نصوص مترجمة


  • النعمة الحقيقية للجبال لا تكمن في كونها تحدّيا أو شيئا يجب التغلّب والسيطرة عليه، بل في أنها تجعلنا مستعدّين لتقدير العجائب، سواءً أكانت الدوّامة الداكنة التي يصنعها الماء تحت طبقة من الجليد، أو ملمس الطحالب الناعمة التي تتشكّل على جوانب الصخور والأشجار.
    إن التواجد في الجبال يعيد إحياء دهشتنا من أبسط مظاهر العالم المادّي: ندفة ثلجية متناهية الصغر تسقط على راحة اليد الممدودة، والماء إذ ينحت بصبر مجرى في وجه صخرة غرانيتية، والتحرّك الذي يبدو بلا دافع لحجر في وادٍ مليء بالحصى.
    أو أن تضع يدك وتشعر بالنتوءات والخدوش في صخرة حيث مرّ نهر جليدي، أن تسمع كيف تنبض سفوح التلال بالحياة مع المياه الجارية بعد هطول المطر، أن ترى ضوء أواخر الصيف يملأ أميالا من المناظر الطبيعية كسائل لا ينضب.
    تُعيد إلينا الجبال قدرة لا تقدَّر بثمن على الشعور بالدهشة، وهي قدرة قد تُستنزف دون أن نشعر، بسبب الحياة العصرية.
    نبقى تحت أشعّة الشمس على تلك القمّة الرائعة، لساعة وكأنها دهر. لا نتحدّث كثيرا. هناك في الأعلى، تبدو اللغة مستحيلة، والاستعارة والتشبيه سخيفين، كأن اللغة تنزلق بغباء من هذا المشهد. إنها لا تشبه أيّ مكان زرته من قبل، تتخلّى عن القصّة، وتترك أشكال صنع المعنى المعتادة مهجورة. بريق الغطاء الجليدي وقفزات الحيتان ودوّامات الطمي في التدفّقات وعروق الياقوت في الشقوق.
    في الجبال، يبدو كلّ شيء بعيدا وقريبا في الوقت نفسه. أشعر وكأنني أستطيع أن أسكب قطرة ماء من بِركة الجليد، وأدفع جبلا جليديا على طول الأفق بطرف إصبعي. عظمة وحيوية الجليد تفوقان أيّ شيء رأيته من قبل. عند النظر إلى الجبال عبر الزمن السحيق، تبدو فكرة سيطرة الإنسان على الكوكب جشعة ووهمية.
    هناك على تلك القمّة الجبلية، في تلك اللحظة، وأنا أنظر إلى البحر المليء بجبال الجليد، تبدو فكرة الأنثروبوسين في أحسن الأحوال ضربا من الغرور، وفي أسوأها نوعا من التباهي المحفوف بالخطر. أتذكّر كلمة شعب الإنويت التي سمعتها لأوّل مرّة في شمال كندا: إيليرا، والتي تعني الشعور بالخوف والرهبة، وتحمل أيضا دلالة على الوعي بالطبيعة. أجل، هذا ما أشعر به هنا، "إيليرا".
    يبدو أن الجبال تلبّي حاجة متزايدة للخيال. يكتشف فيها المزيد من الناس رغبة وراحة عميقة. في جوهرها، تتحدّى، كغيرها من البراري، قناعتنا المريحة بأن العالم قد صُنع للبشر من قبل بشر.
    إن معظمنا يعيش أكثر الوقت في عوالم مرتّبة ومصمّمة ومتحكّم بها من قبل البشر. وننسى أن هناك بيئات لا تستجيب لضغطة زر أو تدوير قرص، ولها إيقاعاتها ونظم وجودها الخاصّة. تصحّح الجبال هذا النسيان. من خلال الحديث عن قوى أعظم مما يمكننا استحضاره، ومواجهتنا بفترات زمنية أطول مما يمكننا تصوّره، تهزّ الجبال ثقتنا المفرطة فيما صنعه الإنسان. وتطرح أسئلة عميقة حول قدرتنا على البقاء وأهمية خططنا، وتبعث فينا التواضع. ر. ماكفرلين
  • ❉ ❉ ❉

  • قصّة حياة الفنّان الروسي آركيب كوينجي جديرة بأن تملأ صفحات كثيرة وملهِمة. كان راعيا بسيطا في شبه جزيرة القرم. وبفضل مثابرته الدؤوبة وشغفه بالفن، استطاع التغلّب على كلّ الصعاب ليصبح في نهاية المطاف، ليس فقط فنّانا مرموقا ورجلا ثريّا، بل أيضا مرشدا روحيا حقيقيّا لتلاميذه.
    حاول ثلاث مرّات الالتحاق بالأكاديمية الإمبراطورية للفنون الجميلة، وفي كلّ مرّة رُفض طلبه. لكن الشابّ كان مثابرا، وبدلا من المحاولة عبثا، رسم منظرا طبيعيا وعرَضه على الأكاديمية. وحصل على جائزتين دون حاجة لاجتياز الامتحان.
    كان يعمل من الصباح الباكر، وعند الظهيرة كان يصعد إلى سطح منزله في بتروغراد، حيث كانت آلاف الطيور تحيط به. كان يطعمها، يحادثها، ويَدرسها كأب حنون. وأحيانا كان يدعونا نحن تلاميذه إلى ذلك بيته. وكنا نسمع منه قصصا رائعة عن شخصيات الطيور وعاداتها الفردية وكيفية التعامل معها. في تلك اللحظات، كان هذا الرجل القصير ذو البنية القوية والرأس الشبيه برأس الأسد يصبح وديعا كقدّيس.
    ذات مرّة رأيته حزينا، بعد أن انكسر جناح إحدى فراشاته المحبوبة، وقد ابتكر وسيلة بارعة لإصلاحه، لكن لم تنجح محاولته النبيلة تلك. لكن مع التلاميذ والفنّانين، كان يعرف كيف يكون حازما. وكثيرا ما كان يردّد: إذا كنت فنّانا، فستصبح كذلك حتى في السجن". جاء رجل يوما إلى محترفه ومعه بعض الرسومات والدراسات الرائعة. أثنى كوينجي عليها. لكن الرجل قال: حسنا، أنا في وضع مؤسف لأنني لا أستطيع تحمّل تكاليف الرسم". سأله كوينجي بتعاطف: لماذا؟".
    فأجاب الرجل أن لديه أسرة يعيلها، وأن وظيفته من العاشرة صباحا حتى السادسة مساء. عندها سأله الرسّام: وماذا تفعل من الرابعة إلى العاشرة صباحا؟". فأجاب الرجل: في الصباح أنام". عندها قال كوينجي: حسنا، ستنام طوال حياتك. ألا تعلم أن أفضل وقت للإبداع هو من الرابعة إلى التاسعة مساءً؟ وليس من الضروري أن تعمل على فنّك لأكثر من خمس ساعات يوميّا".
    وفي إحدى المرّات، جاء إلى مرسمي في الطابق السادس، الذي كان آنذاك بلا مصعد، وانتقد لوحاتي بشدّة، ثم انصرف غاضبا. لكن بعد أقلّ من نصف ساعة، سمعت خطواته الثقيلة مرّة أخرى، وطرق الباب ثم صعد الدرج الطويل مرتديا معطفه الثقيل وهو يلهث، وقال: آمل ألا تأخذ كلّ ما قلته كأمر مسلّم به. فلكلّ شخص وجهة نظره". وأضاف: لقد شعرتُ بالندم عندما أدركت أنك ربّما أخذت نقاشنا على محمل الجد أكثر من اللازم. يمكن تناول كلّ شيء بطرق مختلفة، والحقيقة لها أكثر من وجه."
    وفي وقت ما، وفي سرّية تامّة، أوكل إلى أحد تلاميذه مهمّة إيصال بعض المال منه سرّا إلى بعض أفقر الطلاب. ولم يوكل هذه المهمّة إلا بعد أن تأكّد تماما من عدم انكشاف هذا السر. وحدث أن نشبت ثورة في الأكاديمية ضدّ نائب الرئيس الكونت تولستوي. ولأن أحدا لم يستطع تهدئة غضب الطلاب، فقد تأزّم الوضع أكثر.
    ثم حضر كوينجي أخيرا إلى الاجتماع العام، فساد الصمت بين الجميع. وقال: حسنا، لست قاضيا. لا أعلم إن كان قضيتكم عادلة أم لا، ولكني أطلب منكم شخصيا أن تبدأوا عملكم، لأنكم جئتم إلى هنا لتصبحوا فنّانين". وانتهى الاجتماع على الفور، وعاد الجميع إلى قاعات الدراسة، لأن كوينجي هو من طلب ذلك. هكذا كانت سلطة المعلّم في ذلك الوقت.
    لا أدري من أين نشأ مفهومه عن القيادة الروحية الحقيقية، وفقا للفهم الشرقي. لكن من المؤكّد أنه كان تعبيرا صادقا عن الذات. كان هذا أسلوبه، لذا برز ليس فقط كفنّان، بل أيضا كشخصية مؤثّرة وملهِمة. ن. رويريك
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • للألوان قدرة على مخاطبتنا دون كلمات. فبإمكان لون واحد أن ينقلنا إلى زمن آخر أو يستدعي شعوراً منسيّاً، أو يذكّرنا بشخص عزيز. بالنسبة لي، بعض الألوان أشبه بمفاتيح تفتح لي أبواب ذكريات لم أكن أدرك أنها موجودة.
    خذ اللون الأصفر مثلا. إنه لون ضوء الشمس المتسلّل عبر نافذة مطبخ منزل طفولتي، حيث كانت أمّي تخبز الفطائر وتغنّي بهدوء. في كلّ مرّة أستخدم فيها درجة من الأصفر في لوحة، فإنها تحمل جزءا من تلك الذكرى. إنه لون دافئ، مريح ومفعم بالحياة.
    ثم هناك اللون الأزرق، وهو لون أربطه بالرحلات الطويلة بالسيّارة عند الغسق، حيث يتلاشى الأفق في لون نيلي داكن. الأزرق، بالنسبة لي، لون هادئ وفيه شيء من الحلاوة والمرارة. إنه يجسّد اللحظات الهادئة؛ تلك التي يغرق فيها المرء في أفكاره ويشعر بثقل العالم وجماله في آن واحد.
    الألوان الأحمر الصدِئ والأصفر والبرتقالي المحروق تذكّرني بجمال الصحراء البكر، وكيف تتوهّج الأرض تحت أشعّة الشمس الحارقة.
    كلّ ذكرى تحمل في طيّاتها مزاجها الخاص وإيقاعها الخاص ومجموعة ألوانها الخاصّة. وبالثقة في تلك الذكريات، أستطيع أن أبدع أعمالاً تبدو شخصية للغاية، ولكنها في الوقت نفسه عالمية في صدى مشاعرها.
    وأنت ما هي الألوان التي ترتبط بها ذكرياتك؟ هل هي خضرة فناء خلفي في الطفولة، أم درجات الوردي والأرجواني لغروب شمس مفضّل، أم تدرّجات الرمادي الباهتة ليوم ممطر قضيته في البيت؟
    بعد تحديد تلك الألوان، فكّر في المشاعر التي تثيرها فيك. هل هي مريحة، مبهجة، أم ربّما تحمل مسحة من الحزن؟ استخدم هذه المشاعر كنقطة انطلاق لأيّ مشروع إبداعي، سواءً كان رسما أو كتابة أو حتى تزيين غرفة.
    إن جمال استخدام الذاكرة كمصدر إلهام يكمن في كونها تجربة شخصية بامتياز. لا أحد يرى العالم كما تراه أنت، وبمشاركة وجهة نظرك، تدعو الآخرين إلى التأمّل في تجاربهم الخاصّة بطرق جديدة.
    الفن في نهاية المطاف لا يقتصر على ما نراه فحسب، بل يتعلّق بما نشعر به ونتذكّره، بالقصص التي نحملها والألوان التي تُحييها. س. هولتن

  • Credits
    archive.org
    online-literature.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أساطير قديمة: التّنين