Monday, September 21, 2009

صورة الفنان عن نفسه

ليوناردو دافنشي، غوغان، فيلاسكيز، دافيد، بيكاسو، سيزان، كارافاجيو، ديغا، ايغون شيلا، مونك، بيكون، لوسيان فرويد، فيجي لابران، روبنز، انجيليكا كوفمان، بيتر بريغل، جوشوا رينولدز، غويا، رافائيل، جيمس ويسلر، اوجين ديلاكروا، ماتيس، جون سارجنت، دانتي غابرييل روزيتي، سلفادور دالي، وارهول، رينوار، ديورر .. إلى آخره. كلّ هؤلاء وغيرهم رسموا صورا لأنفسهم. ومن دون تلك الصور ما كان بالإمكان اليوم تصوّر ملامحهم أو سماتهم الشخصية.
إن البورتريه الذي يرسمه الفنان لنفسه، سواءً كان واقعيا أو تجريديا أو غامضا، يمكن أن يوفر أفكارا ومعلومات مثيرة عن صاحبه.
وقبل ظهور التصوير الضوئي كان البورتريه الشخصي ضروريا لأنه يظهر للناس كيف كان يبدو هذا الرسّام أو ذاك. كان رسم البورتريهات الشخصية يشير أيضا إلى رغبة الفنان في إثبات الدليل على براعته وأصالة موهبته.
والبورتريهات الشخصية كانت وما تزال جزءا من التعليم الرسمي للفنّ، رغم أن هذا المفهوم أصبح اليوم أكثر اهتماما بإبراز تعبيرات الرسّام أكثر من ملامحه الشخصية.
رمبراندت وفان غوخ رسما لنفسيهما العديد من البورتريهات الشخصية. في الحقيقة، كان رمبراندت من خلال بورتريهاته الشخصية يسجّل مراحل نضجه الفنّي مرحلة بعد أخرى.
في حين أن فان غوخ كان في بورتريهاته يطرح التساؤلات عن هويّته ويحاول استكشاف المزيد من الأساليب الفنية الجديدة.
فنّانة عصر النهضة ارتيميزيا جينتيليسكي رسمت نفسها وبيدها الفرشاة وأمامها رقعة الرسم.
الفنانة المكسيكية فريدا كالو رسمت هي الأخرى العديد من البورتريهات الشخصية التي حاولت فيها النفاذ إلى مشاعرها الداخلية وطرح بعض الأسئلة المتعلقة بالثقافة والحبّ والجنس.
وفي بعض الحالات فإن الفنان عندما لا يضمّن البورتريه ملامحه بوضوح، فإنه يكشف فيه عن بعض سمات شخصّيته بطريقته الخاصّة.


لوحة مارسيل دُوشان بعنوان "شابّ حزين في قطار" قيل انه صوّر فيها نفسه. وهي من اللوحات التي تستعصي على التفسير، شأنها شأن العديد من لوحات دوشان الأخرى.
بينما يظهر تشارلز شيلر في لوحته "الفنان" وهو ينظر إلى الطبيعة بينما يعطي ظهره للناظر وأمامه متاهة من العناصر التي جلبها من بعض لوحاته السابقة. وفي الحقيقة لا احد يعلم كيف كان شيلر يبدو، لكن ثمّة احتمال انه أراد أن يقول إنه يفضّل أن يتعرّف الناس على هويّته من خلال فنّه.
الرسّام الألماني البيرت ديورر رسم لنفسه بورتريها أصبح مشهورا جدا في ما بعد. ومن الواضح انه اعطى وجهه في البورتريه بعض ملامح وجه المسيح.
مايكل انجيلو رسم نفسه ايضا في سقف كنيسة سيستين عندما اعار ملامحه الشخصية لوجه القديس بارثولوميو.
الرسّام الانطباعي الأمريكي ويلارد ميتكالف رسم لنفسه بورتريها نصف مظلّل. وهناك من يظنّ أن ميتكالف لم يرد إظهار وجهه بالكامل، تعبيرا عن شكوكه بشأن مستقبله الفنّي والمالي. لكن آخرين يرون أن ميتكالف ربّما كان يشير ضمنا إلى جانب مظلم من شخصيّته يختفي خلف مظهره الهادئ.
الرسام الايطالي رافائيل اختار هو أيضا أن يرسم نفسه ضمن شخصّيات لوحته المشهورة "مدرسة أثينا".
مارك روثكو رسم هو أيضا لنفسه بورتريها تبدو فيه نظراته محجوبة بما يشبه العدسات الزرقاء والسوداء، ما يثير إحساسا بالهشاشة أو الانفصال.
وعلى النقيض من ذلك، رسم ادوارد هوبر لنفسه صورة واقعية إلى حدّ كبير. غير أن من المثير للانتباه أن وجه هوبر هنا يبدو أكثر تفصيلا وشخصيّته أكثر وضوحا من الشخصيات التي كان يرسمها.
اليس نيل رسمت لنفسها صورة عارية وهي في سنّ الثمانين. الصورة تُظهر آثار الزمن على وجهها وجسدها.
ستانلي سبنسر رسم هو أيضا بورتريها لنفسه في بدايات اشتغاله بالرسم يبدو فيه بهيئة شابّة وبشرة صافية.
لكن قبيل وفاته في العام 1959 رسم سبنسر لنفسه بورتريها ثانيا يظهر فيه بملامح شبحية كما لو انه تصالح مع فكرة موته الوشيك.


الرسّام الفرنسي غوستاف كوربيه كان احد أشهر من رسموا البورتريه الشخصي. وقد رسم لنفسه عدّة لوحات في أوضاع وحالات شتّى.
كوربيه، الذي اتسمت حياته بالمجون والاحتجاج والسجن، كان يعرف أن شخصيّته هي رصيده الأكبر وأن الابتكار هو المفتاح الذي من خلاله يستطيع أن يفاجئ جمهوره دائما وأن يثير اهتمامهم.
البورتريه الذي رسمه لنفسه عام 1844 بعنوان "الرجل اليائس" يُظهر كوربيه بأجلى درجات حيويّته ووسامته. يداه تحاولان ترتيب شعره الأشعث وعيناه تحدّقان مثل حيوان جريح وتومضان بالذهول أو الخوف.
لكنه في المراحل الأخيرة من حياته صوّر نفسه تصويرا رمزيا وغريبا، أي على هيئة سمكة ميّتة. في اللوحة تبدو السمكة وقد علقت في سنّارة الصياد. وقد أراد كوربيه من خلال هذا المنظر التعبير بطريقة مؤلمة عن إحساسه بالهزيمة بعد أن تضافرت ضدّه قوى لم يكن بمستطاعه التصدّي لها أو الوقوف في وجهها. كان في ذلك الوقت يستشعر دنوّ الموت وكان أخوف ما يخافه أن يذهب في غياهب التجاهل والنسيان بعد موته.
كان كوربيه يحاول على ما يبدو من خلال بورتريهاته الشخصية أن يحافظ على ذاته. فالإنسان قد يمرّ في حياته بالكثير من التقلبّات ولحظات الفرح والحزن ومع ذلك لا يستطيع أن يأخذ نفسه بعيدا عن محيطه.
ومثل صفحة الرسم البيضاء يمكن أن يكون الفنان الشخص الذي يريد. "مترجم"

10 comments:

Anonymous said...

عزيزي بروموثيوس
كل عام وانت بخير
مع التمعن في هذا الجمال الذي تتحفنا به في مدونتك الرائعه احسست بما تملكه من موهبة فذه في اختيار كل ما هو رائع وممتع..فلك مني كل الودوالتقدير
وادام الله عليك الصحه.
rooz

H. M. H. said...

بروميثيوس العزيز..
كل عامٍ وأنت بخير..

لطالما شغلتني البورتريهات الذاتية، فكلُ فنانٍ قد رسم لنفسه بورتريهاً ما، وهذه البورتريه ليس مجرد نقلٍ للملامح، أو رؤية الفنان لآخر، بل رؤيته لذاته حين تُصبح آخر.

"ومثل صفحة الرسم البيضاء يمكن أن يكون الفنان الشخص الذي يريد.."

أتفق معك في هذه العبارة، فالبورتريه الذاتي ليس الفنان، وإنما الشخص الذي يُريده، أو رُبما الشخص الذي يراه. فغويا - مثلاً - رسم نفسه بطريقة مخيفة والموت يهمس في أذنه، ولا أظنه أراد أن يكون كذلك، بل رأى نفسه كذلك. أما ألبرت ديورر، فرُبما رأى في نفسه شيئاً من الطهر والسكينة أراده أن يظهر. ورسم ويلارد متكالف رجلاً حزيناً يُريد أن يحتفظ بدواخله لنفسه.

آرتميسا جنتلسكي رسمت نفسها مراراً وهي ترسم، كما أن كثيراً من نماذجها النسائية تُشبه البورتريهات التي رسمتها لنفسها، غير أن الألوان التي اختارتها لنفسها بعيدة ونائية، بينما ألوان نماذجها الأخرى حية ومتألقة. كذلك، رسم هنري روسو نفسه مراراً في هيئة رجلٍ كبيرٍ غير متناسق النسب يبدو سعيداً برسومه، ولون نفسه بألوانٍ شاحبة تختلف عن ألوانه الصارخة المعتادة.

إن دراسة رؤية كل فنانٍ لنفسه في بورتريه، أو في سلسلة بورتريهاتٌ أمرٌ مثير للاهتمام. ولعلك تفرد مزيداً من الاهتمام لبعض الفنانين الذين رسموا أنفسهم.

سلمت على هذا المقال الجميل، والمليء بالمعلومات المشوقة، والباعثة على التفكير. كما أنني أودُ أن أشيد برشاقة أسلوبك في الترجمة، فلو أنك لم تضع كلمة "مُترجم" لما فطن أحدٌ إلى كونه كذلك.

أثر بي كثيراً انشغالك لغيابي أيها العزيز، ولعلها آخر الغيبات بإذن الله.

دُمت بخير.

تحياتي القلبية..

moustafa said...

woderful blog

make money |work at home

www.theway2profits.blogspot.com

عمر said...

اهلا بروموثيوس
هل يرسم الفنان نفسه كنوع من جلد الذات والعقاب؟ ام لكي يخلد نفسه التي يرى فيها العظمه؟ ام ان الامر لايتجاوز رسالة منه الى مجتمعه لكي يوصل بالبورترية مالم يستطع أن يوصله بشحمه ولحمه الى الاخرين.

كل هذه التساؤلات جاءت وأنا اتامل الرسمات التي وضعتها لبعض الفنانين. من وجهة نظر شخصية ارى ان من يرسم نفسه مثل الذي يستمع لصوته في تسجيل لاول مره، يكتشف أنه أقل روعه مما كان يعتقد أو يتمنى.

تقبل تحياتي

Anonymous said...

من جد مدونه رووعه ومتعوب عليها لك مني جزيل الشكر واشكر صديقتي ساره العمري فهي التي أخبرتني بهذه المدونه الاكثر من رائعه شكرا بروميتوس لجهدك الكبير وتقبلني صديقه لمدونتك لك مني جزيل الشكر 0 اختك غيمه مطر

Prometheus said...

الأعزّاء

Rooz
شكرا جزيلا لك. أسعدتني كلماتك. وحضورك مصدر سعادة اكبر.

Prometheus said...

H.M.H
أهلا بك يا صديقي.
كالعادة أعجبتني ملاحظاتك الجميلة والرائعة.
حديثك عن هنري روسو أثار انتباهي وحرّضني للبحث عن بورتريهاته.
أعدك بتنفيذ ما طلبته قريبا إن شاء الله.
محبّتي واحترامي لك.

Prometheus said...

مصطفى:
شكرا جزيلا لك ومرحبا بك دائما.

Prometheus said...

عمر:
أهلا بك يا عزيزي.
الاحتمال الثاني يبدو لي انه الأرجح.
أعجبتني جملتك الأخيرة. أتصوّر أنها تلخيص رائع للأثر الذي يتركه البورتريه في نفس صاحبه.
تحيّاتي لك.

Prometheus said...

غيمة عطر:
شكرا جزيلا لك على حضورك وتعليقك.
وأهلا وسهلا بك دائما.
تحيّاتي ومودّتي.