نادراً ما كانت لوحات المناظر الطبيعية التي رسمها إيغون شيلا (1890 - 1918) جميلة، ولكن كثيرا ما كانت مذهلة. وقد تحوّل الفنّان من رسم صور الطبيعة الرعوية ومناظر القرى الخلّابة إلى رسم مناظر خريفية لأشجار رفيعة وأزهار ذابلة ومدن خالية من البشر في أغلب الأحيان.
وهذه اللوحات ليست هي التي اشتهر بها شيلا، بل ولا حتى التي حظي بسببها بالاحترام والتقدير. غير أنها مع ذلك كانت مفعمة بروح الحياة.
الارتباط بين صور شيلا للناس وصوره للأماكن ليس مجرّد حساسية تعبيرية. بل إن النوعين رمزيان بعمق ويشتركان في لغة مشحونة بالرموز الشخصية ذات المعنى المكثّف. فالزهور الحيّة والميّتة، وخاصّة عبّاد الشمس، توجد في نفس المساحة، ما قد يشير إلى شيء أموميّ أو متجدّد في الحياة. أما أشجار الخريف فربّما تلمّح إلى الفناء والتهديد والعزلة، وهي الأشياء التي توحي بها صور العديد من الأشخاص الذين خلّدهم هذا الرسّام النمساوي.
والرسّام يضفي لمسة روحانية على الوسط المسيحي الذي نشأ فيه. إذ تظهر الأضرحة في الغابة كالفطر، وتتمتّع أبراج الكنائس بطاقة أوّلية ذكورية. وقد كتب عام 1910 يقول: لكلّ شجرة وجهها. ولديّ القدرة على التعرّف على نوع عينيها ونوع ذراعيها ومكوّناتها وعلى كائنها الحيّ".
كان الوسط الفكري لمدينة ڤيينا في نهاية القرن التاسع عشر، حيث نشأ وعاش شيلا، مزيجا نيتشويّاً بنكهة ڤاغنرية من الرغبة في التواصل والتسامي. وكان لدى شيلا مزيج جنوني من الثقة والازدراء وهوس بالحقيقة الداخلية والأقنعة الزائفة والخداع الاجتماعي.
وقد كتب مرّة يقول: الجميع يحسدونني، وكلّهم مخادعون. زملائي السابقون ينظرون إليّ بعيون منافقة. وفي ڤيينا لا يوجد سوى الظلّ، والمدينة سوداء، وكلّ شيء يحدث وفقا لوصفة".
ورغم أن شيلا يتحدّث بلغة أهل ڤيينا، إلا أنه فضّل أن يعيش ويعمل خارجها. وهذا قاده إلى مدن مثل شتاين وكروماو حيث وُلدت أمّه. وقد اكتسب إلهاما من هذه الأماكن وصوّر غرابتها، لكنها لم تسحره.
في صورة رسمها لنفسه عام 1911، نشعر بقوّة ثقته بنفسه، حيث أحاط شعره الداكن بهالة من الضوء الأبيض ورسم يديه بزاوية تجعلهما تبدوان كسلاحين، بينما ارتدى زيّ رجل أنيق وسترة طاووس. وعلى عكس صوره لأشخاص آخرين، يقف هو منتصباً.
لكن شيلا نادرا ما يمنح أشجاره نفس الثقة بالنفس. وإحدى أقوى صوره عنوانها "منظر لنهر مع شجرتين" من عام 1913، رسمها ضمن منظر طبيعي قاحل، باستثناء بضع زهور صغيرة ذات ألوان زاهية.
وهذه اللوحات ليست هي التي اشتهر بها شيلا، بل ولا حتى التي حظي بسببها بالاحترام والتقدير. غير أنها مع ذلك كانت مفعمة بروح الحياة.
الارتباط بين صور شيلا للناس وصوره للأماكن ليس مجرّد حساسية تعبيرية. بل إن النوعين رمزيان بعمق ويشتركان في لغة مشحونة بالرموز الشخصية ذات المعنى المكثّف. فالزهور الحيّة والميّتة، وخاصّة عبّاد الشمس، توجد في نفس المساحة، ما قد يشير إلى شيء أموميّ أو متجدّد في الحياة. أما أشجار الخريف فربّما تلمّح إلى الفناء والتهديد والعزلة، وهي الأشياء التي توحي بها صور العديد من الأشخاص الذين خلّدهم هذا الرسّام النمساوي.
والرسّام يضفي لمسة روحانية على الوسط المسيحي الذي نشأ فيه. إذ تظهر الأضرحة في الغابة كالفطر، وتتمتّع أبراج الكنائس بطاقة أوّلية ذكورية. وقد كتب عام 1910 يقول: لكلّ شجرة وجهها. ولديّ القدرة على التعرّف على نوع عينيها ونوع ذراعيها ومكوّناتها وعلى كائنها الحيّ".
