:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, August 23, 2008

تأمّلات وأفكار


تأمّل صامت


في ذلك الصباح، كان البحر هادئا جدّا لدرجة انك كنت تستطيع رؤية انعكاسات النجوم المتلألئة فوق صفحة الماء الساكنة. لم يكن الفجر قد بزغ بعد. وعندما لاحت الشمس فوق الأفق، تسلّلت أشعّتها الذهبية عبر سماء صافية إلا من بضع غيمات متناثرة هنا وهناك.
وأنت تتأمّل المكان يغمرك سكون عظيم. من الغريب حقّا أن تشعر بمثل بهذا الهدوء الهائل. "تشعر" ليست الكلمة المناسبة هنا. إن نوعية ذلك الصمت، السكون، لا يشعر بها الدماغ. إنها ابعد منه. يمكن للدماغ أن يتصوّر، أن يخطّط، أن يفكّر.
لكنّ هذا السكون خارج نطاق العقل ويتجاوز كلّ خيال ويسمو فوق كلّ رغبة. أنت ساكن جدّا لدرجة أن جسدك يصبح جزءا من الأرض، جزءا من كلّ شيء ساكن.
وعندما هبّت نسمات عليلة من جهة التلال، أثارت بعض أوراق الشجر. لكنّها لم تبدّد السكون أو تخفّفه.
وأنت تشاهد هذا البحر الساكن اللانهائي، تصبح جزءا من كلّ شيء، تصبح كلّ شيء. ومرّة أخرى، "أنت" ليست كلمة مناسبة، لأنك في الواقع لم تكن هناك، لم يكن لك وجود. لم يكن هناك سوى ذلك السكون، الجمال، الصفاء، والإحساس غير العاديّ بالحبّ.
كلمات "أنا وأنت" تباعد بين الأشياء. إنها بلا معنى وليس لها وجود في مثل ذلك الصمت والسكون الجميل.
وعندما تطلّ من النافذة، تحسّ أن الزمن والفراغ وصلا إلى نهايتهما، وأن الفراغ الذي يفصل الأشياء عن بعضها ليس حقيقة، وأن الورقة ونبات الاوكاليبتوس والماء الأزرق لم تكن مختلفة عنك في شيء.
إن للعزلة والتأمّل نشوة لا تتحقّق إلا عندما لا تعود تخشى أن تكون لوحدك، وانك لم تعد منتميا إلى العالم أو مرتبطا بشيء.
لوقت طويل، ظللت ساكنا بلا حراك. واستسلمت لذلك المزيج الذي لا يوصف من المشاعر وسمحت لها بأن تخترقني في هدوء؛ هدوء السماء وعمق اللحظة. لا اعرف ما الذي كان يدور في ذهني لحظتها. ولا أستطيع أن اعبّر عنه بالكلمات. كانت لحظة من تلك اللحظات التي يحسّ فيها الإنسان بأن شيئا ما في نفسه ينام، وشيئا آخر يستيقظ.


سحر الماء



عُرف عن المخرج السينمائي الروسي اندريه تاركوفيسكي حبّه الجارف للماء. ولا يخلو أيّ من أفلامه من عنصر ماء. تاركوفيسكي يشرح علاقته الحميمة بالماء بقوله: أحبّ الماء، خاصّة الجداول والغدران الصغيرة.
البحر واسع جدّا، عادة لا أهابه بسبب رتابته.
في الطبيعة أحبّ الأشياء الصغيرة. وأحبّ موقف اليابانيين من الطبيعة. إنهم يركّزون على فراغ محدود لكنّه بنفس الوقت يعكس اللانهائية.
إن الماء عنصر غامض بسبب تركيبته. لذا يصلح للسينما كثيرا. لأنه ينقل الحركة والتغيير والعمق.
في الحقيقة لا شيء في الطبيعة يفوق جماله جمال الماء.


الجوقة الكونية


الفيلسوف والمفكّر الاسباني ميغيل اونامونو اشتهر بعشقه للطبيعة. وكثيرا ما كان يمزج أفكاره الفلسفية بلمسات شاعرية. يقول واصفا إحدى تجاربه مع الطبيعة:
وأنت تصعد أرضا أعلى أو ترقى الجبال، ستلاحظ أن الشاطئ قد تلاشى تماما وأن النجوم أصبحت قريبة جدّا من مجال البصر.
انك لا ترى النجوم وتلمسها فحسب، وإنما تسمعها أيضا. تماما مثلما يمكنك سماع غناء الشمس على هيئة ذبذبات كهرومغناطيسية يصفها بعض العلماء بأنها أشبه ما تكون بقرع الطبول.
إن النغمات الشمسية تشبه نظام السلّم الموسيقي، تتراوح ما بين البطء والسرعة، الارتفاع والانخفاض، بحسب ساعات اليوم.
إذا كان هذا ما يمكن أن نسمعه من الشمس، أقرب النجوم إلينا، فماذا عن الجوقة الكونية العظيمة؟
ماذا عن أغاني المجالات والمجرّات والأجرام الأخرى. وماذا عن أغاني القمر التي يصفها شاعر اسباني بقوله: إن القمر يغنّي في صمت. ويتعيّن على الإنسان أن يسمعه بعينيه، وأن يصغي بعمق إلى أغنياته المهدهدة البيضاء".


رحلة اكتشاف


أفكّر أحيانا أنني لو خُيّرت بين أن أكون أصمّ أو أكون أعمى لفضّلت الخيار الأول. ليس الأمر سهلا كما قد يتصوّر البعض. لكنّي منذ أن انتقلت من سماع ما يقوله الناس إلى رؤية ما يفعلونه، تغيّر العالم في نظري إلى الأفضل.
شيئا فشيئا، تعوّدت على أن اكرّر ببطء نفس الشكاوى القديمة المحزنة التي تبتلعها هذه الطاحونة اليومية الثقيلة التي نسمّيها "الحياة".
إن الأمر لا يتعلّق بالآخر بقدر ما يتعلّق بأنفسنا. فنحن نهتمّ كثيرا بما نفكّر فيه أو نقوله. لكنّنا لا نميل إلى إبداء نفس الاهتمام بما نفعله.
هل تدرك ما تقوله؟ هنا يكمن أساس المشكلة. ومن هنا أيضا تبدأ الطريق نحو بوّابة الحرّية. أي عندما تنتقل من القول إلى الفعل، ومن الانطباع إلى الجوهر، ومن التفكير إلى النتائج.
هذا التحدّي ماثل بوضوح في وجودنا الحالي المتخم بهذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات التي تحاصرنا من كل جانب.
إننا نجمع المعلومات كما لو أنها البلسم الذي سيمنحنا الخلود. المراهقون، مثلا، يحملون مئات الأغاني في أجهزتهم الاليكترونية لكي يشغّلوا اثنتين أو ثلاثا منها فقط. كما أننا نحفظ ايميلات لا نقرؤها مرّة ثانية أبدا. ونشتري مجلات وكتبا تتضمّن المزيد من الكلمات التي تريحنا، لكنّها تصرفنا عن مواجهة القضايا الحقيقية التي نعرف أننا يجب أن نناقشها ونجد لها حلولا.
اعترافات، وعود، حلول، علاقات، التزامات يتعيّن الوفاء بها، تعديل سلوكيات وتغيير أنماط وعادات.. إلى آخره.
رجال الدين يَعِظون، إنهم يفعلون هذا منذ ألف عام وسيستمرّون في ذلك لآلاف السنين القادمة. ومع هذا، لا يهمّ كثيرا ما الذي يقولونه أو ما الذي نسمعه. إن كلماتنا عندما تتكامل مع أفعالنا، عندها يحدث الترابط ويتحقّق الانجاز الذي لا يمكن حيازته أو شراؤه بالمال.
يقول مارسيل بروست: إن رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تعني البحث عن ارض جديدة. وإنّما أن يكون للشخص عينان جديدتان".
يجب أن نستيقظ كلّ يوم وكلّ دقيقة وكلّ ثانية لنُسكِت الضجيج في رؤوسنا ونتوقّف عن قول الكلمات الرخيصة وننظر إلى ما هو ابعد من التظاهر والتلهّي بما لا طائل من ورائه. أي أن نركّز على الأفعال فحسب لأن الكلمات تدفن الحقيقة.
إن أفعالنا هي من صنعنا وهي في النهاية كلّ ما نتركه وراءنا.
ترى لماذا تطلّب الأمر هذه الكلمات الكثيرة لقول شيء هو في الأساس معلوم لمعظم الناس؟!


