:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, March 30, 2013

شكسبير في الرسم

المسرحيات الخالدة لـ وليام شكسبير (1564-1616) وجدت طريقها إلى السينما والموسيقى وألهمت رسّامين كثيرين بشخصيّاتها الحيّة وحبكاتها التي لا تُنسى.
الشخصيّة الرئيسيّة في مسرحية "اوتيللو" محارب مغربيّ تقوده شكوكه إلى الاعتقاد بأن زوجته ديدمونا تخونه. صديقه ومستشاره اياغو يحاول بمكر إقناعه بأن شكوكه في مكانها وأن زوجته غير مخلصة له. هنا تسيطر الغيرة على اوتيللو ويقرّر قتل زوجته فيخنقها بوسادة وهي في سريرها. المأساة الأكبر تحدث عندما يكتشف اوتيللو أن ديدمونا بريئة. وفي نهاية المطاف، وتحت تأثير شعوره بالذنب والندم، يُقدِم على الانتحار.
الليلة المشئومة والأخيرة لـ اوتيللو وزوجته صوّرها رسّامون مثل وليام باول وأدولف وايز. الرسّام الرومانسي الفرنسيّ أوجين ديلاكروا تناول هو أيضا هذه القصّة في لوحة رسمها عام 1847م. ديلاكروا رسم غرفة نوم ديدمونا بلون احمر فاقع، وهو لون العاطفة والغضب. اوتيللو يدخل الغرفة غاضبا وحاملا بيده مصباحا، بينما تنام ديدمونا قريرة العين. رسم ديلاكروا هذه اللوحة بعد أن شاهد اوبرا اوتيللو للمؤلّف الموسيقي الايطالي غيوتشينو روسيني، والمستوحاة من المسرحية الأصلية.
مسرحية شكسبير "روميو وجولييت" منحت العالم حكاية أشهر عاشقين منكوبين في التاريخ وجدا نفسيهما مسجونَين داخل شبكة من العائلات المتناحرة حيث لا مكان سوى للخناجر والسموم.
الفنّان البريطاني فورد مادوكس براون رسم عام 1870 لوحة تصوّر موعدا في الشرفة بين العاشقين روميو وجولييت.
زميله الإنجليزي الكلاسيكي فريدريك ليتون اختار أن يصوّر المشهد الختاميّ للمسرحية، فرسم لوحة بعنوان المصالحة بين عائلتي مونتاغيو وكابيوليت. في اللوحة تظهر الروحان الهامدتان وهما تحتضنان بعضهما البعض إلى الأبد، بينما أسرتاهما اللتان أدركتا بعد فوات الأوان حماقة قتالهما تتفقان أخيرا على هدنة. ليتون يوحّد العاشقين بطريقة جميلة من خلال الخطوط الطويلة والفضفاضة. زعماء العائلتين يتصافحون أمام خلفية غامضة، بينما يخيّم الوجوم على الأقارب الآخرين حزنا على الموت العبثيّ للشابّ والفتاة.
مسرحية "الملك لير" تحكي قصّة حاكم انجليزي قديم وبناته الثلاث. اثنتان منهنّ متآمرتان ومخادعتان، بينما الأخرى صادقة ومُحبّة. ومن خلال بناء شكسبير المثير والمحكم، يتمّ إقناع الملك لير بأن ينفي كورديليا الابنة التي تحبّه حقّاً، ويثق في ابنتيه الشرّيرتين غونيريل وريغن.
الفنّانون كثيرا ما رسموا مشهد إصابة الملك لير بحالة من الجنون ترمز إليها عاصفة. ومن بين هؤلاء جورج رومني وجون رونسيمان. لكن هناك من فضّل أن يرسم كورديليا ولير معا.
فنّان القرن التاسع عشر بول فالكونر رسم صورة مؤرّقة للملك المضطرب يظهر فيها بلحية بيضاء وقد أنهكته الحروب. والرسّام إدوين أوستن آبي رسم الابنتين المنحرفتين غونيرل وريغن جنبا إلى جنب قبل أن تتحوّل علاقتهما في نهاية المطاف، وبشكل غير مستغرب، إلى حالة من العداء. بينما رسم جيمس باري الملك وهو يحتضن بحرقة جسد كورديليا الميّت.
الليدي ماكبث وأوفيليا هما شخصيّتان رئيسيّتان في مسرحية "هاملت". وقد تناولهما الرسم مرارا. أوفيليا، على وجه الخصوص، ببراءتها وقبرها المائيّ، كانت الموضوع المفضّل لفنّانين مثل جون ايفرت ميليه وجون ووترهاوس ودانتي غابرييل روزيتي والكسندر كابانيل وغيرهم.
الرسّام الرمزي الفرنسي أوديلون ريدون رسم أوفيليا مع زهورها البرّية الشهيرة، كما رسمها وقت وفاتها. وكلا اللوحتين تُمسكان بصفاتها الأثيرية وروحها المنكسرة.
ريدون رسم أيضا لوحة أخّاذة لليدي ماكبث باستخدام مجموعة من الألوان الفريدة التي تتناسب مع هذه الشخصية المختلفة جدّا. وبحكم كونها زوجة ماكبث، فإن الليدي تدفع زوجها لارتكاب جريمة قتل كي يصبح ملكا على اسكتلندا. وعلى الرغم من أنها كانت تتمتّع بقدر من السلطة، إلا أن إحساسها بالذنب، في النهاية، يصبح كبيرا بما لا يُحتمل.
لوحة ريدون عن الليدي ماكبث تميّزها بقع متوهّجة من الأحمر والبرتقالي، بينما يظهر وجهها المتجّهم وقد عَلَته آثار الشرود والتوتّر بسبب الهواجس التي تنتابها بأنها ملوّثة بالدم إلى الأبد. "مترجم".

Monday, March 25, 2013

غوته في ايطاليا

اشتهر يوهان فولفغانغ غوته (1749-1832) بمتابعاته وإسهاماته الفكرية الكبيرة في مجالات الشعر والأدب والدراما والفلسفة والعلوم. وهو معروف، خاصّة، بمسرحيتّه المأساوية "فاوست" التي تُعتبر واحدة من أعظم الأعمال الأدبية الكلاسيكية. وغوته هو الذي ابتدع مصطلح "الأدب العالميّ" بسبب افتتانه بآداب الثقافات الأخرى، مثل انجلترا وايطاليا وفرنسا واليونان وبلاد فارس والعالم العربيّ.
الأفكار التي عرضها في نصّه العلميّ المهمّ بعنوان "نظرية الألوان" كان لها ابلغ الأثر على علماء الطبيعة في القرن التاسع عشر، وخاصّة تشارلز داروين. كما كان غوته مصدر إلهام كبير في مجالات الموسيقى والشعر والفلسفة. ويُعتبر الكاتب الأكثر أهمّية في اللغة الألمانية، بالإضافة إلى كونه أحد أعظم المفكّرين في الثقافة الغربية.
في بداية شهر سبتمبر من عام 1786، أي عندما أكمل غوته عامه السابع والثلاثين، ترك وظيفته كمستشار لدوقيّة فايمار وأهمل علاقة الحبّ الأفلاطوني التي كانت تربطه بـ فراو شارلوت فون ستين، إحدى سيّدات البلاط. كان غوته شديد التعلّق بهذه المرأة وكان يكتب لها ملاحظات عاطفية كلّ يوم طوال اثني عشر عاما. ومن الواضح أنها درّبته على القواعد غير المكتوبة في البلاط وفي الحبّ. كما كان لها تأثير قويّ على أعماله.
ترك غوته جميع انشغالاته العملية والعاطفية فجأة وقرّر أن يسافر إلى ايطاليا. ومن هناك كتب العديد من الرسائل إلى عدد من أصدقائه في ألمانيا. وقد استخدم تلك الرسائل لاحقا كأساس لمادّة كتابه بعنوان "الرحلة الإيطالية" الذي نشره في الفترة ما بين عامي 1786 و1788م.
"نحن جميعا حجّاج نسعى إلى بلوغ ايطاليا". هكذا كتب غوته في إحدى قصائده بعد عامين من عودته من رحلته إلى الأرض التي طالما حلم بزيارتها. بالنسبة له، كانت إيطاليا هي الجنوب الدافئ والعاطفيّ مقابل الشمال الرطب والحذِر. وإيطاليا هي المكان الذي ما يزال فيه الماضي الكلاسيكي حيّاً من خلال الآثار والمناظر الطبيعية والألوان والأشجار والسلوكيات والمدن.
