:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, October 01, 2017

موسيقى الماء

عندما سمعت هذه الموسيقى لأوّل مرّة، لم أكن اعرف شيئا عن خلفيّتها ولا عن مناسبتها. لكني تخيّلت منظرا لبحر وسفن حربية وتمرينات وربّما ألعاب نارية.
هذه هي بعض عناصر الصورة المشهدية كما تعكسها أجواء موسيقى الماء لجورج فريدريك هاندل. موسيقى فخمة واحتفالية بامتياز. وما يؤكّد هذه الصفة، بشكل خاصّ، هو غلبة الآلات النفخية على نسيجها الأوركستراليّ.
حتى إن كنت مثلي لا تستسيغ سماع أصوات هذه الآلات الحادّة في كلّ حين، إلا انك ستقدّر عاليا براعة المؤلّف في اختيار كيف ومتى تدخل كلّ آلة ومتى تتوقّف.
موسيقى الماء يمكن أن توحي بانتصار عسكريّ، كما أنها تصلح لأن تكون نشيدا وطنيّا لبلد ما. لذا لم استغرب عندما لاحظت أن محطّة البي بي سي اختارت هذه الموسيقى بالذّات كإعلان عن بدء بثّ برامجها كلّ يوم.
لكن، أوّلا، ما هي قصّة ظهور هذه الموسيقى؟
في عام 1717، طلب الملك الانجليزيّ جورج الأوّل من الموسيقيّ جورج فريدريك هاندل أن يؤلّف قطعة موسيقية كي تُعزف على متن يخت الملك الذي سينقله هو وضيوفه من قصر الوايتهول في رحلة عبر نهر التيمز تنتهي عند تشيلسي.
كان عمر هاندل وقتها لا يتجاوز الثانية والثلاثين. وقد شرع في تنفيذ تلك المهمّة على الفور وأنجزها قبل الموعد المضروب بأسابيع. وقد أسمى عمله "موسيقى الماء" لسببين: الأوّل أنه كُتب ليُعزف فوق الماء. والثاني: أن أنغام العمل تحاكي في ارتفاعها وانخفاضها حركة الماء.
في اليوم المحدّد، أخذ هاندل مع أفراد الفرقة الموسيقية أماكنهم على متن قارب مجاور ليخت الملك. وكان النهر ممتلئا بالقوارب التي جاء أصحابها ليستمعوا إلى الموسيقى.
وقد سُرّ الملك جورج الأوّل كثيرا بهذه الموسيقى لدرجة انه طلب من الفرقة أن تعيد عزفها أربع مرّات في ذلك اليوم. واستمرّ العزف إلى ما بعد منتصف ليل ذلك اليوم، ما شكّل إرهاقا كبيرا للعازفين.
وقد حدث بعد ذلك أن تحوّلت هذه القطعة إلى واحدة من أشهر الأعمال الموسيقية الكلاسيكية في جميع العصور.
ويقال أن الملك كان قبل ذلك غاضبا على هاندل لسبب ما. وكان تأليف الأخير لهذه الموسيقى وسيلة لاسترضاء الملك وتطييب خاطره.
الأصل الألمانيّ للملك ولهاندل كان من العوامل التي قرّبت بين الرجلين. وقد أصبحا من أهمّ الشخصيّات التي عرفتها انجلترا. وظلّ هاندل إلى اليوم الموسيقيّ المفضّل لدى الانجليز عموما. أما جورج الأوّل فقد نجح في تأسيس سلالة ملكية ما تزال تحكم انجلترا إلى اليوم في شخص حفيدة حفيد جورج، أي الملكة الحالية اليزابيث الثانية.
وهناك إشارات كثيرة تؤكّد أن الملك أراد أن تكون موسيقى الماء أداة دعاية سياسية له. كان بحاجة إلى عمل ما يعزّز صورته كحاكم جديد على انجلترا، بعد أن أثارت بعض قراراته وتصرّفاته جدلا واسعا بين الناس.
في السنوات الأولى من حكمه، لم يكن جورج الأوّل يحظى بأيّة شعبية تُذكر، لافتقاره إلى أيّ قدر من الذكاء أو الكاريزما. وكان معارضوه يدعمون ابنه الأكبر جورج الثاني الذي سيصبح ملكا في ما بعد.
وقد أشار عليه مستشاروه بأن ينظّم حدثا ملكيّا فخما يلفت إليه الأنظار ويثير إعجاب سكّان لندن، وفي نفس الوقت يسرق الأضواء من ابنه الساخط عليه والذي رفض حضور العرض الموسيقيّ.


اختار هاندل لموسيقى الماء شكل "السويت" الذي يعني بالعربية فاصل أو وصلة أو متوالية موسيقية، وفي لغة الموسيقى الكلاسيكية مجموعة من الحركات الموسيقية المتتالية التي يربط بينها وحدة الفكرة والنغم.
وأصل هذا النوع من الموسيقى يعود إلى القرن الرابع عشر، وبلغ أوج ازدهاره خلال عصر الباروك، وبرع فيه موسيقيّون كثر من أشهرهم باخ وهاندل وآخرون.
وموسيقى الماء هي أيضا عبارة عن قطع صغيرة مؤلّفة لأوركسترا مصغرّة لا يتجاوز عدد أفرادها الخمسين عازفا. وكتبها هاندل لآلات الفلوت والباسون والكمان والبوق والترومبيت والاوبوا. أي انه استخدم للموسيقى جميع الآلات الموسيقية المعروفة في عصر الباروك، باستثناء الهاربسيكورد والتيمباني لأنه كان من المستحيل جلبهما فوق القارب.
يتألّف سويت موسيقى الماء من ثلاث حركات رئيسية يتفرّع عنها واحد وعشرون لحنا وتتضمّن مجموعة من المينويتات والأنغام الراقصة.
وفي تلك الرحلة النهرية، عُزفت بعض أجزائها فقط، لكنها لم تُطبع كمجموعة كاملة إلا بعد وفاة هاندل بسنوات.
وبعد ثلاثين عاما، أي في 1749، سيؤلّف هاندل موسيقاه المشهورة الأخرى الألعاب الناريّة في عهد الملك جورج الثاني. وكثيرا ما تظهر هاتان المقطوعتان معا في التسجيلات كمجموعة واحدة.
المعروف أن هاندل ولد في هالي بألمانيا في فبراير عام 1685 وتوفّي في لندن في ابريل 1759. وقد عاش في البداية أربع سنوات في ايطاليا حيث عمل هناك وألّف بعض الأعمال الاوبرالية والموسيقى الدينية.
وفي سنّ الخامسة والعشرين، ذهب إلى لندن باحثا عن وظيفة. وكان جورج الأوّل قد سمع بعض موسيقاه، فاستدعاه وعيّنه مديرا للموسيقى في القصر، ثم لم يلبث أن أصبح الموسيقيّ الرسميّ للبلاط.
صحيح أن موسيقى الماء عند ظهورها وُظّفت كأداة للدعاية السياسية. لكن كان هناك سبب آخر في نجاحها الفوريّ وفي شهرتها المستمرّة إلى اليوم، وهو أنها كانت تحفة موسيقية حقيقية.
أما هاندل نفسه فقد كان معروفا بمزاجه العنيف وباعتزازه الشديد بنفسه واحتقاره لزملائه من الموسيقيين الانجليز. ومما يُروى عنه أن هدّد ذات مرّة بإلقاء سوبرانو زميلة من النافذة إن لم تنفّذ تعليماته وتفعل بالضبط ما يقوله.
بيتهوفن وصف هاندل ذات مرّة بأنه أعظم مؤلّف موسيقيّ. وأضاف: أمام قبره لا املك إلا أن احني ركبتي وأخفض رأسي احتراما".
واليوم وبعد مرور ثلاثمائة عام على ظهورها، ما تزال موسيقى الماء تحتفظ بجاذبيّتها وسحرها القديم. وقد أصبحت أجزاء كثيرة منها مشهورة جدّا ومألوفة كثيرا، مثل مقطع اللا هورن بايب (الفيديو فوق) والذي وُظّف كثيرا في الإعلانات والتلفزيون والراديو وفي أعمال سينمائية مثل فيلم "قوى الطبيعة" وفيلم "جمعية الشعراء الموتى" وغيرهما.

Credits
classicfm.com

No comments: