:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, February 28, 2009

دعوة للتسامح


من بواعث الحزن والأسى أن تكون الأماكن المقدّسة التي يفترض أنها تربط بين عامّة المسلمين وترمز إلى وحدتهم وتضامنهم مسرحا لمصادمات وأعمال عنف وشغب. والأمر الأكثر مدعاة للحزن أن يحدث ما حدث بين أبناء وطن واحد يجمعهم من الآمال والتطلعات أكثر بكثير مما قد يفرّقهم.
وما حصل في المدينة المنوّرة بين بعض المواطنين الشيعة والهيئة الدينية كان أمرا مؤسفا ولا شكّ لكنه لم يكن مفاجئا تماما.
فالتعبئة المذهبية أمر واقع حتى قبل الأحداث الأخيرة. ولا بدّ أن يتخيّل المرء طبيعة الشعور الذي يخامر بعض المتديّنين عندنا تجاه عامّة الشيعة حتى قبل أن يأتي هؤلاء إلى المدينة معتمرين أو زائرين. فهناك سيل الفتاوى التكفيرية التي لا تكاد تتوقّف وهناك ما يُكتب في المنتديات من تحريض صريح وتكفير علني ودعوات للعنف والتعامل بشدّة مع فئة من المواطنين ينظر إليهم الفكر الديني السائد على أنهم جماعة من أهل الشرك والبدع ينبغي قمعهم وإقصاؤهم!
إذن هناك أجواء شحن مذهبي هي جزء من الحالة العامّة والتي ليست وليدة اليوم وإنما لها امتداداتها في الماضي. ومن السهل على أيّ إنسان أن يتنبأ بما يمكن أن تؤول إليه الأمور في مثل هذه الأجواء المكهربة. فحالة الشكّ والتربّص والكراهية المكتومة تحت السطح يمكن أن تخرج فجأة وتتمظهر على هيئة هبّات أو فورات عصبيّة غير منضبطة من شأنها أن تؤدّي إلى اشتعال نار الفتنة مع أوّل احتكاك ينتج عنه شرر سرعان ما يتطوّر إلى ما هو أسوأ لا سمح الله.
والحقيقة أنني لست مهتمّا كثيرا بما يكتب في المنتديات من استدعاء لتهم العمالة ونقص الولاء كأساس لفهم ما حدث. إذ من السهل جدّا في مثل هذه الظروف أن تكثر مثل هذه التهيّؤات والأقاويل التي يميل البعض إلى نشرها وتسويقها في محاولة لشيطنة الآخر ووضعه موضع الاتهام والشبهة دون تثبّت أو دليل.
المسألة في الأساس لها علاقة بأجواء الحرّية الدينية وطبيعة ثقافة المجتمع ومدى تسامح الناس وتقبّلهم للآخر المختلف. وأحسب أننا من هذه الناحية لا زلنا متأخّرين كثيرا عن بقيّة العالم.
في الأديان الأخرى مذاهب وفرق متعدّدة ولها أماكن يذهب إليها الناس من شتّى الملل والنحل لغرض الحجّ وزيارة بعض المعالم التي يقدّسها الأتباع والمؤمنون. وقد جرت العادة أن ينظم حركة الناس فيها أفراد يتّسمون بالبشاشة ورقة الخلق ولين الجانب والسلوك الحضاري الرفيع. لاحظت هذا بنفسي في بعض بلدان الشرق الأقصى حيث تكثر الأديان وتمتزج الثقافات. وما يحصل هو أن الجميع يؤدّون طقوسهم وشعائرهم التعبّدية بكلّ حرّية ويسر وأمان، حيث لا شغب ولا مناوشات تذكر ولا إذكاء للكراهية وروح التعصّب. طبعا هذا الأمر ما كان ليحدث لو لم تكن الدساتير نفسها ضامنة للحرّيات الدينية للناس وتعامل مواطنيها جميعا على قدم المساواة في الحقوق والواجبات ولو لم تكن هناك قوانين صارمة تفرض اشدّ العقوبات على كلّ من يحرّض على العنف أو يروّج للكراهية.
إن في المملكة العربية السعودية قيادة حكيمة وواعية وهي تؤكّد في كلّ مناسبة أنها ليست زعيمة لطائفة ولا حارسة على مذهب معيّن بل تعتبر كلّ المواطنين على مختلف انتماءاتهم ومناطقهم متساوين بحكم المواطنة والانتماء إلى هذه الأرض. وضمن هذه القناعة جاءت قرارات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الأخيرة، خاصّة ما يتعلق منها بإعادة النظر في تركيبة قمّة الهرم الديني، منسجمة مع نهجه المتسامح والحكيم الذي يدعو إلى الانفتاح والتسامح وينهى عن الإقصاء والتعصّب.
والحقيقة التي يعرفها الجميع أن في بلدنا مذاهب ومدارس فقهية متعدّدة ولا يمكن لفئة أو جماعة واحدة أن تفرض وصايتها على الآخرين ولا أن تلزمهم بفهمها الخاصّ للدين.
إن من حقّ كلّ إنسان أن يمارس عباداته وطقوسه الدينية بكلّ حرّية وبلا قيود أو وصاية من احد طالما أن ذلك لا يمسّ أو ينتقص من حرّيات الآخرين أو يؤدّي إلى نشر الفوضى أو تهديد أمن المجتمع وسلامته.
مع مرور الوقت أصبحت أكثر اقتناعا أن التطرّف الديني، سواءً أتى من هذه الجهة أو تلك، هو عرض لمرض يصيب الإنسان في عقله فينتكس تفكيره ويتشوّش فهمه إذ يتوهّم انه أحسن الناس وأكملهم إيمانا وأن ما على الآخرين سوى أن يصدّقوا أوهامه وينصاعوا لمشيئته ويسيروا في أثره كالعميان أو كالخراف التي لا تملك من أمر نفسها شيئا وليس لها عقول تميّز بها وتحلل وتستنبط ما يناسبها من أفكار وقناعات وما لا يناسبها.
إن من نافلة القول أن تفكيك بنية التطرّف والهوس رهن بإشراك كافّة الأطراف في القرار الديني، لأن إقصاء الآخرين من شأنه فقط أن يؤدّي إلى استمرار تغوّل فرقة بعينها على من عداها مع ما ينشأ عن ذلك من محاولات فرض الوصاية على الغير وإباحة تكفيرهم والتعدّي على حقوقهم باعتبار إيمانهم ناقصا أو موضع شبهة.
ليس في بلدنا أديان كثيرة حتى يختلف الناس حيالها وينقسموا – هذا على افتراض أن ذلك بحدّ ذاته مدعاة للفرقة والخلاف - وإنما هناك دين واحد بمدارس ورؤى متعدّدة وهذا شيء طبيعي ولا يستحقّ أن يُعبّأ من أجله العوامّ ولا أن تجيّش المشاعر وتحقن النفوس بميكروبات الحقد والكراهية. ولو تأمّل الناس الواقع بتبصّر وحكمة لأدركوا انه ليس هناك خلاف حقيقي وإنما اختلاف ينشأ من حقيقة أن كلّ جماعة تنظر للأمور من زاوية مختلفة.
إن من واجب القيادات الدينية المعتدلة أن تعمل على غرس قيم الاعتدال والتسامح في نفوس أتباعها وأن تبصّرهم بما يمكن أن تجلبه الأفكار التكفيرية والتعصّب الأعمى للمذهب أو للجماعة من أخطار على سلامة المجتمع وعلى أمن الوطن الذي هو في النهاية مكان يتّسع للجميع مهما تنوّعت أفكارهم أو تعدّدت اجتهاداتهم ومذاهبهم.