:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, August 27, 2013

حكايات صينية 2 من 3

مضى على موت ماو تسي تونغ أربعون عاما. لكن رفاته ما تزال محفوظة داخل ضريح في ساحة تيانان مين أو ميدان السلام السماوي. هذا الميدان يُعتبر القلب الرمزي للدولة الصينية، ومنه أعلن ماو الصين جمهوريةً شعبية عام 1949.
ماو، أو الإمبراطور الأحمر كما كان يُلقّب، كان يعزو فكرة هذا البلد الشاسع والعريق إلى مؤسّس عاش قبل حوالي ألفي عام. هذا الرجل هو تشين جن هوان، الإمبراطور الذي ارتبط اسمه بما يُعرف الآن بجيش التماثيل الطينية. وقد أطلق اسم تشين الأوّل على هذا البلد، ولولاه لما كانت هناك اليوم دولة تُدعى الصين.
ضريحا ماو وتشين يُعتبران اليوم قبلة للزوّار الأجانب الذين يحلّون ضيوفا على الصين. غير أن هناك أيضا شيئا آخر مشتركا بين هذين الرجلين، فقد علّم تشين ماو دروسا في كيفية اضطهاد وقمع المثقّفين.
قبل تشين جن هوان، كانت الصين عبارة عن ارض تحوي عددا من الدول المتباينة والمتباعدة. وكان لكلّ دولة كتابتها وتقويمها الخاصّ. تشين نفسه كان ملكا على دولته الصغيرة منذ أن بلغ سنّ الثالثة عشرة. وقد بدأ حكمه بإزالة ما كان يعتبره تهديدا لعرشه عندما أمر بإعدام عشيق والدته ومعه كافّة أفراد أسرته.
وبعد مائة عام على تلك الحادثة، كتب مؤرّخ صيني يصف الملك الشابّ: كان لـ تشين صدر منتفخ مثل صقر وصوت أشبه ما يكون بصوت ابن آوى. لم يكن في قلبه ذرّة من رحمة، بل كان له قلب ذئب. كان عندما تواجهه مشكلة يُظهر تواضعا أمام الآخرين. لكن عندما تكون أموره سالكة كان لا يجد غضاضة أبدا في التهام الآخرين وهم أحياء. كان تشين على استعداد لأن يضع العالم كلّه في السجن لو اكتشف انه يقف في طريقه".
بنى تشين جن هوان آلة قتال هائلة. جيشه من السهل تصوّره لأنه ترك لنا تماثيل الطين المشهورة التي تصوّر محاربيه الأشدّاء. وقد قاتل الدول المجاورة وهزمها الواحدة تلو الأخرى، ثم ابتلع أراضيها بضمّها إلى إمبراطوريّته المتنامية بعد أن قام باستعباد وخصي مواطنيها. كانت غايته من خصي سكّان الدول التي يفتحها أن يذلّهم ويصمهم بالخزي قبل أن يحوّلهم إلى رقيق. وكان بلاطه يضمّ عددا كبيرا من هؤلاء الخصيان.
أصبحت أراضي الصين في عهد تشين تمتدّ من منغوليا إلى هونغ كونغ، أي حوالي مساحة الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت. وهناك من المؤرّخين من يرى بأن تشين جن هوان لا يعود إليه الفضل في تأسيس الصين فحسب، وإنما أيضا في إنشاء أوّل إمبراطورية بيروقراطية مركزية في العالم. وقد عمل على توحيد الإجراءات والسياسات الإدارية لجميع الأراضي الواقعة تحت حكمه.
كانت فكرة تشين أن كلّ منطقة يجب أن يكون لها مسئول يتمتّع بالكفاءة والقدرة، على أن يحتفظ بدليل إجراءات يحدّد المهام والمسئوليات ويرعى مصالح الناس الذين يتعيّن عليهم، هم أيضا، أن يكونوا ملمّين بتلك القواعد والإجراءات. كان يجمع الضرائب وينفذ العدالة. كما قام بتدريب البيروقراطيين في جميع أنحاء الصين. وهذا كان إنجازا غير عاديّ.
لكن على الرغم من كلّ هذه الانجازات، فإن ما بقي من تشين جن هوان هو قصص سفك الدماء التي تحدّث عنها المؤرّخون طويلا. كان يتخلّص من كلّ شخص يُظهر معارضة أو لا يكون على وفاق معه. ويبدو أنه كان مصابا بجنون الارتياب. كانت تساوره المخاوف من احتمال أن لا يتمكّن من الاستمرار في السيطرة على هذه الأراضي الواسعة ذات الثقافات المختلفة والأعراق المتباينة.
كان بعض العلماء وأصحاب الرأي يتحدّثون من وراء ظهره. وبالطبع، ولكونه شخصا متشكّكا، لم يكن يعجبه ذلك. لذا أمر في إحدى المرّات باعتقال أكثر من أربعمائة عالم ومثقّف وقام بدفنهم أحياء.
ولم يكن تشين متوافقا مع التعاليم الكونفوشية، وكان خوفه من الفكر والمفكّرين متجذّرا. وممّا يؤثر عنه قوله: لا نريد أن نسمع الناس ينتقدون الحاضر بالرجوع إلى الماضي. الماضي لا صلة له بالموضوع. لذا يمكن حرق الكتب ودفن أهل العلم، خاصّة أولئك الذين يهوون الانتقاد".
بعض المؤرّخين المعاصرين يرون شبها بين الصين اليوم وما كانت عليه في عهد تشين. فالحزب الشيوعي يتسامح مع النقاش حول الأمور التكتيكية والتفصيلية، لكن ليس حول الاتجاه العام أو السياسات الأساسية.
في عام 1974، عثر مزارعون كانوا يحفرون بئر ماء في شيان بمقاطعة شانسي على ثمانية آلاف جنديّ مصنوعين من الطين، مع عرباتهم وخيولهم وأسلحتهم. وكانت التماثيل قد دُفنت في أربع حفر كبيرة ومتجاورة حوالي عام مائتين قبل الميلاد. وقد اجمع علماء الآثار على أن هذا الكنز الأثريّ يصوّر جيش الإمبراطور المؤسّس تشين جن هوان. ويبدو أن تشين أمر بصنع هؤلاء المقاتلين كي يوفّروا له الحماية في الحياة الآخرة، أو هكذا كان يعتقد. وقد أصبح هذا الموقع مصنّفا ضمن مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو.
في الصين الشيوعية، تبنّى الحزب النموذج الإمبراطوري، أي الإمبراطور الحاكم المطلق. كان الحزب يرى بأن الطريقة المثلى والوحيدة لحكم امبراطورية ضخمة ومترامية الأطراف كالصين هي اعتماد أقصى درجات القسوة.
وفي ذروة احتدام الثورة الثقافية، خاطب ماو تسي تونغ كوادر الحزب قائلا: لقد دفن تشين جن هوان أربعمائة وستّين عالما وهم أحياء. وقمنا نحن بدفن ستّة وأربعين ألف عالم. وأنتم – المثقّفين - تلعنوننا لأننا نتصرّف مثل تشين. لكنّكم مخطئون. فقد تجاوزنا تشين جن هوان بمئات المرّات".
منذ موت ماو في سبتمبر من عام 1976، يتمّ إنزال جثمانه كلّ ليلة داخل نعش من الكريستال في مصعد إلى قبو مقاوم للزلازل تحت الأرض. وفي الصباح يعاد الجثمان إلى مكانه مرّة أخرى.
ترى لو رأى تشين جن هوان ضريح ماو، هل كان سيُسرّ ويُعجب به؟ ضريح هوان نفسه يضمّ، بالإضافة إلى جيش الطين، أوركسترا كاملة من الأدوات الموسيقية ومناظر لطبيعة نهرية مع طيور غرانيق وبجع وإوز. بإمكانك أن تقول إن هذا الرجل القويّ والعنيف كان يختبئ وراء القبر طوال هذه الآلاف من السنين.
تشين وماو ما يزالان يعيشان بقوّة في مخيّلة الصينيين من خلال وجودهما الجسدي. لكنّ الصين ظلّت دائما أكبر من أباطرتها.
عندما مات الإمبراطور تشين، استمرّ حكم سلالته بعده لأشهر معدودة فقط.، وما بقي هو فكرة الصين نفسها. وعندما مات ماو، قال خلفاؤه إن إشعاع أفكاره سيدوم إلى الأبد. لكن ماو ذهب هو أيضا. وعلى الرغم من الحشود في مكان ضريحه، إلا أنه يندر هذه الأيّام أن تجد أحدا يذكر الماويّة أو يتحدّث عن أفكارها أو يردّد شعاراتها.

No comments: