:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, December 04, 2010

بيرنيني: عندما ينطق الحجَر

من يستطيع النظر إلى تمثال جيان لورنزو بيرنيني نشوة القدّيسة تيريزا (1644-1647) بعينين بريئتين؟
منذ بضع سنوات، وفي ظهيرة يوم قائظ من أيّام روما، جاءت ثلاث راهبات إلى كنيسة ديلا سانتا ماريا فيتوريا المظلمة. وكنت جالسا في إحدى المقصورات المواجهة أفكّر بانتشاء في ما كنت أراه. ومن وقت لآخر، كانت قطع عملات معدنية توضع داخل خانة الدفع مقابل الإنارة.
وعندما أتى الضوء، ظهر اغرب منظر فنّي يمكن للمرء أن يراه. رأس القدّيسة مائل إلى الخلف. فمها، الشفة العلوية مشدودة إلى الوراء، العينان نصف مغلقتين، والكتفان مشدودان إلى الأمام في حالة نكوص وشغف. وإلى جانبها، يقف ملاك صغير يكشف عن صدرها برفق وهو يبتسم قبل أن يمرّر سهمه إلى قلبها.
بقيت الراهبات لمدّة عشر دقائق، ساكنات ومتذلّلات، قبل أن يغادرن. وجلست الراهبة الثالثة في مقصورة أخرى وهي تخفض رأسها في صلاة طويلة. ومن وقت لآخر كنت استرق النظر باتجاهها وأنا أحاول التفكير فيمَ عساها تفكّر وكيف تشعر.
تمثال بيرنيني عبارة عن مشهد يقع على الحدّ الفاصل بين الغموض المقدّس والصورة الفاحشة. وقد سعى الخبراء طويلا كي يقنعونا بأن ما نراه قد لا يكون لحظة من لحظات الاستسلام الحسّي. ويصرّ المفسّرون على أن لا علاقة للمنظر بالتاريخ على الإطلاق. وبناءً عليه، لا يجب أن يتخيّل احد أن المهندس المعماري للبابا يمكن أن يفكّر في تمثيل السموّ الصوفيّ لقدّيسة كلحظة من لحظات النشوة المتشنّجة.
المفارقة في الأمر هي أن التمثال لا يصوّر عملية اتحاد الجسد والروح التي كانت هاجسا للكثير من الشعراء والكتاب في القرن السابع عشر. انه عبارة عن فصل محكم بين التجربة الحسّية والروحية. وزمن بيرنيني، كانت النشوة مفهومة ومجرّبة ولا يمكن تجزئتها حسّيا.
لكن بعد قرن من انجاز هذه المعجزة الفنّية المشحونة عاطفيا، مرّ بـ روما ثريّ فرنسي ومتذوّق للفنّ يُدعى دي بروسي وألقى نظرة واحدة على تمثال القدّيسة. ثم أبدى ملاحظة أصبحت مشهورة لسخريّتها المتكلّفة عندما قال: حسنا، إذا كان هذا هو الحبّ الإلهي فأنا أعرف عنه كلّ شيء".
قبل بيرنيني، كان الشغل الشاغل للنحت هو تصوير الخلود. وعندما ينظر النحّاتون الحديثون إلى العصور القديمة ويتعلّمون منها، فإن ما يرونه هو محاولة لتحويل الإنسان القابل للفناء إلى شيء ما أكثر نقاءً ودواما، أي إلى إله أو بطل.
المهمّة التي اختارها ميكيل أنجيلو لنفسه كانت أن يُخرج من الرخام تلك النماذج المثالية المحبوسة بداخله. لذا فإن القوّة البطولية لتمثاله "ديفيد" (1504) تكمن بالتحديد في جموده اللا إنساني. لم يكن ميكيل أنجيلو مهتمّا كثيرا بجعل الهيئات متشابهة والوجوه متماثلة بشكل مبتذل. كان شغفه الكبير يتمثّل في تقريب البشر من هيئة الآلهة.
بيرنيني، من جهته، كان هاجسه حركة الشخصيّات كما تعبّر عنها هيئات الأجساد والوجوه في منحوتاته. شخصيّاته التمثالية تتحرّر من الجاذبية ومن اسر قاعدة التمثال كي تتطوّر وتصرخ وتتلوّى وتتنفّس وترشق أنفسها بالسهام في نوبات من المشاعر القويّة والمحمومة.