كان غوته يصف نفسه بأنه "العدوّ اللدود للكلمات المجرّدة" أو ما كان يسمّيه أيضا بـ "الأسماء الفارغة". كان بحاجة لأن يملأ الأسماء بالمعاني وأن يكتشف نفسه في الأشياء التي يراها.
وأثناء زيارته إلى إيطاليا التي دامت عشرين شهرا، كان يتطلّع لأن يلمس بنفسه ظروف وبيئة منطقة كانت وما تزال مليئة بالكثير من الأعمال الفنّية المهمّة. وبالإضافة إلى اهتمامه بدراسة الخصائص الطبيعية للبحر المتوسط، كان مهتمّا في المقام الأول ببقايا العصور الكلاسيكية القديمة وبالفنّ المعاصر.
وخلال فترة إقامته في أوسيزي، لم يزر جدارية جيوتو الشهيرة في كنيسة سان فرانشيسكو دي اوسيزي، وإنّما زار فقط كنيسة سانتا ماريا سوبرا مينيرفا، التي كانت عبارة عن معبد روماني تمّ تحويله إلى كنيسة.
وفي فيرونا، أشاد غوته، بحماس، بالتناغم والنسَب الدقيقة لمدرّج المدينة، وأكّد أن هذه هي أوّل قطعة يشاهدها من الفنّ الكلاسيكي. وفي فينيسيا، وقف على بعض الكنوز التي كان يعتبرها مهمّة لدراسته الفنّية.
في يوميّاته، يُظهر غوته اهتماما ملحوظا بجيولوجيا مناطق جنوب أوروبّا. وهو يبرهن على عمق واتساع معرفته في كل موضوع يتناوله. وكثيرا ما يصف عيّنات الصخور والمعادن التي وجدها في الجبال وعلى مصابّ الأنهار. كما يقوم بعدّة جولات مشياً على الأقدام إلى قمّة جبل فيزوف، حيث يصف الطبيعة وحمم اللافا المتدفّقة. وتَظهر براعته أيضا في حديثه عن أنواع النباتات والأزهار التي رآها، على نحو يحفّز الفكر ويثير التأمّل في نظريّاته النباتية.
وبالإضافة إلى تحقيقاته العلمية، فإن غوته يحافظ على اهتمامه وإعجابه الشديد بالفنّ. وبينما يُرجِع الفضل في نموّه الفنّي إلى كلّ من بالاديو ويوهان فينكلمان، فإنه يوسّع نطاق أفكاره عن مفاهيم الجمال الكلاسيكي وسمات العمارة الجيّدة. كما يعلّق في رسائله وبشكل دوريّ على النموّ والخيريّة اللتين زرعتهما روما بداخله.
ومن الواضح أن وفرة الأشياء الفنّية عالية الجودة التي رآها أثناء رحلته كان أمرا حاسما في تحوّلاته خلال هذين العامين اللذين قضاهما بعيدا عن مسقط رأسه في ألمانيا.

مكث غوته ثلاثة أشهر تقريبا في روما التي يصفها بأنها "أوّل مدينة في العالم". كانت روما مليئة بالآثار، لكن الكثير منها ذهب إلى غير رجعة. كان كلّ ما استطاع أن يفعله هو أن يتأمّل، في صمت، الوجود النبيل للحقب الغابرة التي انقرضت إلى الأبد.
في مايو من عام 1787، وصل غوته إلى نابولي وصقلية وزار أطلال بومبي. وقد وجد تناقضا ما بين ابتهاج نابولي ووقار روما. وكتب مقطعا عاطفيا يقول فيه: نابولي عبارة عن جنّة. الجميع يعيشون في حالة مُسكرة من نسيان الذات، بمن فيهم أنا. لقد كنت أبدو شخصا مختلفا تماما، ومن الصعب أن أتعرّف عليه. أمس قلت لنفسي: إما أنك خُلقت من قبل أو انك صُنعت الآن".
ويقول في مقطع آخر: يمكن للمرء أن يكتب أو يرسم بقدر ما يحبّ. لكن هذا المكان، الشاطئ، الخليج، فيزوف، القلاع، كلّ شيء هنا يجلّ عن الوصف. إنني لا أستطيع أن أصف لك مجد ليلةٍ وقت اكتمال القمر، عندما كنّا نتمشّى عبر الشوارع والساحات إلى منتزه كايايا "منطقة على شاطئ البحر في نابولي". كنّا نسير صعودا وهبوطا على شاطئ البحر. وكان يغمرني شعور بالفضاء اللانهائي. أن تكون قادرا على أن تحلم هكذا، فإن هذا بالتأكيد لممّا يستحقّ عناء الترحال".
أثناء إقامته في روما، التقى غوته عددا من الفنّانين الألمان، وعقد صداقات مع الرسّام يوهان هاينريش تيشباين ومع الرسّامة السويسرية المشهورة انجيليكا هوفمان.
كان يوهان تيشباين معجبا كثيرا بـ غوته. وقد أقام الأخير في غرفة الرسّام متّخذا لنفسه اسما مستعارا في محاولة للبقاء بعيدا عن أعين العامّة. ثم سافر الاثنان معا إلى نابولي ولزم كلّ منهما الآخر لبضعة أشهر. وفي وقت لاحق، انفصل الرجلان عن بعضهما البعض نظرا لتباين اهتماماتهما.
لكن قبل ذلك، رسم تيشباين لـ غوته لوحته الشهيرة بعنوان غوته في كامبانيا الرومانية التي أراد من خلالها إظهار إعجابه بالشاعر. وكامبانيا هي قرية صغيرة تابعة لمقاطعة ساليرنو في جنوب ايطاليا. وقد اخذ غوته استراحة قصيرة في هذا المكان أثناء تجواله في الريف الايطالي.
غوته في اللوحة يرتدي قبّعة رمادية واسعة وعباءة بيضاء بينما يسند ظهره على جدار حجري. وفي خلفية الصورة يظهر منظر طبيعي مع آثار رومانية قديمة. كانت هذه المنطقة مألوفة للشاعر، إذ كان قد تجوّل فيها مشيا على الأقدام بصحبة الرسّام وعاين جانبا من آثارها القديمة.
الرسّام أعطى غوته القبّعة التي أضفت عليه نوعا من الهالة ورسم رأسه بهيئة كبيرة وصوّره جانبيّا، بينما عيناه مركّزتان على اللانهائية. غوته، بقدميه المنزرعتين بثبات على الأرض ووضعه المستلقي ونظراته المتأمّلة، لا يبدو هنا إنسانا عاديا، ومن الواضح انه لا ينتمي إلى هذا العالم.
في وقت لاحق، حقّقت هذه اللوحة شهرة كبيرة لـ تيشباين بعد أن أصبح غوته، وشخصيات أدبية أخرى مثل الشاعر فريدريش فون شيلر والناقد يوهان هيردر، رموزا لانبعاث الفنّ والثقافة الألمانية.
ويقال انه لولا هذه اللوحة، لكان اسم تيشباين غير معروف سوى لقلّة قليلة من مؤرخّي الفنّ. غوته نفسه لم يُقدّر له أن يرى اللوحة. وقد بيعت بعد مائة عام إلى متحف شتادل بـ فرانكفورت، أي عندما كان غوته في ذروة شعبيّته كرمز للمعرفة والثقافة الألمانية الرفيعة.
لوحة تيشباين عن غوته والآثار الرومانية حفّزت رسّامين آخرين للذهاب إلى كامبانيا ورسمها. الفنّان الأمريكي توماس كول صوّر هذا الموقع بعد مرور سبعين عاما على رحلة غوته الايطالية. وقد رسمه، ليس باعتباره طبيعة كلاسيكية، وإنّما كمكان رومانسيّ مع أضواء المساء الغامضة التي تذكّر بغروب شمس الحضارة الرومانية، ومع الظلال الطويلة للآثار المهدّمة. قد لا تعكس صورة غوته كما رسمها تيشباين ظلالا على المكان، لكن من المستحيل تجاهل ظلاله الأدبية والفنّية الكبيرة على المشهد الكلاسيكيّ في زمانه.