سيّد الأنهار الخمسة/2
قبيل انطلاقي في مهمّتي، حظيت بمقابلة أخرى مع المهراجا رانجيت سنغ الذي استقبلني بحفاوة بالغة. وكما حدث في المرّة السابقة، طرح عليّ أسئلة عديدة، وبدا مسرورا لفهمي لإشاراته الصامتة، وشجّعني على سرد المغامرات التي خضتها. وفي المقابل، تحدّث هو عن بدايات مسيرته المهنية، وأخبرني بضرورة حضوري اللقاء المقرّر بينه وبين الحاكم البريطاني العام للهند في "روبار".
أظهر حُكم رانجيت سنغ أن التنوّع قد يكون مصدر قوّة، وأن الموهبة يجب أن تتفوّق على الأصل والنسب وأن المجتمعات المختلفة قادرة على تقاسم السلطة. لم يكن مثاليّاً، ولكنه كان لافتاً للنظر في عصره.
والمؤسف أنه لم يضع إجراءات واضحة لخلافته. فقد أنجب أبناءً عديدين من زوجات مختلفات ولم يعيّن وريثاً ولم يتخذ أيّ ترتيبات مؤسّسية لنقل السلطة. وقد كان لهذا نتائج كارثية في ما بعد.
قبل مغادرتي مجلس البلاط، شهدت بعض الأمثلة على كيفية تطبيق العدالة في البنجاب. فقد أحضر أحد الجنود رجلا بائسا متّهما بسرقة ثمرة خوخ من إحدى الحدائق. وكنت قد رأيت ذلك الجنديّ أثناء مروري بالشارع وهو يأخذ حاجته وحاجة حصانه مجّانا من متجر لبيع الحبوب. وصدر بحقّ الجاني أمر بأن يُربط مثل الخيول لمدّة عام، وأن يُجبر على البقاء مستلقيا على بطنه، وذراعاه وساقاه ممدودة بالكامل.
وفي تلك الأثناء، اندفع رجل من طائفة البراهمة إلى المجلس صارخا ومطالبا بالعدالة. وبعد عناء، تمكّن من شرح أن أحد المتنفّذين استولى على أرض توارثت عائلته ملكيّتها منذ أجيال عديدة. وردّ المهراجا رانجيت سنغ بأن قضيته ستخضع للتحقيق. لكن ذلك الردّ لم يكن مُرضيا للرجل.
فقام الشاكي بتمزيق قميصه عن صدره، وقبل أن يتمكّن أحد من إيقافه، كان قد أحدثَ عدّة جروح عميقة في جسده. كان الرجل ينتمي إلى فئة تُعرف باسم "ضاربي السكاكين"، وهم أفراد ينتزعون العدالة بهذه الطريقة، وغالبا ما يحقّقون مآربهم عبر أسلوب الاحتجاج القسري الفوري. ولم أعرف عمّا حلّ بذلك البراهمي قط.
عندما ذهبت لزيارة المهراجا مرّة أخرى، ناولني بيده بندقية جميلة من طراز "ماتشلوك"، مشيرا إلى أنها دقيقة التصويب من مسافة ثمانمائة ياردة، وقال: إذا كان تقديري صائبا يا بيلاتس، فلن تلقى هذه البندقية في يديك إلا الاستخدام النزيه". وعند سماع هذا الإطراء، لاحظت أن أحد الضبّاط الأوروبيين أخذ يفتل شاربه، ورأيت بعض الحاضرين الآخرين في القاعة وهم يتبادلون نظرات متوجّسة في ما بينهم.
خلال هذا اللقاء كنت أبدو جادّا ومتحفّظا، وهو ما لاحظه المهراجا، فقال: من الغريب أنك تبدو اليوم وكأنك خضعت لعقوبة ما"! قلت: كلا يا صاحب المعالي، ولكن عندما مثُل خادمكم بين أيديكم لأوّل مرّة، لم تكن عليه أيّ أعباء، إذ لم يكن لديه سوى حصانه الأصيل ليعتني به، وسيفه ليذود به عن نفسه. أما الآن، فقد صار عليه أن يضع في حسبانه هموم واحتياجات الكثيرين، وفوق ذلك كلّه عليه أن يرعى مصالح معاليكم".
وردّ المهراجا سنغ بقوله: أحسنت القول يا بيلاتس، فكلامك حكيم، لكن همومك سابقة لأوانها، فقدمك بالكاد استقرّت في الركاب، ولا داعي لأن تتصرّف من الآن وكأنك حاكم".
لاحظت نظرة سخرية ترتسم على أكثر من وجه. وبنظرة ملؤها الكبرياء والشموخ، أدرتُ بصري في أرجاء الغرفة وقلت: أمام مُنعمه، يغمر التواضع الخادم. ولكن حتى في حضرة الملوك، تحسد الغربان النسر".
بدا الانزعاج واضحا على بعض كبار القادة بسبب هذا التعليق، وتدخّل آخرون لتغيير مجرى الحديث. ثم انفضّ المجلس وحصلت على إذن بالانصراف.
في اليوم التالي لآخر مقابلة رسمية لي مع المهراجا، انطلقت في رحلتي الى كانغرا. سارت الأمور بسلاسة لبضعة أيّام، وأُعجبت بروح الدعابة والعفوية التي يتحلّى بها السيخ، ودُهشت من التحسّن المفاجئ في هيئة مساعدي وسلوكه.
كان غالبا ما يقترب منّي ويسير بجانبي أو خلفي بقليل، بكلّ احترام، ساعيا لضمان راحتي وتذليل أيّ عقبات محتملة. كان مرح الرجال بالغا، وما أن نصل إلى موقع للتخييم، حتى ينتشر الرجال في الأرجاء لجلب العلف، ثم يستأنفون المسير في صباح اليوم التالي بنشاط وحيوية.
ومع تقدّمنا، تزايد اهتمام "ناند سنغ" بي، إذ كان ثلاثةٌ من رجاله ذوي الملامح الشرسة يلازمونني باستمرار. لم ترُق لي هيئتهم، لكنهم كانوا يقظين ونشيطين ويلبّون احتياجاتي قبل أن أطلبها. وفي المساء، كنت عادةً ما أخرج للتجوّل حاملا بندقية على كتفي. والآن، ومع اقترابنا من التلال المنخفضة، أصبحت رحلاتي أطول، بل وكانت تمتدّ أحيانا إلى ما بعد حلول الظلام.
وقد وبّخني كلّ من "علي وردي خان" وخادمي الخاص "حسين علي" بسبب ذلك قائلَين: يا صاحب! ألا ترى أيّ نوع من الأوغاد يحيطون بالمخيّم؟! هناك المئات ممّن قد يطلقون النار عليك لمجرّد الطمع في قطعة الحرير التي تزيّن قبّعتك أو طمعا في بندقيّتك. ثم إنك لست بلا أعداء، وقد لاحظنا مؤخّرا أن تحرّكاتك مرصودة".
أظهر حُكم رانجيت سنغ أن التنوّع قد يكون مصدر قوّة، وأن الموهبة يجب أن تتفوّق على الأصل والنسب وأن المجتمعات المختلفة قادرة على تقاسم السلطة. لم يكن مثاليّاً، ولكنه كان لافتاً للنظر في عصره.
والمؤسف أنه لم يضع إجراءات واضحة لخلافته. فقد أنجب أبناءً عديدين من زوجات مختلفات ولم يعيّن وريثاً ولم يتخذ أيّ ترتيبات مؤسّسية لنقل السلطة. وقد كان لهذا نتائج كارثية في ما بعد.
قبل مغادرتي مجلس البلاط، شهدت بعض الأمثلة على كيفية تطبيق العدالة في البنجاب. فقد أحضر أحد الجنود رجلا بائسا متّهما بسرقة ثمرة خوخ من إحدى الحدائق. وكنت قد رأيت ذلك الجنديّ أثناء مروري بالشارع وهو يأخذ حاجته وحاجة حصانه مجّانا من متجر لبيع الحبوب. وصدر بحقّ الجاني أمر بأن يُربط مثل الخيول لمدّة عام، وأن يُجبر على البقاء مستلقيا على بطنه، وذراعاه وساقاه ممدودة بالكامل.
وفي تلك الأثناء، اندفع رجل من طائفة البراهمة إلى المجلس صارخا ومطالبا بالعدالة. وبعد عناء، تمكّن من شرح أن أحد المتنفّذين استولى على أرض توارثت عائلته ملكيّتها منذ أجيال عديدة. وردّ المهراجا رانجيت سنغ بأن قضيته ستخضع للتحقيق. لكن ذلك الردّ لم يكن مُرضيا للرجل.
فقام الشاكي بتمزيق قميصه عن صدره، وقبل أن يتمكّن أحد من إيقافه، كان قد أحدثَ عدّة جروح عميقة في جسده. كان الرجل ينتمي إلى فئة تُعرف باسم "ضاربي السكاكين"، وهم أفراد ينتزعون العدالة بهذه الطريقة، وغالبا ما يحقّقون مآربهم عبر أسلوب الاحتجاج القسري الفوري. ولم أعرف عمّا حلّ بذلك البراهمي قط.
عندما ذهبت لزيارة المهراجا مرّة أخرى، ناولني بيده بندقية جميلة من طراز "ماتشلوك"، مشيرا إلى أنها دقيقة التصويب من مسافة ثمانمائة ياردة، وقال: إذا كان تقديري صائبا يا بيلاتس، فلن تلقى هذه البندقية في يديك إلا الاستخدام النزيه". وعند سماع هذا الإطراء، لاحظت أن أحد الضبّاط الأوروبيين أخذ يفتل شاربه، ورأيت بعض الحاضرين الآخرين في القاعة وهم يتبادلون نظرات متوجّسة في ما بينهم.
خلال هذا اللقاء كنت أبدو جادّا ومتحفّظا، وهو ما لاحظه المهراجا، فقال: من الغريب أنك تبدو اليوم وكأنك خضعت لعقوبة ما"! قلت: كلا يا صاحب المعالي، ولكن عندما مثُل خادمكم بين أيديكم لأوّل مرّة، لم تكن عليه أيّ أعباء، إذ لم يكن لديه سوى حصانه الأصيل ليعتني به، وسيفه ليذود به عن نفسه. أما الآن، فقد صار عليه أن يضع في حسبانه هموم واحتياجات الكثيرين، وفوق ذلك كلّه عليه أن يرعى مصالح معاليكم".
وردّ المهراجا سنغ بقوله: أحسنت القول يا بيلاتس، فكلامك حكيم، لكن همومك سابقة لأوانها، فقدمك بالكاد استقرّت في الركاب، ولا داعي لأن تتصرّف من الآن وكأنك حاكم".
لاحظت نظرة سخرية ترتسم على أكثر من وجه. وبنظرة ملؤها الكبرياء والشموخ، أدرتُ بصري في أرجاء الغرفة وقلت: أمام مُنعمه، يغمر التواضع الخادم. ولكن حتى في حضرة الملوك، تحسد الغربان النسر".
بدا الانزعاج واضحا على بعض كبار القادة بسبب هذا التعليق، وتدخّل آخرون لتغيير مجرى الحديث. ثم انفضّ المجلس وحصلت على إذن بالانصراف.
في اليوم التالي لآخر مقابلة رسمية لي مع المهراجا، انطلقت في رحلتي الى كانغرا. سارت الأمور بسلاسة لبضعة أيّام، وأُعجبت بروح الدعابة والعفوية التي يتحلّى بها السيخ، ودُهشت من التحسّن المفاجئ في هيئة مساعدي وسلوكه.