استطاع بيرنيني أن يطوّع الرخام ليفعل أشياء لم يكن بمقدور احد أن يفعلها من قبل. معظم منحوتاته غير ناضجة بشكل طبيعي. وهي ترتفع دائما وتتجّه نحو الهواء والضوء.
وكثيرا ما توصف أعماله بأنها ضرب من السحر. وهذا على وجه التحديد هو السبب في تعرّضه للهجوم بعد وفاته من العديد من الفنّانين. الفنّان البريطاني السير جوشوا رينولدز انتقد بيرنيني لكونه "ساحرا رخيصا ومتخصّصا في الخدع المسرحية، ولأنه فضّل إدهاش المتديّنين على حساب نقاء الموادّ التي كان يوظّفها في أعماله".
وإحدى المؤاخذات الأخرى عليه هي أن منحوتاته ذات حمولة عاطفية مفرطة، وانه بإسرافه في محاكاة أسطح ونسيج موادّ أخرى كالصلب والفراء والجلد إنما خان سلامة ونقاء الحجر وابتعد عن سموّ الرخام وجرّ معه الناظر إلى الأرض.
وحسب الكاتب الايطالي المعاصر فيليبو بالدينوتشي، فإن بيرنيني كان يتباهى بأن الرخام في يديه يتحوّل ليأخذ شكل الشمع اللدن أو العجين الناعم.
رخام بيرنيني يبدو انه فعلا يتحوّل إلى موادّ أخرى كالحبال الليفية والفولاذ اللامع وخصلات الشعر. ومن خلال فهمه لتأثيرات الضوء والظلّ، عرف كيف يُظهر الأسطح المصقولة للغاية وكيف يجعل الجلد يبدو وكأنه يتصبّب عرقا.
كلّ هذا جعل منه خبيرا مسرحيا استثنائيا، تماما مثلما لعبت موهبته كرسّام دورا مهمّا في إضفاء الألوان الحيّة والبديعة على شخصيّاته الحجرية.
حياة بيرنيني الشخصية كانت مليئة بالحركة والضجيج والعاطفة المتأجّجة، مثلما هي منحوتاته. كان على علاقة بامرأة تُدعى كوستانزا بوناريللي. وكانت المرأة زوجة لمساعده. وهي نفس المرأة التي نحت لها تمثالا نصفيّا يعتبره النقّاد من أفضل أعماله.
كان بيرنيني يتّسم بمزاج حادّ وثائر. وفي احد الأيّام جاءه شخص وهمس في أذنه بأن خليلته كوستانزا تنام مع شخص آخر. ولم يكن ذلك الشخص سوى شقيقه الأصغر لويجي. في ذلك المساء وعلى مائدة العائلة، أعلن بيرنيني انه سيذهب إلى الريف لانجاز بعض الأعمال. لكنه بدلا من ذلك، ذهب إلى منزل كوستانزا ورأى شقيقه يخرج منه بينما كانت المرأة ترتدي فستان النوم. وأثناء المعركة العنيفة التي تلت ذلك حاول بيرنيني قتل شقيقه باستخدام قضيب معدني ونجح في كسر اثنين من أضلاعه.
وفي البيت حاول مرّة أخرى أن يقتل شقيقه بسيفه. وعندما هرب الأخير ليلوذ بإحدى الكنائس، تُرك بيرنيني لوحده وهو يركل باب البيت بغضب.
لكن بيرنيني لم يكن قد استنفد غضبه بعد. فقد أرسل احد خدمه إلى بيت كوستانزا ووجدها في السرير. وبناءً على أوامر سيّده قام الخادم بتمزيق وجهها بشيفرة حلاقة. وقد قُبض على الخادم وأودع السجن، بينما وجّهت إلى المرأة تهمة الزنا وحُكم عليها بالسجن.
وفي ما بعد نُفي لويجي إلى بولونيا خوفا على سلامته، بينما عُنّف بيرنيني وغُرّم.
بعد انفضاح أمر العلاقة بين بيرنيني وكوستانزا، نصحه صديقه وراعيه البابا اوربان الثامن بأن يتخذ له زوجة مخافة أن يؤدّي الأمر إلى قتل أيّ من الرجلين.
وبعد أشهر تزوّج بيرنيني من كاتيرينا تيزيو التي اشتهرت بكونها أجمل امرأة في روما. ويبدو انه كان سعيدا بذلك الزواج وأنجب منها احد عشر طفلا.
كلّ ما كان في ذخيرة بيرنيني استُدعي لإبداع تمثال القدّيسة المتصوّفة، ذلك الصهر الجميل والمتكامل من كلّ الفنون: اللون، الحركة، الضوء، والإحساس بالموسيقى.
وقد قيل إن بيرنيني كان يتردّد طوال حياته على مبنى الكنيسة حيث التمثال. كان بإمكان أيّ شخص أن يراه هناك وهو راكع في صلاة طويلة أمام ما كان يسمّيه "اقلّ الأشياء التي أنجزها سوءا".
البعض منّا قد يجد صعوبة في الصلاة عند ما يرى تلك المرأة وهي تشتعل من فرط النشوة. لكننا مع ذلك نحدّق فيها كما لا نحدّق في أيّ تمثال آخر.
ولعلّ قوّة السحر تأتي من إدراكنا أن بيرنيني استخدم قوّة الفنّ لإنجاز أصعب الأشياء في العالم، أي تصوير ما لا يمكن تصويره.
- عن كتاب "قوّة الفنّ" لـ سايمون شاما "مترجم بتصرّف"