نصوص مترجمة


  • خلال إقامتي في الهند، لم تُتح لي الفرصة لزيارة أغرا، على الرغم من رغبتي الشديدة في رؤية معالمها السياحية العديدة، وخاصّة "تاج محلّ" الشهير.
    المدينة نفسها لا تقدّم الكثير مما يثير اهتمام المسافر. وبعد أن تجوّلنا في أسواقها الضيّقة، حرصنا، خلال الفترة المتبقية من إقامتنا، على تجنّب أزقّتها غير الجذّابة، حتى لو تطلّب ذلك قطع ميل أو ميلين إضافيين.
    في الليلة الثانية من إقامتنا، طلبنا من صديقنا ألا يؤجّل زيارة "تاج محل" أكثر ممّا فعل. وبناءً على طلبنا، ظهرت العربة وركبنا أنا وصديقي بجانب مضيفنا. وبينما كنّا نلتفّ حول الصخور في ضواحي المدينة، كان نهر "يامونا" يلتفّ في مساره المتعرّج أسفلنا، وانكشفت أمامنا فجأة قمّة "تاج محل" المهيب من بين أشجار السرو الكثيفة التي تحيط به.
    لم يكن لدينا وقت لنعبّر عن إعجابنا بالمنظر. انطلقنا على الفور نحو النصب التذكاري. ووسط ابتهاجنا، انعطفت عربة مسرعة من الزاوية، وتوقّفت بجانبنا، ففرحنا عندما وجدنا أن صاحبتها الجميلة هي مضيفتنا.
    كانت ظلال المساء تتكاثف حولنا بسرعة ونحن نصل إلى المدخل المقوّس، حيث يجب النزول من العربة والسير على الأقدام إلى حدائق التاج.
    وبينما كنا نتجوّل في ممرّات أشجار السرو التي تتخلّلها أحواض من الرخام الأبيض بين الأشجار دائمة الخضرة المحيطة بها، وصلنا إلى قاعدة المنصّة المربّعة التي يرتكز عليها النصب التذكاري، والتي ترتفع عند كلّ زاوية منها مئذنة منحوتة بدقّة.
    "تاج محل" نفسه مبنيّ بالكامل من الرخام الأبيض، وقد نقل إلى حواسّي روعة العمارة. قد ينقل رسم جيّد فكرة أفضل عن مظهره الخارجي من أيّ وصف مهما كان، لكنّني لم أرَ قطّ رسما واحدا يرضيني تماما.
    الجزء الداخلي من المبنى، ذو الشكل الثماني والمرصّع بفسيفساء من الأحجار الثمينة تمثّل الفواكه والزهور، لا يمكن لأيّ رسم أن ينقل جماله كفايةً. في الوسط، ونحن محاطون بسور من الرخام الأبيض المزخرف بدقّة، يقف متجانبَين ضريحا شاه جهان وسلطانته ممتاز زماني "محل".
    وبينما ننظر بإعجاب وجلال صامت إلى هذه الأشياء الرائعة من حولنا، شعرنا أن المرأة التي لم يكن لها مثيل بين المقرّبين في الشرق في حياتها، قد انتصرت حتى بعد الموت في امتلاكها مثوى يؤكّد تفوّقها الواضح على إبداعات البشر.
    ثم انطلق لحن موسيقيّ خافت من مياه نهر يامونا، وتدفّق بنعومة عبر فتحات المبنى، وتردّد صداه بتناغم رقيق على طول السقف. ومع تلاشي آخر تلك النغمات الخافتة، استيقظنا تدريجيا على العالم من حولنا، الذي كنّا قد تركناه منذ زمن بعيد إلى عوالم الخيال.
    وفوجئنا بنبرة صوت بشريّ يخبرنا أن الموسيقى من هذه الأرض، وأنها قد وُفّرت خصّيصا لهذه المناسبة من قِبَل مضيفنا الكريم.
    لن تُمحى أبدا من ذاكرتي تلك الساعات السعيدة التي قضيتها أتجوّل بين البساتين والمدرّجات ذات الجمال المتناسق. وتحت التأثير المهدّئ لمثل هذا المشهد، لا بدّ أن يصبح العقل أكثر استعدادا للارتقاء الى أسمى العوالم وأكملها.
    لم أكن يوما من المعجبين المتحمّسين بالهندسة المعمارية، ولطالما آمنت بمقولة "الله خلق الريف، والإنسان خلق المدينة"، فتوجّهتُ إلى تاج محل وأنا متحيِّز ضدّه، لا سيّما بعد أن سمعتُ أصواتا تشيد به. ولكن ما أن أُتيحت لي الفرصة الكافية لأستوعب جماله، حتى استسلمت له وأصبحتُ معجبا متحمّسا بالسلطانة الشرقية الجميلة حتى بعد وفاتها.
    بعد ذلك، زرنا العديد من المعالم الجميلة الأخرى في ضواحي أغرا، وخاصّة ضريح وحدائق الإمبراطور أكبر. لكن كان ينبغي علينا زيارتهما أوّلا، فقد انشغلت مشاعري ولم يفارقني أبدا ذلك الجمال الغائب على ضفاف نهر يامونا. تشارلز اولير، 1847
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • عندما تشعر بأنك تفقد أصالتك، تذكّر كلمات فرانز كافكا: شعرت بالخجل من نفسي عندما أدركت أن الحياة أشبه بحفل تنكّري، وأنني أشارك فيه بوجهي الحقيقي". أن تكون أصيلا في عالم مليء بالمتصنّعين هو فعل شجاعة خالصة.
    فمعظم الناس يتقمّصون أدوارا ويرتدون أقنعة لإرضاء الآخرين أو تجنّبا للنقد أو سعيا وراء التصفيق. لكن العيش بهذه الطريقة ليس عيشا، بل هو استجداء لنيل رضا الآخرين واستحسانهم.
    بدأت أعيش حياتي الحقيقية في اللحظة التي ظنّ فيها الجميع أنني قد تلاشيت. لسنوات، كنت كما هو متوقّع منّي: زوجةً، أمّاً، ربّة بيت، تلك التي تحضّر الوجبات الجاهزة وترتّب الغسيل وتتحلّى بصبر لا ينضب. تلك التي لا تقاطع ولا تزعج أحدا ولا تسرح بخيالها بعيدا. تعلّمت أن أعيش مع الصمت المطبق ووجبات العشاء الصامتة والنقد المقنّع بنصائح. أنا أيضا صدّقت أن هذه هي الحياة.
    تزوّجت في سنّ صغيرة، أنجبت أطفالا، وفقدت نفسي. كان زوجي محور حياتي: عمله، راحته، آراؤه. كنت أنا الظلّ، أراقب كلّ شيء وأحافظ على النظام دون أن أصدر صوتا. وفي يوم من الأيّام، ودون سابق إنذار، رحل الزوج ببساطة. لا اعتذارات ولا تبريرات. فقط حقيبة سفره وباب البيت الذي أغلقه وراءه بقوّة. ووجدت نفسي وحيدة. وفي ذلك الفراغ، عثرت على شيء غير متوقّع: السلام. للمرّة الأولى، لم يعد الصمت عقوبة. بل أصبح حرّية.
    لم أعد مضطرّة للهروب أو تبرير نفسي، أو أن أكون مفيدة لأكون ذات قيمة. كانت الأيّام الأولى غريبة. لم أعد أعرف ما أحبّ أو ما أريد. عندما نظرت إلى نفسي في المرآة، لم أتعرّف على المرأة التي تحدّق بي. لكن تحت وطأة الإرهاق والهالات السوداء تحت عينيّ والشعر الأبيض غير المصبوغ، استيقظ فيّ شيء ما، شيء كان ينتظر الظهور منذ زمن.
    بدأتُ من جديد بوتيرتي الخاصّة وبطريقتي الخاصّة. التحقت بورشة للرسم وذهبت إلى السينما وحدي وتجرّأت على الرقص في المنزل على أنغام الموسيقى التي أحبّها، دون أن يخبرني أحد أن هذه مشكلة. سافرت قليلا، وفقط بما يكفي لأشعر أن هناك مسارات ما زالت تنتظرني. شاهدت غروب الشمس من على مقعد دون أن أضطرّ لتبرير سبب بكائي. وضحكت أخيرا لوحدي، دون التظاهر بأنني مُضحكة للآخرين.
    اليوم، بلغت الستّين من عمري. وأنا بطلة قصّتي. لست وحيدة لقلّة الحب، بل لأنني تعلّمت أن أحبّ نفسي. وإذا جاء شخص ما، فليكن إضافة لي لا بديلا عنّي. دعهم يرافقوني في رحلتي، لا أن يحبسوني مجدّدا. أحيانا، تبدأ الحياة عندما نتخلّى عن الدور المفروض علينا ونسمح لأنفسنا أخيرا بأن نكون على طبيعتنا. (...)
  • ❉ ❉ ❉

  • كان نابليون بونابرت قادرا على هزم جيوش أوروبّا. لكن أحد أشدّ خصومه لم يقد جنديّا قط.
    كانت امرأة وكانت تحمل قلما. كانت جيرمين دي ستال، أو مدام دي ستال، من ألمع الكاتبات والمفكّرات السياسيات في جيلها. والدها كان وزير مالية لويس السادس عشر، نشأت محاطة بأعظم مثقّفي أوروبّا، واكتسبت عادة يكرهها الأباطرة: قول ما تفكّر فيه بصراحة.
    كان نابليون يكره العقول المستقلّة، وخاصّة من ذوي النفوذ. وكان الشعور متبادلا. انتقدت دي ستال علنا ديكتاتوريّته المتنامية، واتّهمته باستبدال مُثل الثورة الفرنسية بالطموح الشخصي والرقابة. ويقال إن نابليون اشتكى قائلا إنها "تعلّم التفكير لمن لم يفكّروا من قبل".
    وكانت هذه هي المشكلة تحديدا.
    ولأنه عجز عن إسكاتها بالنقاش، لجأ إلى أسلوب آخر. نفاها من باريس وأمرها بالبقاء على بعد 200 كيلومتر على الأقل من المدينة. راقبت الشرطة تحرّكاتها، وتمّ اعتراض مراسلاتها. وكان أصدقاؤها الذين يزورونها يخاطرون بفقدان حظوتهم لدى النظام.
    توقّع الكثيرون أن يُنهي النفي مسيرتها المهنية. لكنه، على العكس، جعلها مشهورة.
    من قصرها على بحيرة جنيف، حوّلت منفاها إلى صالون أدبي عالمي، اجتذبت إليه الكتّاب والفلاسفة والدبلوماسيين والفنّانين من جميع أنحاء أوروبّا. وإذا كان نابليون يسيطر على باريس، فقد أنشأت جيرمين دي ستال مركزا فكريا جديدا خارج نطاق سيطرته.
    ثم ردّت الصاع صاعين بكتاب احتفت فيه بالفلسفة والأدب والثقافة الألمانية وكشفت كل ما افتقرت إليه إمبراطورية نابليون: الحرّية الفكرية والفكر المستقل واحترام ضمير الفرد.
    أدرك نابليون الخطر على الفور. وقبل أن يصل الكتاب إلى القرّاء، أمر بمصادرة جميع نسخه الأولى وإتلافها. وفي عام ١٨١٣، نُشر الكتاب أخيرا بعيدا عن متناول نابليون. وأصبح من أكثر الأعمال تأثيرا في القرن التاسع عشر، إذ عرّف عددا لا يُحصى من القراء بالرومانسية الألمانية وساهم في إعادة تشكيل الأدب الأوروبّي.
    الإمبراطور الذي حاول طمس كلماتها يتذكّره الناس اليوم بمعاركه. أما المرأة التي حاول إسكاتها، فتُذكر لأنها أثبتت أن الأفكار قادرة على البقاء بعد زوال الإمبراطوريات. س. هولت

  • Credits
    archive.org

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أساطير قديمة: التّنين