كان غالبا ما يقترب منّي ويسير بجانبي أو خلفي بقليل، بكلّ احترام، ساعيا لضمان راحتي وتذليل أيّ عقبات محتملة. كان مرح الرجال بالغا، وما أن نصل إلى موقع للتخييم، حتى ينتشر الرجال في الأرجاء لجلب العلف، ثم يستأنفون المسير في صباح اليوم التالي بنشاط وحيوية.
ومع تقدّمنا، تزايد اهتمام "ناند سنغ" بي، إذ كان ثلاثةٌ من رجاله ذوي الملامح الشرسة يلازمونني باستمرار. لم ترُق لي هيئتهم، لكنهم كانوا يقظين ونشيطين ويلبّون احتياجاتي قبل أن أطلبها. وفي المساء، كنت عادةً ما أخرج للتجوّل حاملا بندقية على كتفي. والآن، ومع اقترابنا من التلال المنخفضة، أصبحت رحلاتي أطول، بل وكانت تمتدّ أحيانا إلى ما بعد حلول الظلام.
وقد وبّخني كلّ من "علي وردي خان" وخادمي الخاص "حسين علي" بسبب ذلك قائلَين: يا صاحب! ألا ترى أيّ نوع من الأوغاد يحيطون بالمخيّم؟! هناك المئات ممّن قد يطلقون النار عليك لمجرّد الطمع في قطعة الحرير التي تزيّن قبّعتك أو طمعا في بندقيّتك. ثم إنك لست بلا أعداء، وقد لاحظنا مؤخّرا أن تحرّكاتك مرصودة".
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
ذات مساء، كنّا قد اصطدنا غزالا وبعض طيور الحجل الأسود. وعند الغروب، بدأنا رحلة العودة إلى المخيّم. كنا نمتطي خيولنا، وكان علينا اجتياز مسافة خمسة أميال من أرض وعرة ومتشابكة، يتخلّلها مجريان مائيّان عميقان يشبهان الوديان الضيّقة.
عبرنا المجرى الأوّل، وعند الثاني وجدنا مياهاً بعمق قدمين تقريبا. وكانت الضفاف تكتظّ بشجيرات كثيفة توازي قامة رجل. شققنا طريقنا عبرها بحذر شديد نظراً لحلول الظلام. كان رجال "المولتاني" قد اقتربوا منّا، فأصبحنا مجموعة من تسعة أشخاص. وعندما توسّطنا المجرى، انهمرت علينا دفعة من نيران البنادق من مسافة لا تتجاوز ثلاثين ياردة.
"تفرّقوا يا رجال، واندفعوا للعبور! لا تطلقوا النار، بل هاجموا هؤلاء الأوغاد بسيوفكم". هكذا صرخت، بينما كنت أسمع أزيز الرصاص يمرّ بجوار أذني. اندفعنا وعبرنا النهر قبل أن يتمكّنوا من إعادة حشو بنادقهم، لكن المعتدين لاذوا بالفرار واختبأوا بين الشجيرات الكثيفة. ورغم أننا بحثنا عنهم ومشّطنا المكان، إلا أننا لم نتمكّن من العثور على أحد منهم.
لم يحدث شيء يستحقّ الذكر حتى وصلنا إلى "كانغرا". وعند الاقتراب منها، استنفرتُ كلّ ما لديّ من مهارات دبلوماسية، متوقّعا ألا يكون دخولي إليها أمرا سهلا، رغم كوني مسلّحا بمرسوم ملكي ومدعوما بقوّة عسكرية كبيرة. ومع ذلك، لم أكن ممّن يشكّون في قدراتهم، فأمرت بالتوقّف حين صرنا على مسافة قريبة من القلعة، وكلّفت مساعدي الخاص بحمل رسالة مهذّبة إلى الحاكم، مرفقة بنسخ من الأوامر الرسمية.
وخلال النهار، وردني ردّ من "كانغرا" جاء مطابقا لما توقّعته تماما: وصولكم شرف عظيم لنا، ولا شيء يسرّ العقيد "دانداوار سنغ" أكثر من إفساح المجال لفارس وبطل عظيم مثلكم".
لم يمضِ وقت طويل على وجودي في كانغرا حتى تلقّيت مرسوما بخطّ يد "الفقير" وختمه، يبدي فيه تأييدا تامّا لكلّ ما فعلته، ويشجّعني على مواصلة نهجي الحالي، ويعدني بالحماية والمكافأة. وبعد أسبوع، وصل "علي وردي خان" ومجموعته، جالباً معه الآن سبعة من أفراد المجموعة التي كانت قد هاجمتنا.
كانوا حثالة من الأشرار من قبيلة من الغجر الذين يجوبون الهند ويمارسون مهنتهم المعتادة كلصوص ومتسوّلين ولاعبي خفّة. وهم يميلون إلى شراء أو سرقة الإناث الصغيرات لزجّهن في حياة الفجور. وبعضهم لم يكن يَعرف تماما إن كان مسلما أم هندوسيا، وقد اعتادوا منذ صغرهم على أعمال سفك الدماء والسلب والنهب.
جاءت الأنباء عن مرض المهراجا رانجيت سنغ ودخوله في غيبوبة طويلة. وفي مساء 27 يونيو 1839، توفّي. وفور انتشار الخبر علت أصوات الناس وهم ينتحبون ويحثون التراب على رؤوسهم ويطرحون أنفسهم أرضا ويضربون رؤوسهم بالطوب والحجارة. واستمرّ هذا الحال طوال الليل. ومن وقت لآخر، كانت صرخاتهم تزداد حدّة كلّما نظروا باتجاه الجثّة.
وفي الصباح، جُهّز جثمان المهراجا للجنازة بتعطيره وتزيينه بالحُلي. ولم يُسمح لأحد بالانضمام إلى الموكب عدا أصحاب الرُّتب النبيلة. ثم حُمل على أكتاف الجنود، يتقدّمهم موسيقيون يعزفون ألحانهم الحزينة. وتبعتهم زوجاته الأربع، مرتدياتٍ أفخم الملابس، وتبعتهنّ الجواري سيرا على الأقدام.
وأظهرت الزوجات رباطة جأش تامّة، فبدلا من إظهار أيّ خوف من الموت الرهيب الذي ينتظرهن، ظهرنَ في حال من الحماس الشديد وصعدن إلى محرقة الجثث. وطلبت اثنتان منهن، لم تتجاوزا السادسة عشرة من العمر وتتمتّعان بجمال فائق، مرآة وسارتا بخطى وئيدة نحو كومة الحطب، وهما تنظران تارة إلى المرآة في أيديهما وتارة إلى الحضور، وتسألان بقلق عمّا إذا كان هناك أيّ تغيير ملحوظ في ملامحهما.
وبعد وضع جثمان المهراجا على المحرقة، جلست الزوجات حوله وغُطّي الجميع بمظلّة من أغلى شالات كشمير. ثم أخذ ابن المهراجا الكبير شعلة مضاءة وتلا دعاء قصيرا، ثم أشعل النار في الكومة. وفي لحظة اشتعلت النيران في الكتلة بأكملها. وغطّى ضجيج الطبول وصيحات الحضور على صرخات الضحايا المساكين الذين التهمتهم النيران واختنقوا من شدّة الحرارة والدخان.
ظلّت النار مشتعلة في محرقة رانجيت سنغ لمدّة يومين. وبعد ثلاثة أيّام، وُضعت رفاته ورفيقاته في جِرار وتوافد سكّان لاهور بالآلاف لإلقاء الزهور عليها، بينما كان الحمّالون يدفعونها على محفّة عبر شوارع المدينة. ثم نُقل الرماد إلى نهر الغانغا وسط حشود من الناس الذين كانوا يؤدّون التحيّة على طول الطريق. كانوا جميعا يدركون أنهم يشهدون نهاية حقبة وبداية أخرى.
خَلفَ المهراجا رانجيت سنغ ابنه كاراك سنغ، الذي كان يفتقر للكفاءة اللازمة لهذا المنصب. وفي أواخر عام 1840، توفّي الإبن الذي كان حاكما صوريّا لا سلطة فعلية له، في ظروف غامضة. وخرج البلاط للمشاركة في مراسم الجنازة.
وبينما كان خليفة الابن يزهو بمجده ولقبه أثناء عودة الموكب إلى لاهور، واجهوا بوّابة ضيّقة وسط حشود غفيرة تدافعَ أفرادها للحصول على الأموال التي كانت تُنثر عادة بين عامّة الناس في مثل هذه المناسبات.
وأثناء ذلك، دُفع الفيل الذي كان يمتطيه الأمير بقوّة نحو الجدار، ما أدّى إلى انهيار جزء من المبنى وسقوط عارضة خشبية أودت بحياة كلّ من المهراجا الجديد ومساعده الذي كان يشاركه الركوب على ظهر الفيل نفسه.
عبرنا المجرى الأوّل، وعند الثاني وجدنا مياهاً بعمق قدمين تقريبا. وكانت الضفاف تكتظّ بشجيرات كثيفة توازي قامة رجل. شققنا طريقنا عبرها بحذر شديد نظراً لحلول الظلام. كان رجال "المولتاني" قد اقتربوا منّا، فأصبحنا مجموعة من تسعة أشخاص. وعندما توسّطنا المجرى، انهمرت علينا دفعة من نيران البنادق من مسافة لا تتجاوز ثلاثين ياردة.
"تفرّقوا يا رجال، واندفعوا للعبور! لا تطلقوا النار، بل هاجموا هؤلاء الأوغاد بسيوفكم". هكذا صرخت، بينما كنت أسمع أزيز الرصاص يمرّ بجوار أذني. اندفعنا وعبرنا النهر قبل أن يتمكّنوا من إعادة حشو بنادقهم، لكن المعتدين لاذوا بالفرار واختبأوا بين الشجيرات الكثيفة. ورغم أننا بحثنا عنهم ومشّطنا المكان، إلا أننا لم نتمكّن من العثور على أحد منهم.
لم يحدث شيء يستحقّ الذكر حتى وصلنا إلى "كانغرا". وعند الاقتراب منها، استنفرتُ كلّ ما لديّ من مهارات دبلوماسية، متوقّعا ألا يكون دخولي إليها أمرا سهلا، رغم كوني مسلّحا بمرسوم ملكي ومدعوما بقوّة عسكرية كبيرة. ومع ذلك، لم أكن ممّن يشكّون في قدراتهم، فأمرت بالتوقّف حين صرنا على مسافة قريبة من القلعة، وكلّفت مساعدي الخاص بحمل رسالة مهذّبة إلى الحاكم، مرفقة بنسخ من الأوامر الرسمية.
وخلال النهار، وردني ردّ من "كانغرا" جاء مطابقا لما توقّعته تماما: وصولكم شرف عظيم لنا، ولا شيء يسرّ العقيد "دانداوار سنغ" أكثر من إفساح المجال لفارس وبطل عظيم مثلكم".
لم يمضِ وقت طويل على وجودي في كانغرا حتى تلقّيت مرسوما بخطّ يد "الفقير" وختمه، يبدي فيه تأييدا تامّا لكلّ ما فعلته، ويشجّعني على مواصلة نهجي الحالي، ويعدني بالحماية والمكافأة. وبعد أسبوع، وصل "علي وردي خان" ومجموعته، جالباً معه الآن سبعة من أفراد المجموعة التي كانت قد هاجمتنا.
كانوا حثالة من الأشرار من قبيلة من الغجر الذين يجوبون الهند ويمارسون مهنتهم المعتادة كلصوص ومتسوّلين ولاعبي خفّة. وهم يميلون إلى شراء أو سرقة الإناث الصغيرات لزجّهن في حياة الفجور. وبعضهم لم يكن يَعرف تماما إن كان مسلما أم هندوسيا، وقد اعتادوا منذ صغرهم على أعمال سفك الدماء والسلب والنهب.
