:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, November 14, 2009

سحر الصحراء

في الصحراء تستوقفك التشكيلات الصخرية بأشكالها وهيئاتها الغريبة. وربّما تقع عيناك على بعض الرسومات المحفورة على الصخر لحيوانات وكائنات غريبة والتي لم ينجُ بعضها من أعمال التشويه والتخريب.
من واقع التجربة والمقارنة، أصبحت أدرك أن الصحراء التي عندنا بسيطة لا يلزم لارتيادها واكتشافها معدّات صعبة ولا أجهزة معقّدة. ويبدو أنها لم تعد تؤوي حيوانات مفترسة أو مخيفة بعد أن تسبّب الإنسان في انقراضها. لكن في بعض تلك النواحي ما يزال بالإمكان رؤية بعض الأفاعي والعقارب وما في حكمها.
الصحراء، هذا الفضاء الواسع واللانهائي، ما يزال يحتفظ بقيمه الفنّية والجمالية الخاصّة. وما من شكّ في أن الطبيعة الصحراوية تركت أثرا كبيرا في الشعر والثقافة والوجدان الشعبي. وأكثر الشعر النبطي الذي قيل في الصحراء قاله شعراء من الجزيرة العربية بالذات.
وكنت وما أزال مندهشا من افتتان الغربيين بصحرائنا وبأسلوب الحياة في البادية. أتذكّر أنني رأيت في مدينة الطائف ذات مرّة مجموعة من السيّاح الأجانب أقاموا خيمتهم على طرف إحدى الحرّات القديمة في قلب الصحراء. وسمعت أنهم يذهبون إلى ذلك المكان للاستمتاع بالنوم ليلا في الصحراء ولاستخراج الألماس من بقايا الشهب والنيازك التي تساقطت هناك منذ أزمنة قديمة.
على ذكر الحرّات، أتذكّر أن الكاتب مشعل السديري كتب ذات مرّة عن تجربة غريبة مرّ بها عندما نام ليلا في إحدى الحرّات القريبة من مدينة تبوك. والحرّة هي عبارة عن أرض بركانية كلّ ترابها وحجارتها حالكة السواد. يقول: أوقفت سيّارتي وأطفأت أنوارها. كانت تلك الليلة في أواخر الشهر الهجري. كان الصمت رهيبا والسماء صافية لا سحاب فيها ولا قمر. وما أن مددت فراشي على الأرض واستلقيت عليه ورفعت بصري لهذا الكون الفسيح الشاسع حتى صدمني منظر لم أشاهد مثله في حياتي. أحسست لحظتها أن السماء أطبقت على الأرض وأن النجوم البعيدة اقتربت وأصبحت في متناول يدي، إلى درجة أنني مددتها إلى أعلى أريد أن ألمسها وأخطف واحدة منها. ويضيف: لقد تلاشى الأفق، لم يعد هناك أفق على الإطلاق، واختلطت السماء بالأرض، وغدوت أنا مع فراشي وكأننا محلّقان بالفضاء، وتلاشى النعاس من أجفاني، واتسعت أحداقي بانشداه عجيب وأنا أتأمّل آلاف النجوم وعشرات الشهب وهي تتهاوى في عرض كرنفالي يخلب الألباب. لم أنم تلك الليلة دقيقة واحدة. نسيت أهلي وأصحابي والدنيا بأسرها وظللت محلّقا في ملكوت الله ساعات هي من أمتع ساعات عمري".
الشعراء منذ القدم أحبّوا الصحراء وتوحّدوا معها وتنافسوا في وصف جمالها وما تنطوي عليه من مشهدية وغيبية وما ترمز له من صبر وتضحية. يقول شاعر أمريكي: كلّ صحراء ما هي إلا شاطئ ميتّم هجرته البحار القديمة منذ زمن طويل. والرمال العطشى ما تزال تحلم باحتضان مياه المحيط". وهذه حقيقة مؤكّدة. فقد رأيت في بعض الأماكن الصحراوية جبالا عليها علامات تُظهر مستوى الماء قبل أن ينحسر عنها بفعل التغيّرات المناخية والجيولوجية المتعاقبة.
في بعض الأحيان نهرب إلى الصحراء كي نستمتع بالعزلة والهدوء. فهي مهد الإنسان الأوّل، والحنين إليها يعكس في واقع الأمر توق الإنسان للعودة إلى البدايات.