غياب


كلّنا معرّضون من وقت لآخر لأن نفقد أناسا نحبّهم. أقارب، أصدقاء، معارف، زملاء .. إلى آخره.
لكن هل للفقد شكل؟ هل للغياب هيئة ما؟ هل يمكن الوقوف والتحديق في "غياب" من كان له بالأمس حضور ملموس، صلب ومتجسّد؟
أحدهم قال لي مؤخّرا: نعم، إن الأمر أشبه ما يكون بيد تنسحب فجأة من إناء مملوء بالماء. عندما نفقد شخصا ما عزيزا، شيئا ما حميما، فإن العالم يُطبق من حولنا مثل الماء. لكن بالتأكيد، يظلّ ذلك الإحساس القويّ بأن شيئا ما يبقى، يقاوم الغياب، مثل بقعة في العين لا تبرح مكانها إلى الأبد.


الورقة والسحابة


إن كنت شاعرا، سترى بوضوح أن هناك سحابة تطفو على هذه الورقة.
من دون سحابة، لا يوجد ماء.
ومن دون ماء، لا يمكن للأشجار أن تنمو.
وبدون أشجار، لا تستطيع أن تصنع ورقة.
لذا فالسحابة هنا.
إن وجود هذه الصفحة معتمد على وجود سحابة.
لذا فالورقة والسحابة قريبتان جدّا من بعضهما.
- نات هان، معلّم صيني


سؤال


لا أحد منّا يتذكّر حاله قبل ولادته. ولم أقابل أيّ شخص قال إنه أحسّ بالصدمة أو الألم قبل أن يأتي إلى هذه الدنيا.
وإذا كان الوجود أرفع وأسمى منزلة من العدم، فقد كان يجب أن تكون ردّة الفعل على العدم سلبية، بصرف النظر إن كان يحدث قبل الحياة أو بعدها.
إنني أتساءل أحيانا إن كان لهذا علاقة بالسبب في أننا نثمّن الحياة عاليا عندما نكون أحياء.
إن قتل إنسان ما جريمة بشعة. أما أن ننكر على إنسان حقه في أن يولد، ابتداءً، فمسألة تافهة!
إن النقاش حول الإجهاض يتركّز أساسا حول ما إذا كان يمثّل جريمة، وليس حول الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بحرمان الإنسان من حقّه في أن يولد.
والامتناع عن إبداء رأي في المسألة هو شكل من أشكال رفض ذلك الحق، وإنْ ضِمناً.
وهذا يثير سؤالا مهمّا: هل تفضّل أن تموت غدا، أو ألا تكون قد ولدت على الإطلاق؟
ليست الإجابة هي ما يثير العقل ويشحذ الفكر، بل السؤال نفسه!


تحوّلات اوفيد


كان سرب من طيور البحر ما يزال يواصل تحليقه وانقضاضه في الفضاء البعيد.
تطلّع هو إلى فوق وثبّت نظره على أحدها.
في تلك اللحظة، كان جناحا الطائر قد اقتربا كثيرا من بعضهما.
حدّق فيه مليّاً. لم يعجبه شكل منقاره.
كان يتابعه بعينيه وهو يصعد من جديد، شيئا فشيئا، باتجاه قبّة السماء.
وبدأ الجناحان يرسمان دوائر كبيرة ومتّصلة تأخذ شكل حرف O على خلفية من أفق ازرق غائم.
وعندما وصل إلى أعماق الفضاء، تحوّل الطائر إلى نقطة صغيرة نائية.
كان ما يزال يراقب المشهد. وفجأة داهمه شعور لا يُقاوَم بالأنا والرغبة الجامحة.
إعتقد اوفيد أن الدوائر ترمز لأوّل حرف من اسمه.
إنه حرف أساسي، متعلّق بالجوهر، مهيب، مرن وبيضاوي الشكل.
وهو علامة، أو لعله إشارة، تؤكّد أن حلمه الذي طالما داعب مخيّلته يوشك أن يتحقّق.
كان يتوق دائما لأن يُحمل عاليا إلى أعماق الفضاء وأن يحلّق بحرّية مثل الطيور وأن يمارس هناك "تحوّلاته" إلى الأبد.
- جين أليسون
"مترجم بتصرّف".

No comments: