:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, February 10, 2009

خواطر في الأدب والفنّ

أين نحن من هذا الجدل ؟


هناك سؤال يخطر بالبال كلما قرأنا أو سمعنا عن هذا الجدل الكبير الدائر في المجتمعات الغربية عن نظرية داروين التي تتناول نشأة وتطوّر الحياة على الأرض.
فلاسفة ومفكّرون ورجال دين ومؤسّسات تعليمية كثيرة ومراكز بحث متعدّدة، كلّ هؤلاء منهمكون في جدل لا ينتهي حول نظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي وما إذا كانت صحيحة علميا أو خاطئة.
وأنت تبحث في موقع غوغل عن بعض المفردات، تفاجأ بأن نظرية خلق الكون Creationism مثلا تتكرّر حوالي ثلاثة ملايين مرّة. والداروينية Darwinism أكثر من مليوني مرّة.
هذا على الانترنت فقط. ناهيك عن مئات بل آلاف الكتب والأبحاث والدراسات المطبوعة.
نظرية داروين تفترض أن كلّ كائن حيّ يأتي من كائن سابق له، وأن الكائنات التي كانت موجودة في الماضي تحوّلت مع مرور الزمن إلى كائنات أخرى. ومن ثمّ فإن كلّ الكائنات وجدت وتطوّرت بهذه الطريقة وبشكل تدريجيّ على امتداد ملايين السنين.
السؤال: أين نحن من هذا الجدل؟ لماذا لا تستهوينا مناقشة هذه النظرية وغيرها من النظريات العلمية التي تعالج مسائل في غاية الأهمّية عن الإنسان والكون والحياة؟
هل السبب هو أن النصّ الديني حسم هذه القضية بحيث أن من يتطرّق لها يمكن أن يتّهم بالتشكيك أو التجديف وأحيانا بما هو أعظم؟
الإنجيل والتوراة أيضا يقفان موقفا معاديا من النظرية، لكن هذا لم يمنع الجدل حولها وانقسام الآراء تجاهها هناك ما بين مؤيّد ومعترض.
أم السبب أننا غير معنيّين بهذه القضيّة لأن عقلية المسلم تميل إلى الإيمان بالغيبيات واعتبارها مسلّمات لا تقبل النقاش، ومع انتشار هذه النزعة وتجذّرها أصبح من غير المسموح إخضاع أيّ افتراض أو معطى علميّ للتحليل المنطقي أو النقاش العقليّ؟
كلّما أدركت مدى جهلي وجهل أبناء جيلي بنظرية داروين وبنظرية النسبية وبأفكار نيوتن في الفيزياء وغيرها من النظريات والفتوحات العلمية العظيمة، كلما أصبحت أكثر اقتناعا بفداحة ما جناه علينا النظام التعليميّ البائس والمناهج القاصرة عندما نشأنا وكبرنا ونحن ما نزال نجهل ابسط الأمور عن نظريات وعن علوم ومعارف تُعتبر اليوم محطّات مفصلية في عملية تطوّر الفكر الإنسانيّ الذي أدّى بدوره إلى ما نشهده الآن في العالم من مظاهر التقدّم والنهوض المعرفيّ والحضاريّ.

❉ ❉ ❉

استعادة


الليل منقذ. وكثيرا ما يفعل.
الليل يخفي بسحره الأخطار الكامنة والألم والهواجس العميقة.
النهار يأتي بمفاجئاته المخيفة، بالصراع والتهيّج وعدم الارتياح.
النهار يذكّرنا بالانضباط وبالسلوك الذي يتعارض عموما مع التفكير.
النهار يجعلنا خاضعين للرغبة والسلطة والطموح.
لكن الليل مسألة مختلفة. إنه يأتي من كوكب آخر، من عالم مختلف.
الليل يجلب الرياح والظلام وستارة بلا اسم.
الليل مختلف، لأنه ينقذنا من مزيد من الآلام والجراح.
الليل يعيدنا إلى حالتنا الأصلية.
يحمينا من المزيد من الأسئلة ويتركنا في سلام.
الليل سبب طبيعي لأن نحيا من بين أسباب كثيرة لأن نموت.
في الليل، نحن بعيدون عن الجموع، عن الأصدقاء، وعن التملّق بما فيه تملّقنا نحن.
وإذا كان الليل متملّقا أيضا، فهو متملّق أمين.
الليل لا يقدّر بثمن، لأنه يمنحنا المرآة التي نرى فيها أنفسنا وتكشف عن رغباتنا الدفينة التي هي أصدق أفكارنا.
الليل يمنحنا تلك الكآبة اللذيذة ويوفّر لنا ملاذا من الجنون المتسارع للنهار، من الوجوه الرطبة لضوء النهار.
الليل يسمح لنا بإغراق أنفسنا في مياه الأحلام العميقة وفي سيكولوجيا العقل الباطن.
الليل عادة لا يعطينا الطمأنينة الكاملة.
لكنه يحمل وعدا بالسلام، وإن كان زائفا أحيانا.

❉ ❉ ❉

My Immortal

Immortal
الموسيقى تكون صادقة ومعبّرة بقدر ما تعبّر عن تجربة أو همّ إنسانيّ عام.
وهذه الأغنية تعزف بمهارة على وتر الألم النفسيّ والمعنويّ الناتج عن تجربة فقد أو غياب.
My Immortal لفريق Evanescence أغنية مظلمة ومزعجة. لكنها جميلة وتثير في نفس سامعها أفكارا وتصوّرات عديدة ومختلفة.
عندما ظهرت لأوّل مرّة في عام 2003 حققت أرقاما قياسية في توزيعها وشعبيّتها. وما تزال إلى اليوم تتمتّع بقدر كبير من الرواج والانتشار. بل إن موسيقاها أصبحت تُعزف في حفلات التأبين والعزاء جبنا إلى جنب مع موسيقى باخ وسامويل باربر وبيتهوفن وغيرهم.
صوت المطربة Amy Lee جميل ومعبّر جدّا إذ يتماوج برقّة مع الهواجس الإنسانية والرغبات المتصارعة التي تصوّرها الكلمات. واللحن هو الآخر لا يقلّ جمالا عن الأداء والكلام. عزف البيانو في الأغنية مدهش وهو لوحده حكاية بحدّ ذاته.
الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها الأغنية هي الألم الناتج عن تذكّر شخص كنا نحبّه وفجأة رحل. لكن ذكراه ما تزال معنا تسكننا وتؤرّقنا. إنها أغنية عن الفقد بمعناه الواسع والمتعدّد الأشكال: موت، انفصال، فراق، حبّ من طرف واحد، رحيل قبل الأوان.. إلى آخره.
هناك في الأغنية مقطع يتضمّن عنصر الإنكار وعدم التسليم بأن الشخص غاب وانتهى. لكن أكثر مقاطع الأغنية تأثيرا هو تلك اللازمة التي تردّدها المطربة بطريقة معبّرة إذ تقول: هذه الجراح لا يبدو أنها ستندمل. فالألم حقيقيّ وهناك الكثير ممّا لا يمكن للزمن أن يمحوه".
هذا المقطع مؤلم جدّا والصورة التعبيرية فيه هائلة ومكثّفة بما لا يوصف.
وفي الأغنية مقطع آخر لا يقلّ عمقا يتحدّث عن الذكرى عندما تتحوّل إلى ألم لا يطاق، فيتمنّى الإنسان عندها ألا تعاوده ذكرى الشخص الذي فقده وأن ينتهي من حياته إلى الأبد كي يستعيد حرّيته ويبدأ بداية جديدة.
صحيح أن هذه الأغنية مقبضة، كئيبة وتضجّ بالحزن الفاقع، لكن كثيرا من الموسيقى والأغاني المتميّزة تتسم بالحزن وتستثير الفكر والتأمّل. ومن الطبيعيّ أن يفسّرها كلّ إنسان من منظوره وبناءً على تجاربه وظروفه الخاصّة.
يمكن سماع أغنية My Immortal هنا ..

❉ ❉ ❉

فتاتان مع أزهار دُفلى


هذه اللوحة مختلفة تماما عن سائر لوحات غوستاف كليمت. فهي تبدو واقعية في مقابل الطابع الرمزيّ الذي يغلب على أعمال هذا الرسّام.
اللوحة مرسومة في الهواء الطلق ولم تتحوّل بعد إلى ذلك الأرابيسك البديع الموشّى بالزينة الثمينة كما في أعمال الرسّام الناضجة.
رسم كليمت فتاتان مع أزهار دُفلى وهو دون الثلاثين. ومع ذلك يبرهن فيها على إتقانه وبراعته في الرسم.
خلال تلك السنوات، كان كليمت يركّز اهتمامه على الفنّ الانجليزيّ من العصر الفيكتوريّ، وخاصّة فنّ ما قبل الرافائيليين.
كانت هذه هي اللحظة التي تجاوز فيها كليمت الحدود الضيّقة للرسم من حيث كونه إعادة بناء للتاريخ أو واقعية فوتوغرافية. ومن هنا بدأ مسار الزخرفة الأسلوبية الذي سيقوده في غضون سنوات قليلة إلى الشعرية الكاملة للرمزية.
في هذه اللوحة تبرز إلى الواجهة ثلاثة عناصر رئيسية: الألوان الكهرمانية والزهرية الدافئة، وحساسية الصور والرموز، والتوازن.
النقوش الذهبية على غطاء رأس الفتاة إلى اليمين تُصدر بريقا وتعطي انطباعا ثلاثيّ الأبعاد. نسيج الحجر والقماش والزهور والبشرة يبدو واقعيّا جدّا.
"فتاتان مع أزهار دُفلى" لوحة مكثّفة عاطفياً. وأوّل ما يلفت الانتباه فيها هو غطاء الشعر اللامع الذي ترتديه الفتاة الأطول ذات الفستان الأسود. هناك شيء ما متطوّر وحسّاس في ملابسها وفي طريقة وقوفها وفي اهتمامها بالزهور. ويبدو أنها تحاول أن تشرح للفتاة الأصغر ذات الشعر الأحمر شيئا له علاقة بتفاصيل الأزهار، ربّما شكلها وجمالها.
مزيج الألوان الذي استخدمه الرسّام في هذه اللوحة مذهل. الألوان الدافئة للبشرة والجدران والشعر تصاحبها ألوان سوداء وخضراء داكنة وحمراء.
استخدام كليمت للون الذهبيّ يضفي تأثيرا شعوريا. البقع الذهبية تعطي للوحة طابعا واقعيا لدرجة أن الناظر يكاد يلمس نسيج الملابس بيده. النسيج الدافئ لعامود الحجر الكهرمانيّ والجدار في الخلفية تكمّله الألوان الحمراء والوردية على الشجرة والأزهار.
هذه اللوحة تتضمّن إحساسا "طبيعيّا وحقيقيّا". وهي تذكّر الناظر بصورة فوتوغرافية من حيث أنها تمسك بلحظة في الزمن وتترك للمتلقّي مهمّة السؤال عن القصّة التي ترويها اللوحة.
الجدار الظاهر وراء الفتاتين يبدو في حالة سيولة. اليدان والذراعان وفروع الشجرة، بل وحتى الأشياء الجامدة في اللوحة تبدو كلّها مفعمة بالحياة وبالحركة.
لوحة جميلة بالفعل. وكليمت يحاول التعبير من خلالها عن حساسية وجمال وتألّق الأنثى. وأغلب الظنّ أن اللوحة تحكي عن قصّة ما. لكنها متروكة لخيال الناظر الذي يتعيّن عليه أن يكتشفها ويتبيّنها.
هذه اللوحة تشبه إلى حدّ كبير الرسوم التوضيحية التي تزيّن القصص القصيرة للأطفال بالنظر إلى أنها تتحدّث إلى الناظر مباشرة.
وهي لا تشبه أعمال كليمت التي رسمها في وقت لاحق من حيث كونها أكثر واقعية وأقلّ سيولة. ومع ذلك، ومثلما هو الحال في جميع أعماله الأخرى، يبدو كليمت متمكّنا في أسلوب استخدامه للألوان بطريقة مبتكرة وبارعة.

Credits
klimt.com

6 comments:

السيد طه said...

تحياتي,

تساؤل مهم جدا, لكني أود لفت انتباهك الى أن الجدل حول هذه القضية في الغرب و في أميركا تحديدا لم يكن ناشئا عن ترف فكري, أو خلو بال, بل جاء استجابة لتحديات تراها مجموعات كثيرة أنها ستهدد بنيان الدولة الأميركية, و بالتحديد الفقرة الأولى من الدستور و اللتي تنص على الفصل بين الدولة و الكنيسة, فنظرية التصميم الذكي (أو الخلق في تجل بثوب مختلف حسب أحد التوصيفات ) تدخل الدين في حصص العلوم, و هو ما يعتبر اخلالا كبيرا بالأساس التجريبي الهام للعلوم , حيث يرى معارضو النظرية (هناك اختلاف حول كونها نظرية) أنها لا تقدم أسلوب علمي يفسر نشأة و تطور الحياة, بحيث يصعب اجراء التجارب للتأكد من الأسس القائمة عليها, و بالتحديد الجزء الخاص بوجود مصمم للمخلوقات, بينما يرى مناصرو التصميم الذكي أن التطور بنفس الأسلوب لا يقدم أجوبة قاطعة حول منشأ الكائنات, هو يفسر التطور , لكنه لا يفسر المنشأ, بالحقيقة الجدل المتبادل بين الجانبين عميق و ممتد و به تفصيلات كثيرة جدا, عموما ما قصدت البه هو أن الجدل جاء استجابة لتحد حقيقي في المجتمع و نتيجة لشد و جذب بين أطراف الجدال (منشأ الخلاف يعود للنزاع داخل مدرسة في دوفر حول تدريس نظرية التصميم الذكي في حصة العلوم, و تطور الخلاف بصورة كبيرة جدا, و توسع ليشمل أنحاء اميركا) و مفهوم طبعا في هذا السياق أسباب تطور و اتساع الخلاف, فكل جانب لدية اعلامه و مؤسساته و الجمهور هو حلبة الصراع, لكن بعيدا عن هذا, هناك جدل عربي حادث حول هذه النظرية, لا أدري ان كنت تابعت الجدل حول كتاب آبي آدم, و كتب هارون يحيى, و جدل مثله كبير في أوائل القرن العشرين حول القضية, لكن لم لم يتطور الجدال, لا أظن أن النظرية عصية على العقل العربي أو المسلم أو عصية على جذب الانتباه, و لا أدري حقيقة لم لم تثر جدلا مستمرا؟ دعني أنضم اليك في التساؤل, و أتسائل , ما نتيجة الايمان بتلك النظرية على العقل العربي أو المسلم؟ هل ستضيف شيئا؟ أم هل ستطرح تصورا أفضل للمجتمع ؟ أم أم .... الخ
لو للنظرية تأثير حقيقي على المجتمع , أظن أنها ستثير حراكا ضخما, أما ما عدا ذلك ستظل ففي نطاق النقاش الأكاديمي.
تساؤلي حول علاقتها بالمجتمع, ناشئ من تأثير نظرية التطور الكبير على الفكر المادي الغربي.

ملحوظة تذكرتها الآن, في الغرب هناك مسيحيون و قساوسة يؤمنون بالتطور و لا يزالون على ايمانهم, و لا يرون أي تعارض في ذلك, مشكلة طرح نظرية التطور هنا و أيضا في الغرب, هو اختزالها في فرضية تطور الانسان من القردة العليا, و هو يبكر بالصدام المباشر دون الالتفات الى فرضياتها الأخرى

Mashael.M said...

عجبني كلام سيد طه ,
بسألك تعتقد التفكير والجدل في مثل هذه النظريات يفيد بـ ماذا ؟
انا لا أهمش العلم أبداً وأحترام كل أنواع البحث والجددل يكفي أنها ستكتشف الجديد لكن كل مره أحاول التفكير بأمر ما أسأل نفسي سؤال قبل كل شيء :
- ماه الفائدة التي سأجنيها من معرفة نتائج شيء معين وهل له تأثير على تفكيري وحياتي ؟
الإسلام حينما إعتبر بعض الأمور من الغيبيات التي يجب أن نؤمن فيها حدد تلك الغيبيات ولم يجعلها بالمطلق كما يطالب منا الكثير ممن وسعوا دائرة الخطوط الحمرا لتشمل حتى التفكير بكل شيء .

,
غير ذلك لا تنسى أخي الكريم نحن إعتدنا التفكير بنمط موحد هو نمط المجتمع كل ما يمر بالنا يجب أن تكون مخرجاته شيء تلائم مع المجتمع وإلا أصبح الإنسان المختلف شاذ حتى لو كان إختلافه صحيح وأكثر عقلانية من تفكير المجتمع السائد , هذا في الأمور الحياتيه فمابالك في تفكير بخلق وكون وبداية الكون كيف سيفكر أحد بذلك ونحن رسمنا خطوط حمراء أمام بعض الأفكار وأعتبرنا من يتعداها منحرف أخلاقياً ودينياً ,
والتعليم لا ينمي في دواخلنا شيء إسمه بحث وتقصي وإكتشاف ينمي ملكة الحفظ من أجل الإختبار والنجاح فقط لا محفزات للأذكياء لا أنشطه تكتشف المواهب ولا شيء يذكر . يبدو أنني خرجت عن الموضوع لكن هذا رأيي أنه لاتوجد لدينا ثقافة البحث والإكتشاف من أجل ترسيخ علوم قديمه أو جديده

Prometheus said...

عزيزي الأستاذ السيد طه:
التحية والشكر الجزيل لك على تعقيبك الرائع والمفيد خاصّة ما يتعلق منه بجذور الجدل الحاصل وأسبابه. بالتأكيد أتذكّر كتاب أبي ادم والسجال الذي أثاره مع انه لم يستمر طويلا. ولم يكن غائبا عن ذهني الصراع الحاصل بين المتديّنين والليبراليين حول القضية وان كل طرف يحاول توظيف الجدل لخدمة مصالحه. وأتصوّر أن الجدل المثار حاليا حول الخلايا الجذعية، وقبل ذلك حول موضوع الاستنساخ له نفس الامتدادات والمفاعيل. وقد لاحظت أن العالم الفيزيائي المشهور ريتشارد دوكنز دخل هو أيضا إلى معمعة المعركة، وإن لأسباب مختلفة إلى حد ما. تحدثت في ردّك الممتاز عن التحدّيات التي ترى فيها بعض الجماعات أنها يمكن أن تشكّل تهديدا للدستور ولمبدأ الفصل بين الدين والسياسة. لكني يخيّل اليّ أن في الأمر بعض المبالغة، اقصد أننا نبالغ كثيرا إن اعتقدنا أن بوسع جماعات معينة محدودة القدرة والتأثير أن تفرض رأيها على الدولة وتدفعها إلى نسف احد أهم الدعامات التي يقوم عليها بنيان الدولة الأمريكية والمتمثل في مبدأ الفصل بين الدين والسياسة والذي لولاه لما كانت هناك ديمقراطية ولا انتخابات ولا حرّيات فردية.. إلى آخره.
ما أود أن أتوصّل إليه هو أن الجدل الحاصل الآن حول موضوع الداروينية يعود في جزء مهم منه إلى ما ذكرته أنت. وهناك سبب آخر مهم يعود في ظني إلى أن المجتمعات الغربية في عمومها هي مجتمعات حاضنة للعلوم والبحث العلمي وتموج بالاختراعات والاكتشافات والنظريات والاختراقات العلمية على مختلف الصعد. أي أن هناك من الأساس بنية علمية تحتية قوية تشكّل ضمنها وعي الناس بأهمية النظريات والكشوفات العلمية مع ما يستتبع ذلك من تفاعل وميل طبيعي إلى النقاش والجدل. واعرف للمناسبة أشخاصا من خارج الدائرة الأكاديمية وممن ليسوا معنيين كثيرا بالاشتباك الحاصل بين اليمين واليسار حول المسالة، ومع ذلك تجدهم ملمين كثيرا بمثل هذه المواضيع مع أن تخصصاتهم ليست علمية بحتة.
المعلومة الواردة في ختام تعليقك عن بعض المتدينين الذين يؤمنون بنظرية التطور فاجأتني حقيقة.
مع خالص الشكر لحضرتك على المعلومات المفيدة كما اثني كثيرا على مستوى موقعك المتميّز والرصين.

