خواطر في الأدب والفن


  • كان الرسّام سلفادور دالي مولعا بتناول الطعام الفاخر في مجموعات كبيرة، وعلى موائد طويلة، مع نبيذ فاخر، في أفضل مطاعم باريس ونيويورك. وكان يصرّ دائما على دفع الفاتورة بنفسه.
    وعندما يحين وقت الدفع، كان يوقّع الشيك بهدوء وثِقة. وقبل أن يسلّمه للنادل، كان يقلِب الورقة ويرسم على ظهرها رسما تخطيطيا سريعا: أفيال، خيول، أشكال سريالية. ثم يوقّع أسفل الرسم ويسلّم الشيك للمطعم.
    كان الرسّام يعلم تماما ما سيحدث بعد ذلك. لن يبادر صاحب المطعم لصرف الشيك. بل سيضعه في إطار ويعلّقه على الحائط في أفضل مكان في قاعة الطعام. لوحة أصلية ومؤطّرة لدالي تفوق قيمتها سعر أيّ وجبة.
    وقد احتفظت مطاعم عديدة بالشيكات التي تحمل رسومات دالي وتواقيعه كتذكارات لا تقدَّر بثمن.
    ويقال إن هذا تكرّر مرّات عديدة على مرّ السنين، في باريس ونيويورك. في إحدى الليالي، في مطعم باريسي، طلب دالي من النادل ورقة، ثم رسم عليها فيلا رافعاً خرطومه، ووقّع أسفل الرسم، ثم سلّمها له. وربح اسم المطعم كثيرا من هذه الصفقة.
    لم يكن ما فعله دالي مجرّد غرابة أطوار، بل كان إدراكا منه بأن قيمة حضوره وتوقيعه قد تجاوزت بالفعل سعر أيّ قائمة طعام.
  • ❉ ❉ ❉

  • رغم غياب التفاعل المباشر، كان هناك نوع من القرابة الفكرية بين كلّ من إيمرسون ونيتشه. ومع أن الاثنين لم يلتقيا أو يتراسلا مباشرة، إلا أن نيتشه تأثّر بشدّة بكتابات إيمرسون، التي صادفها لأوّل مرّة في أوائل العشرينات من عمره.
    ويمكن ملاحظة تأثير إيمرسون على نيتشه في عدّة جوانب. مثلا، وجد نيتشه في إيمرسون روحا مشتركة في الاحتفاء بالفردانية وأهميّة الاعتماد على الذات. كان هناك اتساق وتناغم بين تركيز إيمرسون على الحياة الداخلية وقيمة الثقة بالنفس، واستكشافات نيتشه الفلسفية للاستقلالية وبناء القيم الذاتية.
    كما وجد نقد إيمرسون للتوافق المجتمعي والأخلاق التقليدية صدى قويّا في أعمال نيتشه. وقد أُعجب نيتشه بشجاعة إيمرسون في تحدّي بعض أفكار المجتمع وفي دعوته الأفراد إلى العيش وفقا لمبادئهم.
    من جهة أخرى، أُعجب نيتشه بأسلوب إيمرسون الفلسفي وقدرته على إثارة الفكر من خلال المفارقات والتناقضات. ويبدو هذا واضحا في كتابات نيتشه الفلسفية وميله إلى تحدّي الحكمة التقليدية بتأكيدات جريئة واستفزازات فلسفية.
    ومثل إيمرسون، كان نيتشه ينظر للطبيعة والكون بدهشة عميقة، واعتبرهما مصدرين لاستلهام الرؤى والأفكار الفلسفية. وتجلّت هذه النظرة في كتاباته التي تعكس تقدير إيمرسون المتسامي للعالم الطبيعي.
  • ❉ ❉ ❉

  • هذه اللوحة هي إحدى تحف بيكاسو من مرحلته النيوكلاسيكية، والتى استمرّت من عام 1918 الى عام 1925. وفيها يصوّر امرأة جالسة وهي تفكّر أو يساورها حلم يقظة.
    استخدم الرسّام في اللوحة عدّة طبقات من اللون الأبيض مع ظلال ناعمة من البنّي والرمادي. وكما هو الحال في العديد من شخوصه الأخرى في تلك المرحلة، تعاملَ بيكاسو مع ملامح وجه المرأة بأسلوب مثالي يعكس دراسته للفنّ الكلاسيكي.
    الهيئة غير الرسمية التي تبدو عليها المرأة، إلى جانب لباسها الفضفاض، يمنحانها طابعا رقيقا ومسترخيا. كما أن مزيج الألوان الصامتة في اللوحة يخلع عليها هالة من الرومانسية والتأمّل.
    قيل في بعض الأوقات إن المرأة هي زوجة بيكاسو الروسية اولغا كوكلوفا. لكن كان من عادة بيكاسو أن يمزج ملامح عدّة أشخاص مختلفين في بورتريه واحد. ويُرجّح الآن أن المرأة هي سارا ميرفي، إحدى ملهمات بيكاسو في تلك الفترة.
    كانت ميرفي وزوجها جزءا من جماعة من المغتربين الأمريكيين الأثرياء الذين كانوا يعيشون في باريس في عشرينات القرن الماضي. وكان أسلوب حياتهما غير التقليدي يجتذب دائرة من الفنّانين والكتّاب كان من بينهم سكوت فيتزجيرالد وإرنست همنغواي.
    وقد التقى بيكاسو وزوجته اولغا الزوجين الأمريكيين في خريف العام 1921، وارتبطت العائلتان بعلاقة وثيقة منذ ذلك الحين.
  • ❉ ❉ ❉

  • مثل الكثير من الأغاني الفلكلورية القديمة، لا يُعرف على وجه التحديد متى ظهرت هذه الأغنية لأوّل مرّة ولا أين. لكنّ القصّة التي بُنيت عليها الأغنية معروفة وإن اختلفت تفاصيلها من مكان لآخر.
    وهناك ثلاثة بلدان كلّ منها يزعم أن الأغنية جزء من تراثه الموسيقي: أذربيجان وأرمينيا وتركيا. والمعروف أن هناك تماثلا بين هذه الثقافات الثلاث من ناحية اللغة والموسيقى والفولكلور بحكم الروابط الجغرافية والتاريخية منذ القدم.
    اسم الأغنية "ساري غيلين". وتعني بالتركية عروس الجبال. لكنها أيضا تعني العروس ذات الملابس الصفراء أو الذهبية. واللون الأصفر يرمز عادة للذهب وأحيانا للحزن والموت.
    ومثلما سبقت الإشارة، ساري غيلين هي أغنية تركية بقدر ما أنها أرمنية وآذارية في نفس الوقت. بل إن هناك نسخا إيرانية وكردية منها، مع أن اللحن بقي هو نفسه على مرّ السنين.
    والأغنية تحكي عن قصّة حبّ أسطورية يقال إنها حدثت قبل أكثر من 300 عام، وبالتحديد بعد انتصار السلاجقة الأتراك على الإمبراطورية البيزنطية. تذكر القصّة أن شابّا تركيا رأى ذات يوم فتاة أرمنية جميلة، فوقع في حبّها ثم سعى جاهدا للزواج منها.
    لكنّ المشكلة انه مسلم وهي مسيحية. ولأن عائلتيهما رفضتا ذلك الزواج، فقد اتفق الشابّ والفتاة في النهاية على الهرب معا. غير أن والد الفتاة، وهو زعيم قبيلة قويّ وذو نفوذ، لحق بهما هو ورجاله وقاموا بقتل التركي.
    وهناك رواية أخرى تقول إن الفتاة تحوّلت إلى الإسلام. لكن والد الشابّ، وبدافع من تعصّبه القومي والقبلي، أقدم على قتلها رغم تحوّلها الى الإسلام.
    وكلمات الأغنية ترد على لسان الشابّ الذي يتحدّث عن حبّه للفتاة ويتمنّى لو كانا على دين واحد. بإمكانك القول إن هذه نسخة أخرى من حكاية روميو وجولييت أو قيس وليلى، مع الفارق.
    جوّ الأغنية وموسيقاها يثيران إحساسا بالمأساة والحزن. الكاتب الآذاري علي أكبر عليّيف كتب رواية اختار لها اسم "ساري غيلين" تناول فيها الشعارات القومية التي تزرع الأحقاد وتذكّي الكراهية بين الشعوب، وربّما كي يشير الى أن القصّة لا تخصّ شعبا بعينه وأن ما يجمع بين هذه الشعوب أكثر ممّا يفرّقها.
    الأرمن، من ناحيتهم، يستحضرون قصّة ساري غيلين عندما يتحدّثون عن أخبار المآسي التي حلّت بهم. وقد ظهر العديد من الأفلام السينمائية والبرامج الوثائقية التي تتناول هذه الحكاية، كلّ من منظور مختلف.

  • Credits
    archive.org
    emersoncentral.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    لغة الطيور

    مخطوطات قرآنية نادرة

    أساطير قديمة: العنقاء