كان الوسط الفكري لمدينة ڤيينا في نهاية القرن التاسع عشر، حيث نشأ وعاش شيلا، مزيجا نيتشويّاً بنكهة ڤاغنرية من الرغبة في التواصل والتسامي. وكان لدى شيلا مزيج جنوني من الثقة والازدراء وهوس بالحقيقة الداخلية والأقنعة الزائفة والخداع الاجتماعي.
وقد كتب مرّة يقول: الجميع يحسدونني، وكلّهم مخادعون. زملائي السابقون ينظرون إليّ بعيون منافقة. وفي ڤيينا لا يوجد سوى الظلّ، والمدينة سوداء، وكلّ شيء يحدث وفقا لوصفة".
ورغم أن شيلا يتحدّث بلغة أهل ڤيينا، إلا أنه فضّل أن يعيش ويعمل خارجها. وهذا قاده إلى مدن مثل شتاين وكروماو حيث وُلدت أمّه. وقد اكتسب إلهاما من هذه الأماكن وصوّر غرابتها، لكنها لم تسحره.
في صورة رسمها لنفسه عام 1911، نشعر بقوّة ثقته بنفسه، حيث أحاط شعره الداكن بهالة من الضوء الأبيض ورسم يديه بزاوية تجعلهما تبدوان كسلاحين، بينما ارتدى زيّ رجل أنيق وسترة طاووس. وعلى عكس صوره لأشخاص آخرين، يقف هو منتصباً.
لكن شيلا نادرا ما يمنح أشجاره نفس الثقة بالنفس. وإحدى أقوى صوره عنوانها "منظر لنهر مع شجرتين" من عام 1913، رسمها ضمن منظر طبيعي قاحل، باستثناء بضع زهور صغيرة ذات ألوان زاهية.
ذات مرّة كتب شيلا قائلا: ينمو البشر والحياة النباتية بوسائل وآليّات مختلفة. نحن حيوانات وأجسادنا تُطهى بشكل كامل في الرحم، متذبذبة في البدء والمنتهى. ولكن عقولنا أكثر شجريةً، فتَنبت كبراعم خضراء حسّاسة للصقيع والرياح. بعض الأغصان تبقى وكثير منها لا يدوم. وبعض المشاعر نحيلة وهشّة وبعضها الآخر مغطّى بقشرة من اللحاء القديم".
الشجرتان في تلك اللوحة تشتركان في مشهد النهر وتمتلكان كلّ ما تحتاجانه للنمو: أرض مفتوحة وشمس وماء على مسافة. وعلى النقيض ممّا تبدو عليه المباني في مناظر مدينة الرسّام، فإن الشجرتين ليستا مكتظّتين أو ملتحمتين ولا تقاومان تعدّي الأعشاب الضارّة أو حافّة الغابة. لكنهما تبدوان بائستين تماما، مثل الكثير من الأشخاص الذين يعيشون في عزلة.
أحيانا كان شيلا يركّز انتباهه على نباتات وأشجار مفردة. وكانت أزهار عبّاد الشمس من بين زخارفه المُفضّلة. وقد رسمها في جميع مراحل حياتها، من الإزهار الكامل إلى اللون البنّي ثم الذبول. ومن السهل تخيّل أن نيّته كانت إضفاء سمات بشرية على هذه الزهور. وربّما استلهم مثال ڤان غوخ الذي عُرضت أعماله في ڤيينا أثناء حياته "أي شيلا"، وبالتحديد ما بين عامي ١٩٠٦ و١٩٠٩.
مناظر شيلا الطبيعية تتخلّلها رسائل وجودية عن الظرف الإنساني. فآمال الربيع والصيف ووعودهما تتلاشى أمام الاضمحلال والموت قبل أن تتجدّد دورة الفصول من جديد. لذا، ترمز لوحات الطبيعة هذه إلى الحياة نفسها وتحمل دلالات عالمية. وقد شرح شيلا انطباعه الشخصي عن هذا التحوّل بين الفصول بقوله: كثيرا ما كنت أبكي وعيناي نصف مفتوحتين عند حلول الخريف".
كرسّام للبورتريه، كان شيلا يتمتّع بقدرة فائقة على اختراق شخصياته. وهو مكتشف بارع لدواخل النفوس وكاشف لأعمق الأسرار. وأعماله التي رسمها لأشخاص تستثير أفكارا كالموت والعوز واليأس والوحدة. وفيها نستشعر العجز والخوف والقلق من عدم اليقين والموت، وهو موضوع أزلي وقديم. وقد كتب عنه ناقد في زمانه يقول: يعيش شيلا في عالم مظلم بشخصياته المشوّهة بشكل مرعب".
فنّ شيلا يتضمّن بشكل عام استكشافا لافتا للنفس البشرية بطريقة مفعمة بالعاطفة الصادقة والرمزية العميقة. ولا تزال أعماله تثير الجدل والاستفزاز وتلقى صدى لدى الجمهور بعد قرن من وفاته. كما لا يزال فنّه يحظى بالاحتفاء والدراسة بسبب تأثيره العميق على عالم الفنّ الحديث.
ولعلّ أفضل وصف للتأثير العميق لفنّه هو ما لخّصته مؤرّخة فنّ تُدعى جين كالير بقولها: إن أهميّة أعمال شيلا لا تكمن في كونها صادمة، بل في كونها إنسانية بامتياز. إن فنّه عالمي في أهميّته وقدرته على التأثير في المتلقّي".
توفّي إيغون شيلا بسبب الأنفلونزا عام 1918 عن عمر لا يتجاوز الـ 28 عاماً. وهناك صورة فوتوغرافية له تعود الى عام 1918 وتصوّره وهو على فراش الموت. كان فنّانا غير عادي، وكان بداخله على الأقل بضع ثورات لم تتحقّق. وهو لم يتقدّم في العمر قطّ، ومع ذلك كان عجوزا دائما، أو ربّما لم يعش طويلا بما يكفي ليصبح شابّا.
الشجرتان في تلك اللوحة تشتركان في مشهد النهر وتمتلكان كلّ ما تحتاجانه للنمو: أرض مفتوحة وشمس وماء على مسافة. وعلى النقيض ممّا تبدو عليه المباني في مناظر مدينة الرسّام، فإن الشجرتين ليستا مكتظّتين أو ملتحمتين ولا تقاومان تعدّي الأعشاب الضارّة أو حافّة الغابة. لكنهما تبدوان بائستين تماما، مثل الكثير من الأشخاص الذين يعيشون في عزلة.
أحيانا كان شيلا يركّز انتباهه على نباتات وأشجار مفردة. وكانت أزهار عبّاد الشمس من بين زخارفه المُفضّلة. وقد رسمها في جميع مراحل حياتها، من الإزهار الكامل إلى اللون البنّي ثم الذبول. ومن السهل تخيّل أن نيّته كانت إضفاء سمات بشرية على هذه الزهور. وربّما استلهم مثال ڤان غوخ الذي عُرضت أعماله في ڤيينا أثناء حياته "أي شيلا"، وبالتحديد ما بين عامي ١٩٠٦ و١٩٠٩.
مناظر شيلا الطبيعية تتخلّلها رسائل وجودية عن الظرف الإنساني. فآمال الربيع والصيف ووعودهما تتلاشى أمام الاضمحلال والموت قبل أن تتجدّد دورة الفصول من جديد. لذا، ترمز لوحات الطبيعة هذه إلى الحياة نفسها وتحمل دلالات عالمية. وقد شرح شيلا انطباعه الشخصي عن هذا التحوّل بين الفصول بقوله: كثيرا ما كنت أبكي وعيناي نصف مفتوحتين عند حلول الخريف".
كرسّام للبورتريه، كان شيلا يتمتّع بقدرة فائقة على اختراق شخصياته. وهو مكتشف بارع لدواخل النفوس وكاشف لأعمق الأسرار. وأعماله التي رسمها لأشخاص تستثير أفكارا كالموت والعوز واليأس والوحدة. وفيها نستشعر العجز والخوف والقلق من عدم اليقين والموت، وهو موضوع أزلي وقديم. وقد كتب عنه ناقد في زمانه يقول: يعيش شيلا في عالم مظلم بشخصياته المشوّهة بشكل مرعب".
فنّ شيلا يتضمّن بشكل عام استكشافا لافتا للنفس البشرية بطريقة مفعمة بالعاطفة الصادقة والرمزية العميقة. ولا تزال أعماله تثير الجدل والاستفزاز وتلقى صدى لدى الجمهور بعد قرن من وفاته. كما لا يزال فنّه يحظى بالاحتفاء والدراسة بسبب تأثيره العميق على عالم الفنّ الحديث.
ولعلّ أفضل وصف للتأثير العميق لفنّه هو ما لخّصته مؤرّخة فنّ تُدعى جين كالير بقولها: إن أهميّة أعمال شيلا لا تكمن في كونها صادمة، بل في كونها إنسانية بامتياز. إن فنّه عالمي في أهميّته وقدرته على التأثير في المتلقّي".
توفّي إيغون شيلا بسبب الأنفلونزا عام 1918 عن عمر لا يتجاوز الـ 28 عاماً. وهناك صورة فوتوغرافية له تعود الى عام 1918 وتصوّره وهو على فراش الموت. كان فنّانا غير عادي، وكان بداخله على الأقل بضع ثورات لم تتحقّق. وهو لم يتقدّم في العمر قطّ، ومع ذلك كان عجوزا دائما، أو ربّما لم يعش طويلا بما يكفي ليصبح شابّا.
Credits
egon-schiele.com
neuegalerie.org
egon-schiele.com
neuegalerie.org