جاءت الأنباء عن مرض المهراجا رانجيت سنغ ودخوله في غيبوبة طويلة. وفي مساء 27 يونيو 1839، توفّي. وفور انتشار الخبر علت أصوات الناس وهم ينتحبون ويحثون التراب على رؤوسهم ويطرحون أنفسهم أرضا ويضربون رؤوسهم بالطوب والحجارة. واستمرّ هذا الحال طوال الليل. ومن وقت لآخر، كانت صرخاتهم تزداد حدّة كلّما نظروا باتجاه الجثّة.
وفي الصباح، جُهّز جثمان المهراجا للجنازة بتعطيره وتزيينه بالحُلي. ولم يُسمح لأحد بالانضمام إلى الموكب عدا أصحاب الرُّتب النبيلة. ثم حُمل على أكتاف الجنود، يتقدّمهم موسيقيون يعزفون ألحانهم الحزينة. وتبعتهم زوجاته الأربع، مرتدياتٍ أفخم الملابس، وتبعتهنّ الجواري سيرا على الأقدام.
وأظهرت الزوجات رباطة جأش تامّة، فبدلا من إظهار أيّ خوف من الموت الرهيب الذي ينتظرهن، ظهرنَ في حال من الحماس الشديد وصعدن إلى محرقة الجثث. وطلبت اثنتان منهن، لم تتجاوزا السادسة عشرة من العمر وتتمتّعان بجمال فائق، مرآة وسارتا بخطى وئيدة نحو كومة الحطب، وهما تنظران تارة إلى المرآة في أيديهما وتارة إلى الحضور، وتسألان بقلق عمّا إذا كان هناك أيّ تغيير ملحوظ في ملامحهما.
وبعد وضع جثمان المهراجا على المحرقة، جلست الزوجات حوله وغُطّي الجميع بمظلّة من أغلى شالات كشمير. ثم أخذ ابن المهراجا الكبير شعلة مضاءة وتلا دعاء قصيرا، ثم أشعل النار في الكومة. وفي لحظة اشتعلت النيران في الكتلة بأكملها. وغطّى ضجيج الطبول وصيحات الحضور على صرخات الضحايا المساكين الذين التهمتهم النيران واختنقوا من شدّة الحرارة والدخان.
ظلّت النار مشتعلة في محرقة رانجيت سنغ لمدّة يومين. وبعد ثلاثة أيّام، وُضعت رفاته ورفيقاته في جِرار وتوافد سكّان لاهور بالآلاف لإلقاء الزهور عليها، بينما كان الحمّالون يدفعونها على محفّة عبر شوارع المدينة. ثم نُقل الرماد إلى نهر الغانغا وسط حشود من الناس الذين كانوا يؤدّون التحيّة على طول الطريق. كانوا جميعا يدركون أنهم يشهدون نهاية حقبة وبداية أخرى.
خَلفَ المهراجا رانجيت سنغ ابنه كاراك سنغ، الذي كان يفتقر للكفاءة اللازمة لهذا المنصب. وفي أواخر عام 1840، توفّي الإبن الذي كان حاكما صوريّا لا سلطة فعلية له، في ظروف غامضة. وخرج البلاط للمشاركة في مراسم الجنازة.
وبينما كان خليفة الابن يزهو بمجده ولقبه أثناء عودة الموكب إلى لاهور، واجهوا بوّابة ضيّقة وسط حشود غفيرة تدافعَ أفرادها للحصول على الأموال التي كانت تُنثر عادة بين عامّة الناس في مثل هذه المناسبات.
وأثناء ذلك، دُفع الفيل الذي كان يمتطيه الأمير بقوّة نحو الجدار، ما أدّى إلى انهيار جزء من المبنى وسقوط عارضة خشبية أودت بحياة كلّ من المهراجا الجديد ومساعده الذي كان يشاركه الركوب على ظهر الفيل نفسه.
Credits
archive.org
archive.org
