:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, June 11, 2012

عذراء أورليان

جان دارك ترفض حتى الآن أن تُوارى الثرى أو تنعم بالراحة الأبدية.
حاول أن تكتب اسمها في محرّك بحث أمازون للكتب وستحصل على أكثر من 6000 نتيجة. المحفوظات الوطنية الفرنسية تضمّ، هي أيضا، عشرات آلاف المجلّدات عنها.
ما حقيقة ما يقال عن هالة النور التي كانت تحيطها في المعارك وأسراب الفراشات التي كانت تتبع أثرها أينما ذهبت؟
ترى هل هناك شيء ما خاصّ في شخصيّة هذه المرأة يبرّر هذا الاهتمام المستمرّ بقصّتها طوال أكثر من خمسمائة عام بعد موتها؟
ولدت جان دارك قبل 600 عام. وستّة قرون هي فترة طويلة لتخليد ذكرى فتاة. وطبقاً لعائلتها وأصدقائها، لم تكن في بواكير حياتها تعرف أكثر من نسج الملابس والاهتمام بقطعان ماشية أبيها.
وقد خلّدها كلّ من شكسبير وفولتير ومارك توين وبرنارد شو وبريخت وفيردي وتشايكوفسكي وروبنز. ومؤخّرا، كانت حياتها موضوعا لمسلسل درامي تلفزيونيّ.
عندما كانت جان دارك في السادسة عشرة من عمرها أعلنت نفسها محاربة عذراء أرسلها الله لتخليص فرنسا من أعدائها الإنجليز. كانت تقول إنها تتلقّى وحياً من الملائكة على هيئة أصوات كانت تسمعها مصحوبة بنور عظيم.
لكن في العام 1428، ألحّت عليها تلك الأصوات بأن تنفّذ المهمّة التي كانت تحضّر نفسها لها. ولم تلبث الفلاحة البسيطة والمغمورة أن تحوّلت إلى بطلة ملهمة تحدّت كلّ القيود التي كانت مفروضة على النساء في القرون الوسطى المتأخّرة.
لم يكن احد يتوقّع أن تصبح جان دارك قائدا عسكريا. لكنّها غيّرت مسار حرب المائة عام، بل مسار التاريخ نفسه.
قامت جان دارك بقصّ شعرها وارتدت ملابس الرجال وحملت درعا وسيفا بإيعاز من الله. كانت محمومة في إصرارها على النجاح في مهمّة كانت بكلّ المقاييس شبه مستحيلة.
لم تكن تعرف كيف تركب الخيل أو تقود المعارك. ومع ذلك تمكّنت من إيقاظ الجيش الفرنسي المنهك والعاجز وبثّت فيه روح الحماس ونقلته من نصر غير محتمل لآخر. ثم تمكّنت من رفع الحصار عن اورليان عندما تجاهلت الاستراتيجيات الحذرة للجنرالات المخضرمين.
كانت جان دارك الأمّية والبسيطة تتنقّل بين الأساقفة والنبلاء والملوك. وكانت مصرّة على قهر العدوّ لدرجة أنها هدّدت رجال بلدها بالعنف، رغم نفورها من فكرة سفك الدماء.
ولكي تتجنّب الاضطرار إلى استخدام سيفها في المعارك، كانت تقود جيشها وهي تحمل راية طولها 12 قدما مكتوبا عليها عبارة "ملكوت السماء". وقال بعض من شاهدوها أنها كانت تقاتل في ميدان المعركة وحولها هالة من نور. وتحدّث أعداؤها عن سحب من الفراشات كانت تقتفي خطاها أينما ذهبت، بينما قال آخرون إنها كانت في حلف مع الشيطان.
وبعد كلّ معركة، لم تكن جان دارك تحتفل بالنصر، بل كانت تنعي الضحايا. ويتذكّرها رجالها وهي جاثية على ركبتيها وتبكي بينما تمسك برأس احد جنود العدوّ وهو يحتضر.
لقد فاقت شجاعة جان دارك شجاعة الرجال المتمرّسين في الحروب. وكانت دموعها تفيض بسهولة كأيّ فتاة مراهقة في مثل سنّها.
بعد سلسلة من الانتصارات، عانت جان دارك من الانتكاسات التي كانت قد تنبّأت بها لها أصواتها. فقد تمّ القبض عليها وبيعت للإنجليز، مكبّلة الأيدي والأقدام، ووضعت في زنزانة رطبة لأكثر من عام.
وأمام المحكمة رفضت أن تقرّ بان الأصوات التي كانت تتلقاها كانت هواجس ضارّة ومؤذية. وحُكم عليها أخيرا بالموت حرقاً. كان عمرها آنذاك 19 عاما. ونُفّذ الحكم أمام حشد من الناس الغاضبين. ثم عُرض جسدها المتفحّم على أيّ شخص مهتمّ بفحصه.
وبعد 30 عاما، أي في عام 1450، جرت محاكمة لإعادة تأهيل جان دارك ونقض حكم الإدانة الذي جلب لها الموت. ثم بعد 70 عاما، منحتها الكنيسة صفة قدّيسة.
ومثل كلّ الشخصيات المقدّسة التي تفصلها صفة القداسة عن جمهور الإنسانية الأوسع، تحوّلت جان دارك إلى أسطورة لامرأة نصبت نفسها وكيلة عن إرادة الله. ووجدت طريقها إلى المخيّلة الجماعية باعتبارها أسطورة حيّة وخالدة.
وبعد قرون على وفاتها، تبنّاها المسيحيون والنسويون والقوميون الفرنسيون وثوّار المكسيك وحتى مصفّفو الشعر الذين استلهموا قَصّة شعرها ورءوا فيها رمزا للتحرّر من قيود السلطة الأبوية.
الأطبّاء اليوم يشخّصون الأصوات التي كانت جان دارك تسمعها على أنها أعراض لمرض الفصام أو الصرع وحتى مرض السلّ.
جان دارك تحبط الجهود المبذولة لتأكيد صفاتها البشرية. كيف يمكن تفسير ما كانت تقوله لها أصواتها، سواءً في توجيه تحرّكاتها في المعارك أو في برمجة إجاباتها على أسئلة المحقّقين؟ وماذا عن استبصارها المشهور والروايات التي تزعم أن لمسة منها رفعت طفلا من بين الأموات، أو عن قدرتها على توجيه الرياح لتسيير أشرعة قواربها المتوقّفة؟
قد لا نكون بحاجة إلى سرد يعقلن التجربة الإنسانية أو يضخّمها بأن يضفي عليها هالة من الغموض. لكن طالما أننا نتطلّع إلى أبطال ليلهمونا وإلى قادة ترفعنا رؤاهم فوق أفقنا المحدود وتُقدّس قيمهم لتسمو فوق حياتهم الدنيوية، فإن قصّة جان دارك تظلّ واحدة من القصص الجديرة بالتذكّر والاحتفاء. "مترجم".

2 comments:

بنت القمر said...

اشكرك:))

Prometheus said...

شكرا لك.