:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, August 30, 2006

عرف القبيلة وسلطة القانون

اشتبك س و ص في معركة بالسكاكين والحجارة والعصيّ انتهت بإصابة س بكدمة غائرة في جبينه خلفت ندبا لا يزول. حدث هذا منذ اكثر من عشرين عاما. وقتها تدخّل رجال القبيلتين ليصلحوا ذات البين وحكموا على ص بدفع مبلغ من المال وألزموه بإقامة وليمة يسترضي بها خصمه لكي تهدأ النفوس وتطيب الخواطر.
مرّت سنوات عديدة على الحادثة ونسي طرفاها ما حدث، غير أن بعض معارف وأصدقاء س لم يتوقّفوا عن تذكيره بما حدث له، وظلوا يلومونه على ما اعتبروه تهاونا منه في حقّ نفسه عندما لم ينتصف من خصمه كما ينبغي. وكان بعضهم الأكثر لؤما يردّدون على مسامعه عبارات مثل: لو فيك خير ما خليت فلان يفتح جبهتك ويسوّد وجهك وانت ساكت".
كان لكلام هؤلاء اثر تراكمي في نفس س، ومع الأيام اصبح على اقتناع بأنه لن يمحو الوشم المحفور على جبينه مع ما يسبّبه له من إحساس بالخزي سوى وشم آخر يحفره هو على وجه خصمه أو عاهة يلحقها به لتلازمه مدى الحياة.
وفي أحد الأيام وبينما كان س يمشي في بعض نواحي بلدتهم معتمرا ما يطلقون عليه في تلك المنطقة بـ "الشبرية" وهي خنجر كبير يشدّه الرجل على خصره لدواعي الزينة والكبرياء، إذ لمح حشدا من الناس يقفون على حافة بئر.
عندما استطلع الأمر قيل له ان في البئر رجلا يحاول نزح الماء من هناك وأنه بحاجة إلى من يساعده في تلك المهمة. ولان س رجل شهم بطبعه ولا يتردّد في مساعدة الآخرين فقد شمّر عن ساعده وشدّ غترته على رأسه بإحكام وبدأ في نزول درجات السلم المؤدي إلى البئر.
فور وصوله إلى قاع البئر نظر س في وجه الرجل الذي ينتظر مساعدته. وصعق وهو يرى أمامه خصمه القديم.
انعقد لسان س من هول المفاجأة وتوقّف عقله عن التفكير، ودون أن يشعر نزع "شبريته" واغمدها في بطن ص.
كانت فكرة الثأر قد مسخت إحساسه وسحقت روحه وأصبح منقادا بطريقة غريزية لهواجس نفسه المظلمة بفعل ما كان ُيضخّ في عقله من عبارات تحقّره وتصفه بالجبن وتوهمه بأنه لن يعود رجلا سويّا أو جديرا بالاحترام إلا عندما ينتقم ممن ألحق به عار تلك اللطخة الأبدية.
انتشلت جثة ص من البئر وتبيّن انه مات على الفور. واقتيد س إلى السجن بعد اعترافه بجريمته.
في ما بعد، تدخّل بعض المحسنين من أجل إنقاذه من القصاص ودفعوا لعائلة المغدور اكثر من أربعة ملايين ريال مقابل عفوهم عن قاتل أبيهم، لكنهم رفضوا كلّ مبادرات العفو وأصرّوا على إنفاذ الحكم.
وهذا ما حدث..
سمعت القصة أعلاه من أحد الأشخاص منذ أيّام وقد نقلتها كما سمعتها. وهي تؤشّر إلى مدى قسوة المجتمع وتغلغل فكرة العار والأخذ بالثأر في وجدان بعض أفراده إلى درجة التحريض على القتل. وخلال الاسبوعين الاخيرين تابعت في بعض منتديات الانترنت تطوّرات قضية أخرى عن شابّ اقام علاقة غير شرعية مع فتاة من قبيلة اخرى. وقد تدخّل المصلحون وفرضوا على قبيلة الشاب تعويضا ضخما يكفّر به عن خطئه بعد أن رفض بشكل قاطع فكرة الزواج من الفتاة. لكن ما أن انقضت بضعة ايام على الصلح ودفع التعويض حتى نصب شقيقا الفتاة كمينا للشاب اطلقوا عليه خلاله الرصاص انتقاما لشرفهم المثلوم. والدرس المستفاد من هاتين الحادثتين وغيرهما من الحوادث التي تزخر بها الصحف هو أن الحلول والمعالجات المستندة إلى العرف العشائري وحده لا تجدي دائما بل قد تؤدّي أحيانا إلى مشاكل أخطر وأنه لا بديل في النهاية عن تطبيق أحكام القانون المكتوبة والمتعارف عليها لان لها قوّة ردع أكبر تجعلها اكثر إلزاما وثباتا.