:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, February 24, 2008

من صندوق البريد

الموسيقى حياة..
بل إن الموسيقى لا تقلّ أهميّة، في الحقيقة، عن الماء والهواء والغذاء.
وقد اعتدت من وقت لآخر أن آتي إلى مدوّنتك، أولا كي أسمع ما تضعه فيها من موسيقى ثم لأعرّج سريعا على قراءة مواضيع اللوحات الجديدة.
ولعلك تتفق معي على أن اثر الموسيقى في حياتنا كبير جدا. ولست أبالغ إن قلت إن الموسيقى من أجمل وأروع الأشياء التي خلقها الله على الأرض، فهي تغني الأحاسيس وترقّي الوجدان وتنشر المحبّة إذ تربط بين البشر وترتفع فوق حواجز اللغة والثقافة والدين.
سمعت موزارت وبيتهوفن وباخ وشوبيرت وغيرهم في مدوّنتك، وهذا شيء جيّد ولا شك. وأتصوّر أن مدوّنة تعنى بالفن التشكيلي لا يصلح لها إلا هذا النوع من الموسيقى، أي الكلاسيكية. وفي بعض الأحيان لاحظت انك تختار أغاني، عربية في الغالب، مع انه خيّل إلي مرّات كثيرة أنها لا تناسب مادّة المدوّنة.
الموسيقى الكلاسيكية أكثر هدوءا وبعضها بالمناسبة أكثر عصرية من كثير مما نسمعه هذه الأيام مما يوصف بالموسيقى الحديثة، ثم إن الموسيقى الكلاسيكية أكثر انسجاما وتوافقا مع لغة الخطوط والألوان والظلال.
وأرجو أن تسمح لي بالحديث قليلا عن اثر الموسيقى في توحيد البشر وتعزيز روح الإحساس بالجماعة. منذ يومين فقط كنت أتفرّج على إحدى حلقات ستار أكاديمي ولفت انتباهي وجود امرأة يربو عمرها، دون مبالغة، على السبعين. كان وجهها متغضّنا وعيناها غائرتين بفعل كبر السن وتقادم الزمن.
ومع ذلك كانت العجوز تهزج وتدبك وتغني على أنغام أغنية راقصة. لقد كانت بطريقتها العفوية تعبّر عن مشاعرها وتنعش قلبها وتغذي إحساسها الداخلي بالأمل والتفاؤل وحبّ الحياة.
وقد تذكرت في تلك اللحظة قول احد الموسيقيين العظام ان الموسيقى لا تحتفي فقط باختلافات البشر بل تكشف عن نقاط الشبه والالتقاء بينهم.
إنني لا يمكن أن أتصوّر كيف ستكون حياتنا بدون موسيقى.
إن الحياة من غير موسيقى ستكون ناقصة، كئيبة، خاوية وبلا معنى.
إن أجمل القطع الموسيقية وأجمل اللوحات التشكيلية هي تلك التي تخاطب وعي الإنسان، لكن الفن الأعظم هو الذي ينفذ إلى العقل الباطن، إلى عالم اللاوعي ومسارب الروح..
إن الموسيقى جزء من حياتنا ومن طبيعتنا. وقد قرأت مؤخرا أن عالمنا عرف الموسيقى منذ أقدم الأزمنة أي عندما كانت الحيوانات والطيور تجوب الأرض لوحدها وتتّصل ببعضها البعض من خلال أشكال من الموسيقى الصوتية.
وأمس كنت بالصدفة أشاهد الأخبار على قناة روسيا اليوم عندما ظهر في إحدى الفقرات بعض قدامي المحاربين وقد رصّعت بدلاتهم بأفخم الأوسمة والرتب والنياشين ومع ذلك كانوا يرقصون ويعزفون ويغنون، دون ان يخشوا احتمال أن يتهمهم احد بأنهم يتخلون عن وقارهم أو يحطّون من قدر اللباس الذي يرتدونه أو المناصب التي كانوا يتقلدونها.
إن العجوز التي كانت ترقص وتغني في البرنامج إنما كانت تتصّرف على سجيّتها التي فطرها الله عليها. وبالتأكيد كانت تفعل ذلك دون أن تكترث بسيل الفتاوى التي تحرّم الغناء وتصم كل من يسمع الموسيقى بنقص المروءة والفجور والمجون.
إن القول بأن دينا ما يحرّم الموسيقى أو يعادي الفنون إنما يعني في نهاية الأمر أن الدين يجافي الفطرة السليمة ويتنكّر للطبيعة الإنسانية التي تهفو إلى حبّ الجمال الذي يتجلى ويتجسّد في العديد من أشكال ومظاهر الطبيعة من حولنا.
ولقد تستغرب إذا علمت أن الدماغ البشري من حيث بنائه الفيزيولوجي والتشريحي مبرمج على حبّ الموسيقى.
هذه حقيقة علمية راسخة توصّل إليها العلماء بعد أبحاث ودراسات طويلة ومعمّقة. كما ثبت علميا أن الموسيقى تساعد في علاج الكثير من الأمراض والاختلالات السيكولوجية.
لقد ظلت الموسيقى، ومنذ عصر فيثاغوراس الذي اخترع النوتة، بل منذ كان الإنسان البدائي ينفخ في القصب ويقرع الطبول، تحثّ على المحبّة وتقرّب بين البشر وتجلب للناس المتعة والسكينة النفسية والروحية.
وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن المجتمعات التي يشيع فيها العنف والكراهية وحتى الإرهاب الجسدي والمعنوي هي تلك المجتمعات التي تعادي الفنون وتحرّم الشعر والموسيقى والرسم.
ومن اجل أن نعكس الآية ونعدّل الوضع المائل كي ينشأ الناس بشرا أسوياء، يجب ان نبعث في النفوس حبّ الحياة وتذوّق الجمال والأمل في المستقبل.
وتلك هي رسالة الفنون بعامّة، والموسيقى بشكل خاص.
عاشق الحجر – (الرجاء حجب الايميل)