:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, August 27, 2007

لا تتركوني وحيدا

سمعتُ بالأمس قصّة عن شيخ عاش حياة ممتدّة إلى أن ناهز عمره الثمانين عاما، مع ما يرتبط بهذه السنّ من متاعب وعلل الشيخوخة المختلفة.
شيئا فشيئا بدأ الرجل يحسّ باقتراب المنيّة، وصاحب ذلك الإحساس شعور متزايد بالخوف والاضطراب، وذات ليلة وقد أصبح على بعد خطوات من القبر أجهش بالبكاء وقال لزوجته وأولاده بصوت مكتوم وكلمات مرتعشة: لا تتركوني وحيدا في الحفرة"!
وكان يقصد بالحفرة القبر الذي جهّز ليدفن فيه.
وشعر أفراد العائلة بالألم والفجيعة مما سمعوه فانخرطوا جميعا في البكاء لهول الموقف وعجزهم وقلة حيلتهم إزاءه.
أهم دلالات هذه القصّة هي أن الخوف من الموت خوف غريزي ومتأصّل في فطرة الإنسان. إذ بالرغم من أن ذلك الشيخ كان قريبا إلى الله مداوما على أداء الفروض والواجبات الدينية ومؤمنا بالقضاء والقدر وبأن الموت قدر محتوم على كل إنسان، فإن ذلك كله لم يفلح في إزالة أو تخفيف رهبة الموت من نفسه.
كما بدا أن الرجل لم يكن قد تصالح بعد مع فكرة الموت، على الرغم من انه عاش كل هذه السنوات الطوال وأخذ نصيبه من الدنيا بما فيه الكفاية.
هذه القصّة، وغيرها من القصص المشابهة التي سمعتها، أثارت في خاطري سؤالا يمكن أن يصاغ على النحو التالي: أيهما أكثر تصالحا مع فكرة الموت وتسليما بها، المسلم أم المسيحي؟
أظن – والله اعلم – أن الغربيين يتقبّلون فكرة الموت برضا وتسليم اكبر من ذلك الذي عند المسلمين. وأحد الشواهد التي تدعم هذا الافتراض أن كثيرا من الغربيين يخطّطون لمراسم الجنازة كما لو أنهم يخطّطون لحفلات زواجهم ومناسبات أنسهم وفرحهم.
بل إن بعضهم يختار مسبقا شكل الكفن ونوعية الملابس التي سيدفن بها والأشياء والتذكارات التي ستوضع معه في قبره.
وقد يمتدّ ذلك أحيانا إلى تحديد أسماء الأصدقاء والمعارف الذين سيحضرون المأتم من رجال دين ووعّاظ ومتحدّثين وخلافه.
في الإنجيل ليس هناك حديث كثير عن الجنة والنار. غاية ما في الأمر انه إذا مات المؤمن المسيحي فإن يسوع الربّ يكون في استقباله على بوّابة السماء وبين الغيم محيّيا ومرحّبا.
أما القرآن الكريم فيتحدّث كثيرا عن أهوال النار والعذاب الذي اعدّ للمذنبين والخاطئين، لكنه أيضا يتحدّث عن الجنّة وما تمتلئ به من صنوف المتع والملذّات من حور عين وفاكهة وغلمان وأنهار من نبيذ ولبن وعسل.. الخ.
وبناءً على ذلك، فإن المسلم يفترض به ألا يجزع ولا يخاف من الموت لأنه سيكون على موعد مع كل هذه النعم الوفيرة والملذّات الكثيرة التي تنتظره عند مغادرته الحياة الدنيا.
لكن من الواضح أن أيّا من هذه الأمور والتصوّرات لم يكن في ذهن ذلك الشيخ المسكين الذي أرعبته فكرة أن يترك وحيدا في ظلمة القبر، إنه لا يأسى كثيرا على فراق الأهل والولد ولا يبالي بالنعيم المقيم الذي ينتظره في الدار الآخرة.
إن ما يخيفه ويشوّش عقله هو أن يموت وأن يوضع لوحده في حفرة صغيرة وموحشة ارتبط ذكرها في عقول الناس بالعذاب وبالشجاع الأقرع وغير ذلك من القصص والتهيّؤات المخيفة والمرعبة.
انه الخوف الغريزي من الموت الذي لا تفلح في تبديده أو تخفيف أثره النصوص الدينية مهما حملت من وعود بالمكافأة وبالخلود والنعيم الأبدي.
إن برود الغربيين ولا مبالاتهم بالموت أمر مثير للاهتمام فعلا، في الوقت الذي ما يزال الموت يشكّل للكثير منا – نحن المسلمين – هاجسا مخيفا لا يريد احد استحضاره أو التفكير فيه، يستوي في ذلك الأبرار والأشرار، والمحسنون والمذنبون.

8 comments:

Anonymous said...

عزيزي بروم
حالة هذا المسن تدعوا للغرابة من أمره هذا وهو رجل عالم بالكثير من أمو ر الحياة والموت بحكم تدينه ويعلم بأن الموت نهاية كل حي!!
وبنظرتي البسيطة ومعرفي المحدودة أرى أن الموت نهاية قدرية لكل إنسان ولا خوف منه ولابد أن هناك رحمة من أرحم الراحمين تشمل كل من لم يرتكب الذنوب أو الكبائر التي لاتغتفر.. ..ولكن اصعب لحظات الموت هي فراق الاحبة والمقربين والتي يحترق بها الاحياء من ذويهم والمحبين لهم.
قصة اثارت حفيظتي للرد على ذ الجمال اللغوي الذي وجته في هذا السرد الجميل شكرا لك مرة أخرى والله معاك

Anonymous said...

I leave you a video on non violence. I hop you enjoy.
Big Hug, Roberto
Contact: crisol1950@gmail.com
http://video.google.fr/videoplay?docid=6753184449967918648&hl=fr+

بحرينية said...

اما اليابانيين فعندهم الانتحار على بيزة
لانه مافي نص في دينهم يحرم قتل النفس
و بالنهاية يعد الموت شي غامض مخيف عند البعض , له هيبة عند البعض الآخر وكل الاديان اتفقت على انه امر محتم على جميع البشر
شكرا لك يا بروميثيوس على البوست

Prometheus said...

الاعزاء

Anonymous
شكرا جزيلا لك على الكلام الجميل والموزون. طبعا لا اختلف معك في شيء مما كتبته.‏

Prometheus said...

Anonymous
Thanks for the link. The video is quite interesting and the message contained therein ‎is just great.‎

Prometheus said...

بحرينية
بل الشكر والتحية لك يا عزيزتي على وعيك العالي ورأيك السديد لا عدمتك
خالص مودتي.‏

Entropy said...

تذكرت حديثا شريفا كنت قد سمعته أو قرأته و لا أستحضر نصه الحرفي، و معناه: أنه لا يجتمع في قلب مؤمن دنا من الموت الخوف و الرجاء، إلا أعطاء الله ما يرجو و أمّنه مما يخاف.

أي أن الخوف لا بد و أن يكون متواجدا في قلب المؤمن في نفس الوقت الذي يتذكر فيه و يستحضر رحمة الله.

وفي الأدعية المأثورة دائما ما تجد الخوف والرجاء متلازمان في كثير منها:
اللهم إنا نرجو رحمتك و نخشى عذابك...وغيرها كثير

بالنسبة للغربيين...اختلف معك في الرأي. من واقع اختلاطي ببعض منهم أستطيع أن أحكم عليهم أنهم يخافون الموت جدا وما اهتمامهم بالجنائز و ترتيبها إلا امتداد لحبهم للنظام والترتيب وتنظيم المناسبات بشكل عام....بغض النظر عن أن ترتيب الجنائز أصبح من أنواع التجارة المربحة جدا هنا. و يتكلف أهل الميت الكثير من المبالغ في سبيل ترتيب جنازة لائقة بالميت مما حدا بهم لأن يرتبوا لتكاليفها مسبقا كما يرتبون لتكاليف ارسال أبنائهم للجامعات!!

أتحدى أحدا أن يقول أنه لا يهاب الموت أو لا يخاف مما يأتي بعده...سواء المسلم أو المسيحي أو أي كان دينه

طبيعة الانسان أنه يخاف من المجهول....ويبقى الموت أكثر الأشياء التي نراها يوميا لكن لا يعلم طبيعته إلا الموتى

Prometheus said...

اهلا انتروبي.‏
كيف الحال. ‏
الحقيقة ان كل النقاط التي اثرٍتِها تستحق التفكير خاصة ما تضمنته ‏الاحاديث الشريفة من اشارات تقرن الخوف بالرجاء الخ.‏
ايضا كلامكِ عن رؤية الغربيين للموت لا يخلو من منطق وإن ‏كنت اظن ان الانسان يمكن ان يكون متصالحا مع فكرة الموت ‏حتى وان كان يهابه ويخشاه في قرارة نفسه.‏
تحياتي وشكري الجزيل لكِ على اثراء الموضوع بمداخلتك ‏الرائعة.‏