأيّام، كان ميرو يعاني من الإفلاس لدرجة انه كان يعتاش على البقوليات. لكن من نواح أخرى، كان الرجل محظوظا. وفي عام 1923، عندما كان في الثلاثين من عمره، كتب إلى صديق يقول: يجب علينا استكشاف جميع الشرارات الذهبية في أرواحنا". وفي ذلك الوقت كان يتوهّج مثل عرض للألعاب النارية.
وعندما زار بيكاسو محترفه أعلن: أنت من سيفتح للناس بابا جديدا من بعدي".
وكان خوان ميرو أوّل فنّان يقام له معرض منفرد في باريس عام 1925م. وقد افتُتح المعرض في منتصف الليل. وسرعان ما أصبح أسطوريا، سواءً بالنسبة للوحات المعروضة أو لقائمة الضيوف التي شملت الشاعر بول فاليري والرسّام السوريالي أندريه بريتون.
واستمرّ ميرو يعمل حتى وفاته. وفي ذلك الوقت كان قد حاز شهرة عالمية. اللوحات والمنحوتات والأعمال على الورق التي أنجزها خلال حياته الفنّية عُرضت مؤخّرا في معرض تحت عنوان "سُلّم الهروب" نظّمه غاليري تيت للفنّ الحديث في لندن. وكان المعرض تذكيرا بموهبة ميرو العظيمة وبرؤيته المتفرّدة التي عثر عليها في وقت مبكّر وأمسك بها جيّدا.
أوّل غرفة من بين ثلاث عشرة من غرف المعرض ضمّت بعض أقدم أعمال الرسّام، وأشهرها لوحته الحقل التي رسمها عام 1922م. الروائي الأمريكي ارنست همنغواي كان قد اشترى هذه اللوحة وأهداها لزوجته الأولى هادلي. وبعد موته منحتها زوجته الرابعة والأخيرة ميري للناشيونال غاليري بـ واشنطن.
وأينما وقعت عيناك في هذه اللوحة الاستثنائية والقلقة والكثيرة التفاصيل، هناك شيء ما يشدّك إليها؛ شيء ما خيالي وغريب.
الشجرة الضخمة في الوسط تبدو جرداء من مسافة بعيدة. وعندما تقترب منها تبدو لك بأغصانها الخضراء المتجعّدة مثل باقات ريشية من الزهور. وفي الحديقة، خارج حظيرة الدجاج، هناك ماعز يقف على صندوق خشبي كما لو انه تمثال موضوع فوق قاعدة.
ثم بعد ذلك مباشرة، تأتي الصدمة في رؤية ميرو التي يلخّص فيها عالمه اليقظ الذي تشكّل من الأحلام والأساطير التي تربّى على سماعها منذ الصغر.
الحقل المحروث لوحة أخرى تصوّر أذنا كبيرة تبرز من جذع شجرة وكلبا يبدو جزء منه على هيئة شجرة صبّار. وهناك أيضا في اللوحة صندوق يحتوي على أقلام رصاص وسمكة محاطة بأرانب وديك كبير احمر اللون وحلزون ليلكي.
رسّامو وولت ديزني ربّما كانت مثل هذه اللوحات مصدر إلهام لهم. وفي هذا المعرض، ثمّة إشارات إلى مصادر تأثّر الرسّام. أحد المناظر الطبيعية يتضمّن أكثر من نفحة من فان غوخ.
غير أن هناك العديد من الأعمال التي تُظهر تأثير ميرو الواضح على فنّانين مثل الكسندر كالدر وأرشيل غوركي، خاصّة سلسلة اللوحات المسمّاة رأس فلاح كاتالوني ، على سبيل المثال.
في فترة تالية من حياته، وبعد أن حقّق نجاحا عالميا، قام خوان ميرو بأوّل زيارة له إلى نيويورك في العام 1947م. ومع أن بريقه السحري لم يكن قد تلاشى بعد، إلا انه بدا متأثّرا بأعمال رسّامين أمريكيين مثل روثكو وبولوك.
لوحات ميرو المحروقة، وهي بالفعل كذلك، أنجزها في وقت متأخّر جدّا من حياته. وقد أشاد بها البعض، لكنها بدت لآخرين أشبه ما تكون بجهود يائسة لرجل مسنّ يحاول مجاراة الرسّامين الشباب.
كان خوان ميرو وطنيا كاتالونيا وكان ضدّ الفاشيّة. كما كان جمهوريا قبل وأثناء فترة حكم فرانكو. ومجموعة أعماله يمكن اعتبارها تعبيرا عن استجاباته المتحوّلة للأحداث السياسية في عصره. وهذه الفترة تشمل فترة الحربين العالميتين والحرب الأهلية الإسبانية.
بيير ماتيس تاجر من نيويورك كان قد تعامل مع فنّ خوان ميرو لفترة طويلة. وذات يوم طلب من ميرو أن يشرح له لوحة وجدها غامضة. وقد نصحه ميرو بأن ينسى التفسيرات والشروح، لأن "العمل الذي يمكن تفسيره هو عمل ولد ميّتا ومقدّر له أن يختفي في وقت قصير".
وأفضل ما أنجزه خوان ميرو، وهو كثير، ما يزال حيّا إلى اليوم. وفي لوحاته قدر كبير من الإثارة والحيوية كما لو أنها رُسمت هذه الأيام. "مترجم".