وللصحراء جماليّاتها المتفرّدة والخاصّة. فهي واسعة، قديمة وخالدة. وغروب الشمس في تلك الأرجاء له سحره الخاصّ. رائحة الأعشاب العطرية بعد هطول المطر ينعش النفس ويسلّي الفؤاد. وليل الصحراء يجلب النجوم. تنظر إلى السماء في الليل وتكتشف كم أنها ضخمة وواسعة ورحبة. وبعض المجرّات البعيدة يمكن أن تراها بالعين المجرّدة، حيث لا تلوّث ولا عوادم ولا أدخنة تشوّش العين وتحجب الرؤية.
في الصحراء قد تكتشف انك أصبحت بعيدا عن المدينة. لكن ما يزال بالإمكان رؤية أنوارها على بعد أميال. والصحراء ليست فراغا مصمتا. بل يمكنك وأنت جالس هناك أن تنظر خلفك عبر غبار الزمن إلى مئات وربّما آلاف السنين.
ولو قدّر لك ونمت في الصحراء ذات ليلة، ستكتشف في الصباح الباكر متعة الصحراء التي لا تحدّها حدود. وإن كنت محظوظا، ستشهد نزول المطر وستشمّ رائحته وهي تعبق في الأجواء ممزوجة بشذى السمر والعرار وغيرها من نباتات وأشجار الصحراء الخالدة.
غير أن للصحراء غموضها الذي يبعث الخوف والرهبة في النفس. دروب لا تؤدّي إلى وجهة أو مكان محدّد، منازل مهجورة، تكوينات غامضة، أضواء غريبة في السماء الليلية وقمم جبال تغرق في الأفق البعيد.
في التراث الصوفي، كثيرا ما يجري تشبيه الرحلة الروحية بعبور وديان ومفازات الصحراء. المتصوّفة يحتاجون إلى دليل أو عارف يدلّهم إلى الطريق ويساعدهم في البحث عن الحقيقة. وكذلك الأمر بالنسبة للصحراء. فالطريق فيها مليء بالأخطار والتحدّيات، ورئيس القافلة يمسك بالجمل ليوجّهه عبر المسالك الوعرة والدروب الخطيرة.
ومنذ القدم كانت الصحراء مكانا للأساطير والملاحم الشعرية. كما أنها أرض الغيلان والجان والشياطين. وهي أيضا ارض الجنّيات اللاتي يتخذن هيئة نساء جميلات يقال إنهن يظهرن في الصحراء عندما ينتصف الليل. وفي زمن ليس بالبعيد راجت أسطورة سمعتها من احد كبار السنّ تقول إن احد شيوخ القبائل اعتاد أن يتزيّن ويتعطّر ويلبس أجمل ثيابه ويسرج حصانه قبل أن يخرج بعد منتصف الليل باحثا عن إحدى تلك الجنّيات.
أفكار الأوّلين أكثر شفافية، ولا شكّ أنهم أكثر قدرة منّا على التخيّل.
الصحراء هي، بمعنى من المعاني، مرآة العالم. يمكنك أن ترى فيها لمحة من وجه الله، ثمّ لا تلبث أن ترى فيها نفسك. والصحراء تضمّ داخل طيّاتها وأنسجتها أجزاءً من ذاكرة قديمة. قبل ألوف السنين وجد أسلافنا الآلهة القديمة في هذه الصحراء وتشكّلت بعد ذلك الكثير من الأفكار عن ذكريات وأحلام ورؤى.
اليوم بإمكاننا أن نجد الصحراء في موسيقى كيتارو، وفي لوحات مايكل كينا وبارانبوم، وفي رسومات جورجينا اوكيف حيث الصحراء ترمز إلى انبعاث وتجدّد الحياة.
في لوحته مساكن مهجورة "إلى فوق"، يرسم فلاديمير كوش الحياة بعد أن غادرت المساكن القديمة. نهر الحياة القديم يجفّ. لكن رمال الصحراء ما تزال تحتفظ بآثار أنهارها الأولى. وهناك صَدفة فارغة جلبها النهر. حتّى أبو الهول غادر مكانه في الأهرامات. بينما يبدو القمر في السماء جرما متجمّدا منذ ملايين السنين بعد أن هجره ساكنوه. هذه لحظة مفصلية. الكون بارد والظلام وشيك والقافلة تغذّ السير نحو مدن أخرى تشعّ فيها أنوار المساكن الدافئة حيث لم يجفّ نهر الحياة بعد.

No comments: