:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, November 26, 2008

قراءة هادئة في مشهد عنيف


اصطدمت عيناي بهاتين اللوحتين أكثر من مرّة وفي أوقات مختلفة بينما كنت أبحث عن لوحات تصلح لأن تضاف إلى سلسلة اللوحات العالمية. وفي كلّ مرّة، كان ردّ الفعل مزيجا من الصدمة والاستغراب. الصدمة؛ لأن المنظر صادم ومستفزّ من حيث طبيعته وتفاصيله. فأنا لا أظنّ أن هناك منظرا يمكن أن يفوق في توحّشه وساديّته منظر قتل إنسان بقطع رأسه كائنا ما كانت الجريمة التي ارتكبها. أما الاستغراب فمردّه أن من يقوم بفعل الذبح في الصورة امرأة. ومن هنا قد يستكثر الإنسان على المرأة، بما يُفترض أنها جُبلت عليه من رقّة وعاطفة، أن ترتكب عملا يتسم بالعنف والوحشية، بصرف النظر عن مدى عدالة أو منطقية الأسباب وما يُساق لها أحيانا من مبرّرات ودوافع وطنية أو دينية.. إلى آخره.
وليس هناك حاجة للقول إن المنظر الذي تصوّره اللوحتان مزعج وغير مريح بالمرّة. فالعنف فيهما واضح والقسوة صارخة بما لا يحتمل. ويقال إن لوحة كارافاجيو هي اللوحة الأعنف في تاريخ الفن التشكيلي العالميّ.
كارافاجيو ايطالي وكذلك الرسّامة ارتيميشيا جينتيليسكي. ولوحتاهما هنا تعالجان موضوعا واحدا بطلته امرأة يهودية اسمها جوديث. وهي نموذج للمرأة التي تقتل العدوّ كي يحيا شعبها. وسلاحها في ذلك جمالها وجاذبيّتها الطاغية.
والقصّة تعود إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وقد ورد ذكرها في الإنجيل. وفي تفاصيلها أن الملك البابلي نبوخذ نصّر أرسل قائد جيشه هولوفيرنس على رأس كتيبة ضخمة لتأديب الشعوب المجاورة التي لم تساند حكمه. وقد فرض هولوفيرنس خلال تلك الحملة حصارا على أهالي مدينة تسمّى بيتوليا. ومن تلك المدينة خرجت جوديث التي ستقتل القائد البابلي وتنهي الحصار المفروض على قومها. وقد مثلت القصّة كثيرا في الفن، ورسمها ميكيل انجيلو في سقف كنيسة سيستين في ثلاثة مشاهد متسلسلة.
وجوديث نموذج آخر لنساء يهوديات كثيرات فعلن شيئا مثل هذا.
دليلة، مثلا، سلّمت شمشون الجبّار إلى أعدائه بعد أن سيطرت عليه بسحرها وغوايتها.
وسالومي، وهي بغيّ يهودية أخرى، اشترطت على الملك الروماني هيرودس أن يأتيها برأس يوحنّا المعمدان (أو يحيى بن زكريّا في الأدبيات الإسلامية) مقابل أن تهبه نفسها. وكان لها ما أرادت.
وقائمة النساء من هذا النوع طويلة. ومن الواضح أن ثمّة ثلاثة عناصر ثابتة في مثل هذه القصص: الجنس والتخفي والخمر.
لكن، لا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كانت هذه القصص - باستثناء الأخيرة - حقيقية أو أنها مجرّد أساطير أو حكايات فولكلورية جرى تأليفها لإضفاء طابع البطولة والتضحية على شخصية المرأة اليهودية.
ومنذ فترة، اطلعت على دراسة جميلة كتبتها اندريا مارتن، أجرت فيها مقارنة بين رؤية كل من كارافاجيو وأرتيميشيا جينتيليسكي لقصّة جوديث من منظور الجندر، أو الفوارق الجنسانية بين الرجل والمرأة.
تبدأ الكاتبة كلامها بالحديث عن الأرملة اليهودية جوديث التي حاولت وقف هجوم العدوّ على شعبها، فدخلت مخيّم الجيش المهاجم مع وصيفتها لمواجهة قائده المسمّى هولوفيرنس.
وقد تمكّنت المرأة من دخول المخيّم بعد أن فتنت الحراس بجمالها. وهي ستفعل الشيء نفسه في ما بعد مع هولوفيرنس. واستطاعت في ما بعد إقناع القائد البابلي بأنها راغبة فعلا في مساعدة جيشه فقبل مشورتها له بتأجيل خطة الهجوم.
وفي إحدى الليالي وبعد أن تناول الجميع العشاء، سكر القائد حتى أغمي عليه وأصبح في حالة من الضعف مكّنت جوديث "بدعم من العناية الإلهية" من قطع رأسه.
وعادت هي ووصيفتها منتصرة إلى أرض قومها ومعها رأس القائد المقطوع. وبذا ضمنت سلامة شعبها، كما يقول الإنجيل.


الترجمات الفنية للقصّة مختلفة ومتباينة. بعضها يصوّر جوديث وهي تصلي من اجل العون الإلهي قبل وقت قصير من بدء مهمّتها. بينما تظهر في لوحات أخرى حاملة رأس هولوفيرنس وهي في طريق عودتها إلى قومها.
ولوحة ارتيميشيا جينتيليسكي عن القصّة هي عبارة عن تصوير عنيف ومبتكر للحظة التي تحزّ فيها المرأة رقبة الرجل. والمنظر يثير شعورا بقوّة الأنثى وسيطرتها.
ثم تجري الكاتبة مقارنة بين لوحتي كارافاجيو و جينتيليسكي عن الحادثة، في محاولة للوقوف على الاختلافات والفوارق بين أسلوبي الرسّامين في معالجتهما للموضوع، فتقول: إن الفحص المتأنّي للغة الجسد في هاتين اللوحتين سيكشف بوضوح عن اختلاف الفنانين في رؤيتهما للقصّة من منظور الجندر.
فـ كارافاجيو، من منظوره الذكوري، يرسم جوديث معتمدة على تدخّل الربّ باعتباره الوسيلة التي تمنحها القوّة.
بينما جينتيليسكي، من منظورها الأنثوي، تؤكّد على أن قوّة جوديث متأصّلة فيها ومتأتية من ذاتها. فهي تبدو قويّة، مصمّمة ومعتدّة بنفسها بينما تباشر قطع رأس قائد الجيش الغازي.
إنها تمسك بيدها اليسرى خصلة من شعره لمنعه من الحركة فيما ذراعها الأيمن يجري الخنجر بقوّة على رقبته. كما أنها تُميل جسدها إلى الخلف في محاولة لإبعاد الدم عن ملابسها، تماما مثلما يفعل من يذبح حيوانا.
إن المرأة تؤدّي مهمّتها بإحكام. وهي ترمق هولوفيرنس بنظرات باردة توحي بأنها منفصلة عن ضحيّتها، لكنها أيضا تعكس إصرارها وعزيمتها.
وتعبيرات وجهها، خاصّة ما حول الحاجبين، تنمّ عن تركيز وتصميم شديدين. وهي تبدو مستعدّة بل وراغبة في قتل الخصم بلا اكتراث أو ندم.
ورغم أن القصّة الإنجيلية توحي بأن تدخل الربّ كان ضروريا وحاسما في مساعدة المرأة على تنفيذ عملية القتل، فإن أسلوب جينتيليسكي في التعامل مع شكل وهيئة جوديث يكشف عن أن الرسّامة تعتقد انه حتى وإن كان الفعل قد نفّذ بمشيئة الله فإنها تعتبر جوديث قادرة تماما على أداء واجبها بفضل حيَلها الخاصّة وقوّتها الجسدية وبراعتها.
إن جوديث في لوحة جينتيليسكي تميل بجسدها إلى الوراء، لكن جوديث كارافاجيو تفعل ذلك كما يبدو نتيجة إحساسها بالصدمة النفسية من تصرّفها. إنها لا تسيطر على نفسها، بل ترتكب جريمة قتل لأن إرادة الله أوجبت ذلك.
وبينما تبدو جوديث جينتيليسكي وهي تنفذ المهمّة بوحي من شعورها الوطني وقوّتها الخاصّة والكامنة، فإن كارافاجيو يصوّرها وكأنها تطلب مساعدة الإله في ارتكاب ذلك العمل.
ومن الواضح أن جينتيليسكي تريد أن تقول إن النساء يمكنهن التحكّم في أيّ وضع يواجهنه. وفي المقابل، يُظهر كارافاجيو الأنثى في وضع من يطلب تدخّلا إلهيا لكي يتغلّب على مثل ذلك الظرف الهائل والعصيب.


والواقع أن تعامل الرسّامَين مع خادمة جوديث يكشف، هو أيضا، عن فارق جنساني آخر.
ورغم انه من غير الواضح في الإنجيل كم كان عمر الخادمة، فإنها تبدو في لوحة جينتيليسكي شابّة وقويّة، بل وأيضا مشاركة بفاعلية في جريمة قتل هولوفيرنس .
إن جينتيليسكي تشرك الخادمة في عملية القتل، وفي هذا مخالفة للرواية الدينية التي تذكر أن جوديث قهرت خصمها بفضل العناية الإلهية وحدها.
وفي هذا إشارة واضحة إلى أن موت القائد كان على يد المرأتين الشابتين. وهو تفسير قد لا يخطر ببال رجل بسهولة.
ذلك أن فكرة أن تقوم نساء بقتل رجل، بصرف النظر عمّا إذا كان عدوّا، يمكن أن تعتبر تهديدا وتحدّيا للسلطة الأبوية التي كان يتمتع بها الرجال زمن جينتيليسكي.
لكن الفنانة كانت ترى أن النساء قادرات على أن يتجاوزن دورهن الاجتماعي الهامشي والضيّق. وأكثر من هذا، فإن تفسيرها للقصّة يخوّل النساء أن يتصرّفن خارج إطار سيطرة الله.
وبالنتيجة، فإن تصويرها للخادمة وهي تشارك في قتل هولوفيرنس يبدو نابعا من منظور أنثوي واضح.
ولا بدّ وأن نلاحظ أن تمثيل كل من جينتيليسكي وكارافاجيو المتناقض للغة جسد هولوفيرنس في لحظات موته هي نتيجة لاختلاف منظوريهما. مثلا وكما ورد آنفا، فإن الخادمة في لوحة جينتيليسكي تمسك بالضحية وتثبّته أرضا بينما تطبق جوديث على رأسه في محاولة للسيطرة عليه وشلّ حركته.
وعلى النقيض من ذلك، فإن كارافاجيو - وكما هو متوقّع - يصوّر هولوفيرنس وكأنه يعرف أن الله قد هزمه. والدليل على هذا واضح على وجه الرجل. فهو ينظر إلى أعلى مدركا انه لن يكون بمقدوره أن يتجنّب غضب الربّ. ورغم أن جوديث تشدّ شعره بينما تقوم بفصل رأسه، فإنه لا جوديث ولا خادمتها مهتمّة بتثبيت جسده أرضا.
وهذه نقطة مهمّة تفترض أن هولوفيرنس كان قادرا على التصدّي للمرأتين ومقاومتهما لأنه غير مسيطَر عليه تماما.
وكارافاجيو يريد أن يقول ضمنا إن صراع هولوفيرنس كان مع الله فقط.
وفي حين أن لوحة جينتيليسكي تشير بوضوح إلى قوّة وسيطرة المرأتين على عدوّهما ومسئوليّتهما عن موته، يشدّد كارافاجيو من خلال أسلوبه في تصوير المرأتين على حاجتهما لمساعدة إلهية لكي ينفذا مؤامرتهما بنجاح.
وتضيف الكاتبة: إن جنس كلّ من الفنانَين يؤثّر في طبيعة نظرته إلى جوديث في مثل هذه الظروف. وكلّ منهما لديه استجابة جنسانية مختلفة تجاه موضوع وفكرة اللوحة.
فـ كارافاجيو في لوحته يؤكّد منظورا ذكوريا واضحا بتصويره جوديث حذرة ومتردّدة إلى حدّ ما. وهي تستخدم قوّتها "التي منحها إياها الربّ مؤقتا" كي تقتل عدوّها.
وفي لوحة كارافاجيو أيضا نرى هولوفيرنس وهو ينظر إلى السماء مدركا أن قدرة الله اكبر من قدرته. وكارافاجيو لا يرى أن موت هولوفيرنس تحقق فقط على يد امرأة شابّة متسلّحة بخنجر، لأنها في النهاية مجرّد امرأة ضعيفة ومحدودة القوى.
في حين أن لوحة جينتيليسكي تظهر جوديث بمظهر المرأة القويّة والشديدة البأس والحازمة. وهي ووصيفتها؛ المتساوية معها في حدود المسئولية، مسئولتان معا عن قتل غريمهما.
وهكذا يبدو جليا أن الاختلافات بين اللوحتين تعكس الفوارق الفردية بين جنسي الرسّامين.
فـ كارافاجيو يصوّر المشهد من منظور رجل، وجينتيليسكي تصوّره من منظور امرأة.

9 comments:

Moh'd Shaltaf said...

لوحتان مثيرتان للاهتمام والاستغراب

بعد قراءة التحليل ومشاهدة اللوحتين أرى أن ما ذهبت اليه اندريا صحيح بل وواضح ولكنه احتاج إلى عين مبصرة لتراه وتحلله، وكذلك لفت انتباهي البنية العضلية لجوديث في اللوحتين حيث بدت بوضوح أكثر في لوحة جينتيليسكي على ما أعتقد

ربما يحتاج كل تفصيل باللوحتين - والوجوه خاصة - إلى التأمل جيداً لنرى الفرق المهم المقارن في تصوير المشهد بريشة المرأة والرجل

أشكرك على هذا التميز

NaDa said...


المرأة تقدِر

H. M. H. said...

عنوان جميلٌ وواصفٌ لموضوعٍ مليء بالتأملات في الفن كعادة مواضيعك الجميلة يا بروميثيوس.
هاتان اللوحتان عنيفتان جداً، وقد اضطررت لترويض نفسي للنظر فيهما مكبرتين في نسخة ويكيميديا، فالقتل فعلٌ بشع تحت أي مُبرر، وقطع رأس إنسان ليس منظراً يُمكن للمرء أن يُشاهده بسهولة.
في لوحة كارافاجيو، تكوين جوديث الجسماني هشٌ للغاية، ووجهها ليس وجه أرملةٍ عركت الحياة، وعرفت رجلاً مات عنها، كما أن خادمتها العجوز لا تُعطي هذا الإيحاء. جوديث في لوحة كارافاجيو أقرب إلى التصوير التقليدي للعذراء الهشة، وخادمتها العجوز تظهر بمثابة حارسة لفضيلتها. جوديث كارافاجيو عذراء يُضحي بها شعبها جرياً على عادة التضحية بالعذراوات القديمة، وتُرافقها خادمتها للحفاظ على هذه (العذرية) المفترضة، حيث أن فرضية القصة الأساسية كون جوديث أرملة.
نظرة هولوفيرنس إلى السماء عارفاً بأن الرب قد هزمه على يد هذه الفتاة الضعيفة محورية في اللوحة، وخلف رأس هولوفيرنس مُباشرة ستارة حمراء توحي بأن قتل جوديث له حفاظٌ على (طهارتها) كذلك - وتغيب هذه الستارة عن لوحة جينتيليسكي -، كما أن نمط انتشار الدم ولونه غير واقعي خلافاً لبقية عناصر اللوحة الأخرى مما يوحي بأن كارافاجيو يرمز بالدم والستارة لأمور أخرى.
لوحة جينتيليسكي جاءت مُختلفة تماماً في تناولها، فجوديث فيها أرملةٌ حقيقية، تكوينها تكوين امرأة عرفت الحياة، وكان لها رجلٌ حقاً، كما أن شباب خادمتها وقُربها من سنها يوحي بتآمر الاثنتين وعركهما للحياة معاً. خادمة جوديث جينتيليسكي شريكة، وخادمة جوديث كارافاجيو كمن تقود الفتاة إلى حُجرة الزواج. والعامل المؤثر في اللوحة شباب المرأتين وقوتهما البدنية، فهاتان امرأتان - وإن تكُ جوديث ثرية بما يكفي لتستخدم خادمة - قد عرفتا التعب والشقاء وأعمال المنزل التي لا تنتهي، وقد يكون لهما أبناء. هاتان امرأتان جاءتا في مُهمةٍ ولا تُريدان أن تتأخرا.
لا توجد ستائر في لوحة جينتيليسكي لتوحي بأي شيء آخر، ونمط انتشار الدم واقعي جداً. لقد أصبح هولوفيرنس بالنسبة للمرأتين مجرد حيوانٍ منزلي آخر تقومان بذبحه لإطعام العائلة، خنزيراً بديناً، أو رُبما ثوراً.
جوديث جينتيليسكي وخادمتها أقرب إلى هولوفيرنس، فهو رجلٌ آخر الأمر، وليس غريباً عنهما معرفة الرجال - عكس إيحاء لوحة كارافاجيو -.
في لوحة جنتيليسكي الأخرى عن الموضوع ذاته، تظهر جوديث وخادمتها بتفاصيل دقيقة، ورأس هولوفيرنس في سلة الخادمة، والمرأتان تتأملان مسرح الجريمة في طريقهما للخروج من المُعسكر مُحاولتين تأمين طريقهما. تحمل جوديث السيف على عاتقها مما يوحي باستعدادها لحز مزيدٍ من الرؤوس في طريقها للهروب، وتُمسك كتف خادمتها لتخرجا معاً. رأس هولوفيرنيس في اللوحة ساكن ويكاد يُخطئه المرء للوهلة الأولى، لقد اختصرت المرأتان هذه القوة الغاشمة إلى رأسٍ ينام هادئاً في سلةٍ، رأسٌ شاحب ميت يُناقض ألوان المرأتين الحية.
منظور جينتيلسكي للقصة منظورٌ أنثوي بلا شك، يُفسر الواقعة تفسيراً أقرب لطبائع الأمور ويختلف عن التفسير الذكوري للقصص الدينية. إذا كانت جوديث أرملةً حقيقية، فإنها لن تكون حمقاء لتُسلم نفسها إلى مُعسكرٍ مليء بالمحاربين دون عونٍ إلا من عجوزٍ شمطاء تُقدمها لقائد العدو. جوديث ستستعين بخادمتها، وخادمتها شابة مكتنزة مثلها، تُساعدها في استمالة المحاربين وفي التخلص من هولوفيرنس. هولوفيرنس لن يُصبح العدو بل مُجرد حيونٍ منزلي ينبغي ذبحه لإطعام العائلة، ولولا أن جوديث أرملةٌ مسؤولة عن عائلة ما كانت لتُقدم على فعلة ذبح رجل. تفسير جينتيلسكي ثوري حقاً، ونابضٌ بالحياة في كُل تكوينٍ لوني. كما أنه يُمثل نوعاً من تمرد التلميذ على أستاذه، ورغبته في تصحيح أفكاره.
http://en.wikipedia.org/wiki/Image:Gentileschi_judith1.jpg
تحياتي القلبية لك بروميثيوس..

Prometheus said...

العزيز محمد:
شكرا جزيلا لك على التعليق. وملاحظتك صحيحة وفي مكانها. هناك أيضا الخادمة في لوحة كارافاجيو والتي صوّرها بهيئة عجوز واهنة ليس لها من دور سوى مراقبة المشهد وحمل قطعة القماش التي ستوضع فيها الرأس.

Prometheus said...

العزيزة NaDa
صحيح. هو كما قلتِ.

Prometheus said...

العزيز H. M. H.
شكرا جزيلا لك يا عزيزي. ملاحظاتك كالعادة جاءت في منتهى العمق وأضافت كثيرا للموضوع. فعلا هو كما ذكرت، حتى أنا لم أتحمّل رؤية اللوحتين لولا أن تحليل الكاتبة شدّني وأغراني بمشاهدتهما. ملاحظتك عن "عذرية" جوديث المفترضة ورغبة شعبها في أن يضحّي بها ولعب خادمتها دور حارسة العفة أجدها منطقية وفي العمق. أيضا كلامك عن الستارة الحمراء ودلالة لونها الأحمر واقتران ذلك بالطهارة هو إشارة ذكية وصائبة لا اختلف معك حولها. لفت انتباهي مثلك نمط انتشار الدم في لوحة كارافاجيو. يبدو الدم فيها أشبه ما يكون بمنديل أو قطعة قماش. وقد يكون في هذا معنى ضمني أو إشارة خفية ما كما ذكرت، خاصّة أن كارافاجيو عُرف بدقّته وواقعيته الشديدة في رسم وتمثيل التفاصيل ولا يعوزه أن يصوّر تدفق الدم بشكل واضح ومعبّر.
اضاءاتك الأخرى عن لوحة جينتيليسكي وجدتها رائعة فيها تأمّل عميق وقوّة ملاحظة وقد استفدت منها كثيرا. ومرّة أخرى يسرّني كثيرا أن أرى من بين قرّاء هذه المدوّنة المتواضعة شخص متميّز مثلك "ولا يهون الباقين طبعا". وأرجو ألا تبخل عليّ بأيّ ملاحظة خاصة إن كانت في غير مقام المدح أو الثناء الذي تستحقّ أنت الكثير منه.

تحياتي للجميع وكل عام وانتم بخير بمناسبة العيد وعساكم من عوّاده.

Ruth said...

I recently came across your blog and have been reading along. I thought I would leave my first comment. I don't know what to say except that I have enjoyed reading. Nice blog. I will keep visiting this blog very often.


Ruth

http://www.infrared-sauna-spot.info

Mohamed Abdeldayem said...

الشكر الجزيل للكاتب على التدوينة المميزة.. لا أملك إلا أن أوافقك على ما ذهبت إليه لدى مقارنتك كارافاجيو وجينتيليسكي.. لوحة الأخيرة تتسم بتعبيرية أكثر غنى مما في لوحة كارافاجيو.

أود أن أضيف أني أميل لفكرة أن ما تعرضت له آرتيميسيا جينتيليسكي من حادث اغتصاب أفقدها عذريتها، وفيما بعد سمعتها، وخاضت على إثره بعد ذلك معركة قانونية ضد مغتصبها.. أقول أن ذلك غالبا أثر على اختيارها لهكذا موضوع ومن ثم التعبير عنه بكل هذه البراعة النابعة من غضب حقيقي يعتمل داخلها بسبب تجربة مؤلمة لها كان الجاني فيها "رجل".. هي لم تسرد علينا من خلال الرسم القصة الإنجيلية وحسب.. بل - ربما يمكن الزعم - بأنها اتخذت القصة ذريعة لتعلن عن سخطها وألمها واشمئزازها من ذلك الرجل الذي اغتصبها

مجرد فكرة.. وجزيل الشكر مرة أخرى

محمد عبد الدايم

Prometheus said...

محمد عبدالدايم
شكرا جزيلا لك على مشاركتك وعلى تعقيبك الذي اعتبره إضافة رائعة ومهمّة للموضوع.
تحياتي لك.