Prometheus said...

"التعليم لا ينمي في دواخلنا شيء اسمه بحث وتقصي واكتشاف ينمي ملكة الحفظ من أجل الاختبار والنجاح فقط. لا محفزات للأذكياء لا أنشطه تكتشف المواهب ولا شيء يذكر . لا توجد لدينا ثقافة البحث والاكتشاف من أجل ترسيخ علوم قديمه أو جديدة"

الأخت العزيزة مشاعل:
كلامك جدير بالاحترام والتقدير. وليس لدي ما أضيفه إلى عباراتك الرائعة التي ختمت بها تعليقك أعلاه.
مع خالص شكري وتقديري.

Mist said...

أشرتَ لموضوع يشغلني كثيرًا،وأفادتني التعليقات كثيرًا. ما أود الإشارة إليه هو أنني أعتقد أن سبب عدم الاهتمام بهذا الجدل يعود لأكثر من سبب ،غير أنها محسومة دينيًا،منها أننا حاليًا متلقون (مستهلكون) في جميع المجالات تقريبًا-يشمل ذلك مجال البحث العلمي-،هذا يعني أنه لايوجد نظرية مقابلة يمكن تبنيها . النقاشات حول هذا الموضوع إما فردية،أو فلسفية طارئة،أو أكاديمية في رسائل الباحثين.
أنا كتلميذة في البيولوجي(قسم علم الحيوان تحديدًا)،لما درست التطور بشكل متخصص،ثارت في رأسي التساؤلات،ليس لمجرد دواعي تعارضها مع الدين،لكن لأن الأمر متغلل ،الداروينية ليست فرعًا مستقلاً بقدر ماهي وجهة نظر تشمل فروع علم الحيوان تقريبًا .
بدايةً هي تقدم تصنيفًا جيدًا لمملكة الحيوان،يقوم على فكرة التراتب تصاعديًا حسب تعقيد الكائن،بدءًا من الأميبا أبسط الكائن،حتى الإنسان أعقد الكائنات. تُسهل الدراسة بعقدها المقارنات بين كل طائفة وماقبلها ومابعدها. لكن مع الدراسة ستجد الكثير من الفجوات،تُملأ بعضها بما يسمى (حلقات الوصل)-كائن وسطي بين طائفة وطائفة ،مثلاً بين الزواحف والطيور-،وتم بناء هذه الفكرة على حفريات ذات شكل معين.
لذا،لابد أن تتم دراسة هذه النظرية جيدًا لكي يمكن نقدها ومن ثم تبني نظرية بديلة تحل محلها،ويمكن تبنيها أكاديميًا حيث أنها مطابقة لقواعد البحث العلمي. - أخشى من ثرثرتي بعيدًا عن الموضوع وقريبًا أكثر من موضوع الداروينية بحد ذاته -بصراحة أكثرت الكتابة والمحو لأجل ذلك.
مسألة أن المجتمعات الغربية حاضنة للبحث العلمي ،فهذا صحيح،لكن توجد لهذه النتيجة أدوات نفتقدها نحن،رغم أنها ممكنة جدًا ولها تدعيم فكري من الناحية الدينية. هذه الأدوات تشمل تبسيط العلوم،دعم الكتب العلمية سواء الدراسية أو التثقيقية .أضف أن الكتب العلمية لها مستويات ،كتابات للمتخصصين وكتابات لغير المتخصصين،بل يوجد تدريجات حسب صعوبة اللغة المكتوب بها المادة العلمية
. أضف التوجه الإعلامي لنشر العلوم،حتى لو ضُمِّنَت تحت التسلية (أفلام الخيال العلمي مثلاً)،أو كانت لها علاقة بالتمويلات التي لها علاقة بالانتخابات ..الخ الخ ،المهم أنه يوجد توجه إعلامي نحو التوعية العلمية،وأدوات متاحة للجمهور للتثقيف العلمي.

نقطة أخرى أيضًا،ركز عليها (هارون يحيى) في نقد الداروينية،وهي أنها توجه فكري مادي -مبني على فرضية عدم وجود خالق-،أكثر من مجرد كونها نظرية علمية سائدة . ولهذا الرأي وجاهته وأدلته،أضف أنه حتى الآن فإن أكبر المجلات العلمية المتخصصة تتبنى النظرية ،وهذا من أهم العوامل المساعدة على بقاءها حتى الآن – طبعًا لا أغفل جهود من يؤمن بها فعلاً ،أو من يحاول مازال إثباتها من كل النواحي.
--
لهذه الأسباب أعتقد أن الجدل ليس رائجًا لدينا حول هذه القضية،أكثر من كون العقل المسلم يميل لتصديق الغيبيات.
بل إنني أعتقد أن الأمر يسير بالعكس ،أعني أنه ليس في كل الأوقات تؤثر الاكتشافات العلمية والتبحر في البحث العلمي على إيمان المرء ومعتقداته،بل يحدث أن تكون معتقدات الفرد الفكرية والدينية لها دور كبير في ترجيح تفسير ما لاكتشاف علمي عن غيره من التفاسير المطروحة. وهذا عنصر مهم في الحوار القائم حول دراسة الأحياء من وجهة نظر الداروينية أو من وجهة نظر نظرية الخلق. –

من أسباب إثارة هذا الحوار أيضًا في الغرب ،بخلاف النقد العلمي للداروينية القائم على التطور الكبير في علم الجينات مثلاً..أنه يوجد تطور في دراسة العلوم الماورائية (التسمية غير دقيقة لكني أقصد بها العلوم غير المادية)،هذا مرتبط بالاكتشافات في علم الفيزياء (نظرية الكمّ ) وغيرها مما بعد نظرية النسبية ،وعلوم الطاقة.هذا يعيد الوجاهة لمن يؤمن بوجود خالق،وبالتالي يعطي المزيد من اثباتات نظرية الخلق،مما يزيد الحوار اشتعالاً..إلا أن تغلب نظرية أختها يومًا ما. –

أردت الإشارة فقط للعلاقة بين المعتقدات،والاكتشافات العلمية،وكونها علاقة تبادلية بين الاثنين،يمكن لكل منهما لعب دور المؤثِّر والمتأثر بتبادل.

-- بالمناسبة يوجد كتابين قيمين للغاية حول أهم النظريات الفيزيائية التي يجب الالمام بها لمتابعة الحوارات الدائرة حاليًا ولمعرفة أهم مايؤثر في فكر الغرب كونهم رائدي الحضارة الآن (حبات المعرفة)،(القوة الخفية)-د.محمد التكريتي (أستاذ فيزياء في جامعة مانشستر)-قرطبة للنشر والتوزيع بالرياض. مكتوبين بشكل سلس ومبسط وجميل لغير المتخصصين وللمتخصصين أيضًا :)
--
أود قبل المُضي الاعتذار عن عدم
ترتيب أفكاري ،لكن أتمنى أن أكون قد أضفت خلاف الثرثرة.

Prometheus said...

عزيزتي Mist
الشكر الجزيل لك على هذه المعلومات الثريّة والمستفيضة.
وأهميّتها بنظري تكمن في أنها من شخص متخصّص وملم بمجال تخصّصه جيّدا.
اعتقد أن على الإنسان أن يقرأ الكثير وان يمحّص ما يقرؤه بعين من يرغب في معرفة الحقيقة.
وربما لا يخفاك أن فكرة الكثيرين منا عن نظرية داروين لا تتجاوز ذلك الكليشيه الذي يختزل النظرية في ان أصل الإنسان قرد. في حين انها أوسع من ذلك واشمل.
شكرا لك أيضا على إشارتك لكتابي محمد التكريتي وعلى حديثك عن هارون يحيى واظن ان عليّ ان اقرأ له أكثر.
مع خالص التحية والتقدير.