تخيّلت منزلا خشبيا منخفضا بسقف من القرميد، محكم الإغلاق ضدّ العواصف، مع موقد حطب مشتعل في الداخل وجدران مزيّنة بأفضل الكتب، مكانا للعيش فيه عندما ينفجر العالم من حولنا. صعدت درباً، ومن قمّته نظرت باتجاه مجرى النهر. رأيته يتلألأ وينساب بين المنحدرات البيضاء كالعظم، يتخلّلها شريط من الأراضي الزراعية الزمرّدية على جانبيها. وبعيدا عن المنحدرات، امتدّت الصحراء. لم يكن هناك صوت سوى صوت الريح وهي تعوي بين الأشواك وتصفر بين الأعشاب الذابلة. ولم يكن هناك أيّ أثر للحياة سوى صقر وخنفساء سوداء تتهادى على الحجارة البيضاء. في إحدى تأمّلاته الكئيبة، رأى باسكال أن جميع مصائبنا تنبع من سبب واحد: عجزنا عن البقاء هادئين في غرفة. وتساءل: لماذا ينجذب المرء الميسور الحال إلى قضاء أوقات فراغه في رحلات بحرية طويلة، أو إلى السكن في مدينة أخرى، أو إلى الحروب وسحق الجماجم؟ في ما بعد، وبعد مزيد من التأمّل، وبعد أن اكتشف سبب مصائبنا، رغب في فهم دوافعها، فوجد سببا وجيها للغاية، ألا وهو التعاسة الطبيعية لحالتنا البشرية الفانية، لدرجة أنه عندما نوليها كلّ اهتمامنا، نجد أن لا شيء يعزّينا. أفراد قبيلة ...
في كتابه "غراند كانيون: البحث عن هويّة إنسانية"، يأخذ "دون لاغو" قرّاءه الى واحد من أروع المناظر الطبيعية على وجه الأرض، الغراند كانيون "أو الأخدود العظيم"، الذي "يجسّد الزمن السحيق والقوى الجيولوجية والتطوّر البيولوجي، بطريقة تتيح لك لمسه بيديك والتأثّر به والشعور به في داخلك". كما يدعو القارئ للغوص معه في أعماق الوادي، أي إلى أعماق الزمن نفسه، إلى الوراء حوالي 14 بليون سنة، إلى بداية الكون مع الانفجار العظيم. إنها رحلة طويلة في كتاب طويل يطلب منا مؤلّفه التركيز على رؤية آثار الدهور واستشعارها. ويذكّرنا الكاتب بديفيد ثورو قائلا: لقد منحَنا أداة قويّة لاستكشاف علاقتنا بالطبيعة. وكان سعيداً باكتشاف الجمال الظاهري للطبيعة على طول الطريق، لكنه كان يبحث عن جمال أعمق". ويضيف: عاش ثورو في زمن مبكّر جدّا لذا لم يُعرف عنه الكثير، وكذلك فعل السكّان الأصليون الذين سكنوا غراند كانيون منذ آلاف السنين. لم تبدأ قصصهم عن الخلق بانفجار، بل في رحم الأرض الأم. ظهر البشر في الوادي واتخذوا مكانهم فيه وحوّلوه إلى قصص ربطت بين الناس والصخور والنباتات و...
أقف الآن على مشارف السبعين. أنظر إلى الماضي واتأمّل كيف انصرمت هذه السنوات سريعا، وما الذي حقّقته خلالها وما الذي لم أحقّقه. البعض يشبّه حياة الإنسان بالسيمفونية الموسيقية. وهذا الوصف دقيق ومقنع إلى حدّ كبير. فالحياة مثل السيمفونية من حيث أن لها بداية ونهاية. كما أنها تحتوي على حركات ومقاطع وأنغام مختلفة ومتنوّعة يشارك في صوغها أناس متعدّدون. من المفردات التي أتوقّف عندها وتحفّزني على التفكير طويلا كلمة "ممرّات". وهي تعني العبور من مرحلة إلى أخرى أو الانتقال من طور لآخر: طفولة، شباب، نضج، مرض، موت .. وهكذا. بعض الناس يعتبرون الزواج احد المراحل الرئيسية في الحياة. ولا يفوق هذه المرحلة من حيث الأهمّية سوى إنجاب الأطفال. والبعض يقيسون حياتهم بالعقود، عندما يتحدّثون عن العشرينات والثلاثينات والأربعينات إلى آخره. موت الأبوين يشكّل مرحلة حزينة في حياة أيّ إنسان. وهو حدث ينبّه الإنسان إلى انه، هو أيضا، يقترب من هذه التجربة في إطار ما يُسمّى بالحالة الإنسانية. إن عدم فهم الإنسان لمعنى الحياة قد يعرّضه للعديد من الأمراض والانتكاسات على المستويين الفردي والاجتماعي. عندما كسرتُ حا...