:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, February 08, 2009

أجواء روسيّة

أوّل مرّة سمعت فيها موسيقى موديست موسوريسكي "ليلة على الجبل الأجرد" كانت منذ سنوات في احد برامج الدراما أو لعله كان برنامجا وثائقيا.
والحقيقة أن هذه القطعة بالذات ليست من تلك النوعية من الموسيقى التي يتمنّى الإنسان أن يسمعها في كلّ حين. فهي موسيقى متوتّرة، مظلمة بل وعنيفة إلى حدّ ما. لكنها مشهورة جدّا، وقد عرفها الناس أكثر بعد أن وظفت في الفيلم المشهور اوديسّا الفضاء.
والمقطوعة تذكّرنا أجواؤها إلى حدّ كبير بالموسيقى المسماة طيران الفالكيري لـ ريتشارد فاغنر، وبموسيقى ريتشارد شتراوس هكذا تحدّث زرادشت Thus Spoke Zarathustra المستوحاة من عنوان رواية لـ فريدريك نيتشه.
موسوريسكي استلهم هو الآخر معزوفته من قصّة قصيرة للكاتب الروسي غوغول يمزج فيها بين حكايات الجان والقوى الغريبة بأسلوب فلسفي وتأمّلي. وتزدحم القصّة بمشاهد الغربان والساحرات والأرواح والأشباح والليل والظلام وأجراس الكنائس. إلى آخره.
والانطباع الذي تثيره هذه الموسيقى في النفس هو مزيج من الخوف والترقّب. وما يكثف هذا الإحساس في نفس السامع بدايتها الدراماتيكية الصاخبة التي تصوّر لحظة وصول الآلهة السوداء إلى الجبل الأجرد. ثم تتنامى وتيرة الموسيقى شيئا فشيئا مثيرة في السامع إحساسا بأن كلّ شيء يسير إلى نهايته الحتمية، أي إلى حيث التضحية والخلاص وانتصار الخير على الشر.
وليس من المستغرب أن يجد مخرجو الأفلام السينمائية بغيتهم في هذه المقطوعة. فقد تم توظيفها مرارا في العديد من الأفلام مثل سلسلة هالووين وفيلم ديزني المشهور "فانتازيا".
وما تزال "ليلة على الجبل الأجرد" إلى اليوم من المقطوعات الكلاسيكية المفضّلة والتي تعزف بانتظام. وهي مصنّفة ضمن ما اصطلح على تسميته بالأدب الاوركسترالي، أي الموسيقى الكلاسيكية المستوحاة من أعمال أدبية ومسرحية.
أما موسوريسكي نفسه فيعتبر واحدا من أفضل المؤلفين الكلاسيكيين في روسيا. وكثيرا ما يُقرن اسمه بأسماء مثل بروكوفييف وشوستاكوفيتش وآرام خاتشاتوريان ورحمانينوف وسترافينسكي وغيرهم من الموسيقيّين الروس المجدّدين.
وهناك من يشبّه إيقاعات موسيقاه وغناها اللوني والنغمي بالشخصية الروسية نفسها.
ومن أشهر أعماله الأخرى "صُوَر في معرض"، وهي عبارة عن سلسلة من المعزوفات الموسيقية التي تصف لوحات فنّية بأسلوب يتداخل فيه اللون والنغم بطريقة جميلة ومبتكرة. وقد استوحى موسوريسكي فكرة الموسيقى بعد أن شاهد مجموعة رسوم واسكتشات لصديقه الرسّام والمهندس فيكتور هارتمان.
موسيقى الصور سهلة، بسيطة وقريبة من النفس، إذ تترك للسامع حرّية أن يكوّن الانطباع الذي يريد عن أجواء ومزاج كلّ صورة.
بينما "الجبل الأجرد" موسيقى معقّدة وصعبة. قد تسمعها دون أن تحبّها أو ترتاح لها كثيرا. لكن لا جدال في أنها تتسم بحيويّتها الكبيرة وبشحنة الدراما المكثفة فيها.
الموسيقى الروسية الكلاسيكية، بشكل عام، معروفة بثرائها وعمقها وتنوّعها الكبير من حيث الشكل والمضمون. والذي يريد أن يكتشف روسيا أو يعرف شيئا عن شعوبها وثقافاتها المختلفة لا بدّ له أن يستمع إلى تشايكوفسكي وريمسكي كورساكوف. فموسيقاهما يمكن اعتبارها تمثيلا حيّا وحقيقيا للروح الروسية بما تتضمّنه، أي الموسيقى، من خصائص ومن تنوّع في الثيمات والأفكار، من قومية وملحمية ودينية وعاطفية وتأمّلية وفانتازية.. وخلافه.
ولو جاز لي أن أضيف اسمين آخرين لاخترت ميخائيل غلينكا مؤلّف روسلان ولودميلا، وهي القصّة الروسية المناظرة لـ روميو وجولييت، وألكسندر بورودين صاحب الأوبرا المشهورة "الأمير ايغور".
وبورودين لا يبتعد كثيرا في موسيقاه عن نكهة وطبيعة موسيقى تشايكوفسكي وكورساكوف.
والذي يستمع إلى الأمير إيغور سيدرك أننا إزاء عمل ملحمي، لكنه لا يخلو من عناصر خفيفة، من قبيل القصص الإنسانية والمواقف العاطفية. وقد ألف بورودين الأوبرا في وقت كانت المشاعر الوطنية للروس في أوج اشتعالها وتأجّجها. وعُزفت لأوّل مرّة في ذكرى اعتلاء ألكسندر الثاني عرش روسيا.
في أوبرا الأمير ايغور يقدّم بورودين صورة غير نمطية عن المغول. إذ لطالما عُرف عن ذلك الشعب ميله للحروب ولحياة الغزو. والانطباع السائد عن تلك القبائل التي استوطنت أواسط آسيا منذ أقدم الأزمنة هو أنهم كانوا من المحاربين القساة والمتعطّشين للدماء الذين ما أن يحلّوا بأرض حتى يروّعوا أهلها وينشروا فيها الدمار والخراب.
لكن أوبرا الأمير ايغور تقدّم المغول بهيئة شعب محبّ للحياة ومولع بالرقص والغناء ومعاقرة الخمر والنساء.
والأوبرا تتمحور حول حادثة غزو القبائل المغولية لجنوب روسيا مع ما رافقها من نجاح قائد المغول في اسر الأمير الروسي إيغور وابنه. وفي ثنايا القصّة مشهد يصوّر الخان المغولي وهو يقدّم لأسراه ضروبا باذخة من التسلية والترفيه على هيئة أغان ورقص وفتيات مغريات من العبيد.
وأشهر أجزاء هذه الأوبرا هو تلك المعزوفة المسمّاة رقصات تتارية والتي تصوّر رقص نساء المغول في قالب إيقاعي يبدأ بطيئا ثم يتصاعد تدريجيا ويغلب عليه استخدام الآلات الوترية والنفخية. وأجمل ما في هذا اللحن هو أصوات الكورال التي تؤدّي غناءً تذكّريا شجيّا يلامس القلب ويثير شعورا بالجمال والتسامي وينقل السامع إلى آفاق وذرى بعيدة.
هذا الجزء أيضا ينطوي على غنائية رائعة، بألوانه الباذخة وابتكاراته الهارمونية الأخّاذة.
ولهذا السبب حققت هذه القطعة نجاحا هائلا بدليل كثيرة تسجيلاتها وتنوّع توزيعاتها وحرص اكبر الفرق الاوركسترالية في العالم على إدراجها وعزفها ضمن برامجها الموسيقية.
وقد أكسبت هذه المعزوفة ألكسندر بورودين شهرة واسعة ووضعته في طليعة أفضل موسيقيّي روسيا في القرن التاسع عشر.
هذا على الرغم من أنه كان يعتبر التأليف الموسيقي مجرّد هواية لإزجاء الفراغ وللتعبير عن النفس والمشاعر. وكان يكرّس جلّ وقته لمهنته الأصلية ككيميائي وأستاذ في كلية الطب.
ومن بين أعماله الموسيقية الأخرى التي يجدر التنويه بها الرباعية الوترية ومعزوفته الأخرى بعنوان "في سهوب آسيا الوسطى" التي أرادها أن تكون تذكيرا بماضي روسيا البعيد عندما كانت حدودها الشاسعة محصّنة ومنيعة بما يكفي لصدّ هجمات الغزاة والمغامرين.

هامش:
موديست موسوريسكي: ليلة على الجبل الأجرد
ريتشارد فاغنر: طيران الفالكيري
ريتشارد شتراوس: هكذا تحدّث زرادشت
موديست موسوريسكي: صور في معرض
ميخائيل غلينكا: روسلان ولودميلا
الكسندر بورودين: رقصات تتارية، في سهوب آسيا الوسطى، الرباعية الوترية

No comments: