نصوص مترجمة


تخيّلت منزلا خشبيا منخفضا بسقف من القرميد، محكم الإغلاق ضدّ العواصف، مع موقد حطب مشتعل في الداخل وجدران مزيّنة بأفضل الكتب، مكانا للعيش فيه عندما ينفجر العالم من حولنا.
صعدت درباً، ومن قمّته نظرت باتجاه مجرى النهر. رأيته يتلألأ وينساب بين المنحدرات البيضاء كالعظم، يتخلّلها شريط من الأراضي الزراعية الزمرّدية على جانبيها. وبعيدا عن المنحدرات، امتدّت الصحراء. لم يكن هناك صوت سوى صوت الريح وهي تعوي بين الأشواك وتصفر بين الأعشاب الذابلة. ولم يكن هناك أيّ أثر للحياة سوى صقر وخنفساء سوداء تتهادى على الحجارة البيضاء.
في إحدى تأمّلاته الكئيبة، رأى باسكال أن جميع مصائبنا تنبع من سبب واحد: عجزنا عن البقاء هادئين في غرفة. وتساءل: لماذا ينجذب المرء الميسور الحال إلى قضاء أوقات فراغه في رحلات بحرية طويلة، أو إلى السكن في مدينة أخرى، أو إلى الحروب وسحق الجماجم؟
في ما بعد، وبعد مزيد من التأمّل، وبعد أن اكتشف سبب مصائبنا، رغب في فهم دوافعها، فوجد سببا وجيها للغاية، ألا وهو التعاسة الطبيعية لحالتنا البشرية الفانية، لدرجة أنه عندما نوليها كلّ اهتمامنا، نجد أن لا شيء يعزّينا.
أفراد قبيلة البوشمان، الذين يقطعون مسافات طويلة عبر صحراء كالاهاري، لا يدركون مصير الروح في العالم الآخر. يقولون: عندما نموت، نموت. تمحو الرياح آثار أقدامنا، وهذه هي نهايتنا". أما الشعوب البطيئة والمستقرّة، كالمصريين القدماء، بمفهومهم عن رحلة ما بعد الموت عبر حقول القصب، فيُسقطون على العالم الآخر الرحلات التي لم يوفّقوا في القيام بها في هذا العالم. ب. تشاتوين

❉ ❉ ❉

ربّما لا نكبر في الواقع، بل نتعب من الداخل. نتعب من الضجيج المستمر، من الأخبار والصور والآراء، ومن الطلب المتواصل على انتباهنا. ولعلّ هذا هو السبب في أنك ترى الكثير من الشباب اليوم بعيون مرهَقة، وإلى جانبهم كبار السنّ الذين يشعّون حيويةً ويحافظون على صحّتهم ونشاطهم.
أعتقد أن الأمر لا يتعلّق بالعمر فحسب، بل بما نوجّه إليه عقولنا وانتباهنا. في مرحلة ما، يبدأ المرء بالاختيار، بوعي أكبر، ما يقرؤه وما ينظر إليه والأفكار التي يقضي معها يومه.
في الماضي، كنت أقرأ غالبا لمجرّد التسلية. أما اليوم، فأقدّر الكتب التي تجبرني على التمعّن في الفكرة والتعمّق فيها وعدم التخلّي عنها فورا. ربّما يبدو هذا قديما بعض الشيء هذه الأيّام، لأننا اعتدنا على استهلاك الأشياء بسرعة، الأخبار والمنشورات والآراء والصور. كلّ شيء يمرّ سريعا وغالبا ما يتلاشى من أذهاننا في لحظات.
لكن الكتاب الجيّد يفعل العكس تماما. فهو يتطلّب وقتا وهدوءا وانتباها. ولعلّ هذه هي قيمته الحقيقية. ليس فقط في المعرفة التي يحتويها، بل في الطريقة التي يعلّمنا بها أن نفكّر بهدوء ودقّة أكبر.
الكتاب الجيّد يجبرني على التمعّن في فكرة واحدة. والموسيقى قادرة على إضفاء البهجة على يوم كامل. وأحيانا تكفي صورة واحدة أو جملة أو مقطوعة موسيقية لإعادة الهدوء إلى النفس والصفاء الى الذهن.
تذكّرنا هذه الأشياء بأن الانتباه ثمين، وبه نستطيع استعادة جزء من حياتنا، ليس باستهلاك المزيد والمزيد، بل بأن نختار بوعي ما نسمح له بالدخول إلى أنفسنا. ت. ستغلر

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

تقع مغارة بلومبوس في أعماق منحدرات الساحل الجنوبي لجنوب إفريقيا، وهي عبارة عن حجرة أثرية تطلّ على المحيط الهندي الشاسع. وعلى جدرانها وفي تربتها، عثر علماء الآثار على شظايا تحكي قصّة نهضة البشرية، لا بالكلمات بل بالرموز. وتعود هذه الشظايا الصغيرة، المنقوشة بدقّة بأنماط هندسية، إلى ما يقرب من 75 ألف عام. وإلى جوارها عُثر على خرَز من الصدف مثقوب ومصقول ومصبوغ بصبغة حمراء.
عندما قرأتُ لأوّل مرّة عن هذا الكهف، شعرتُ وكأنني عثرت على بوّابة إلى العقل البشري. حتى هذه اللحظة من رحلة الإنسان، كان الفنّ غريزيا. بصمات أصابع في الرماد وبقع صبغة طين عفوية على الحجر، وربّما إيماءات طقوسية بالألوان. لكن هنا، ولأوّل مرّة، أصبحت الخطوط نفسها ذات معنى.
لم تكن النقوش صوراً لحيوانات أو بشر، بل كانت أفكاراً. أي أن الإنسان، وللمرّة الأولى، لم يكتفِ برؤية العالم، بل قام بتفسيره. ولم يكن العقل الكامن وراء ذلك الحجر المصبوغ يتفاعل مع محيطه فحسب، بل كان يعكسه. كان هذا هو الوعي في حالة تجسّد. كانت هذه هي الإنسانية تقول: أرى ما وراء المرئي.
تُذكّرنا نقوش بلومبوس بأن الرموز سبقت اللغة. فقبل أن نتكلّم بزمن طويل، كنّا نرسم. وربّما كانت تلك القطع الصغيرة من صبغة الطين بنقوشها المتقاطعة تحمل معنى لن نفكّ شفرته بالكامل. كان ذلك يعني إمكانية تبادل الأفكار وتواصل العقول من خلال الشكل والإيقاع. وهذا هو الهدف الأزلي للفن: التواصل الذي يتجاوز التفسير.
وبصفتي فنّانة اليوم، غالبا ما أشعر بنفس الدافع: ترك أثر لشيء غير مرئي وترجمة الشعور إلى شكل. ربّما لم يكن الفنّان في بلومبوس يعرفني، لكن لفتته تبدو مألوفة، همسة من مبدع إلى آخر عبر خمسة وسبعين ألف عام من الصمت.
كان فنّا للروح، لا للوظيفة ولا للعبادة، بل لبهجة الإبداع نفسه. وبهذا المعنى، سعى كلّ فنّان على مر التاريخ، إلى الإجابة عن السؤال الصامت نفسه: ما معنى أن تكون حيّا وواعيا؟ وكلّ علامة وكلّ ضربة فرشاة وكلّ رمز منذ ذلك الحين، كان محاولتنا للإجابة عن هذا السؤال.
في حياة كلّ إنسان، تأتي لحظة لا يعود فيها البقاء على قيد الحياة كافياً، حين نتوق إلى المعنى والجمال والتأمّل. وهذا، في رأيي، هو الإرث الحقيقي لكهف بلومبوس. لم يكن مجرّد ميلاد للفن، بل كان ميلادا للوعي الروحي. سدرة حكيم

❉ ❉ ❉

لولا قصص الكتب والترحال ما كان لنا أن نستلقي على ظهورنا في القلعة الحمراء ونشاهد النسور تحلّق فوق الوادي الذي قتلت فيه حفيد جنكيز خان. ولا أن نقرأ مذكّرات بابر في حديقته ونرى الرجل الأعمى يتجوّل بين شجيرات الورد. ولا أن نجلس في سلام مع متسوّلي غازار جاغ. ولا أن نقف على رأس بوذا في باميان، منتصبين في محرابه كحوت في حوض جافّ.
ولا أن ننام في خيمة بدوية. ولا أن نتسلّق مئذنة جام. وكنّا سنفقد مذاقات الخبز الساخن المرّ والشاي الأخضر بنكهة الهيل والعنب الذي برّدناه في ذوبان الثلج والمكسّرات، والتوت المجفّف الذي كنّا نتناوله لعلاج داء المرتفعات. ولا أن نستعيد رائحة حقول الفاصولياء ولا رائحة خشب الأرز الحلوة المحترقة ولا نفحة النمر الثلجي على ارتفاع 14 ألف قدم.
لقد أرادت لنا الطبيعة أن نكون مترحّلين. والاستقرار لفترة طويلة، سواءً في كهف أو قلعة، لم يكن في أحسن الأحوال سوى قطرة في محيط الزمن التطوّري. (...)

❉ ❉ ❉

قد لا تحتوي سحابة ركامية صيفية رقيقة تمتدّ لمئات الأمتار على أكثر من 25 أو 30 غالونا من الماء، أي ما يكفي لملء حوض استحمام تقريبا. ويمكنك أن تستشعر عدم ماديّة السحب بالتجوّل في الضباب الذي هو في النهاية ليس أكثر من سحابة لا ترغب في الطيران.
وإذا مشيت مائة ياردة في ضباب عادي، فلن تلامس سوى نصف بوصة مكعّبة من الماء، وهو ما لا يكفي لشربة جيّدة. لذا فإن السحب ليست خزّانات كبيرة للمياه. فقط حوالي 0.035% من المياه العذبة على سطح الأرض هي التي تطفو فوقنا على هيئة غيوم. ج. تريفيل

❉ ❉ ❉

قال الإمبراطور، ناظرا إلى جيستر: أنت صغير جدّا على الحديث عن الموت. تعلّم أن تعيش، وأن تستمتع بالنعم التي مُنحت لك: حرارة الشمس وبرودة البحر عند الظهيرة وعطر الغابة في المساء والخيول وهي تعدو في السهل. أنت غنيّ لأنك حيّ. حتى التعاسة هي حياة. تعلّم أن تحبّ وتستمتع، وتعلّم أيضا أن تتألّم. وعندما يحين الأجل، ستتعلّم كيف تموت.
واعلم أننا في النهاية سنموت جميعا. لكن سيبقى منّا أثر كأثر النور، ينقل إلى الأجيال القادمة كلّ ما هو عظيم في العمل والخيال. إن ما يسطع في ذاكرة البشر إلى الأبد، أكثر من القصور المتداعية والتماثيل المشوّهة، هو سعي العقل للارتقاء فوق الوجود اليومي بالضحك والدهشة والفكر الخلّاق وجمال الكلمة وروعة الأفكار. ج. دورميسون

❉ ❉ ❉

كان العزف مذهلا. لم أكن لأتخيّل عازفا أروع. عندما انتهى قال: الآن سأعزف شوبان. هل توافق؟" ثم استبدل تمثال بيتهوفن بتمثال شوبان. "هل ترغب في عزف مقطوعات فالس أم مازوركا؟". "مازوركا". "إذن سأعزف مقطوعتي المفضّلة، إنها آخر ما كتبه شوبان." وعزف المازوركا التي أملاها شوبان على فراش الموت. صفّرت الرياح في الشارع وتسلّلت الموسيقى من البيانو كأوراق الشجر فوق شاهد قبر وشعرتَ وكأنك في حضرة عبقري. (...)

❉ ❉ ❉


Credits
archive.org
online-literature.com

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

مخطوطات قرآنية نادرة

أساطير قديمة: التّنين