:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, February 14, 2009

من أحاديث زوربا

كانت السماء صافية تماما والنجوم تبدو كبيرة متدلية من السماء ككرات من نار، بينما بدا الليل مثل وحش اسود كبير يجثم على الشاطئ.
وازدحمت الكنيسة الدافئة بالقرويين. فوقف الرجال في المقدّمة أمام النساء، وعقد الجميع أيديهم فوق صدورهم. بينما اخذ الأب ستيفانوس، بقامته الطويلة وثوبه الموشّى بالذهب ووجهه الشاحب بعد صيام أربعين يوما، يروح ويغدو بخطى واسعة ويترنّم بأعلى صوته وبسرعة لكي يعود على عجل إلى بيته حيث تنتظره مائدة مثقلة بالحساء والشواء وسائر الأطعمة الشهيّة .
ولو لم تقل الكتب المقدّسة أن النور ولد في مثل هذه الليلة لما نشأت الأسطورة وملأت الدنيا، ولمرّ الحادث كأيّ ظاهرة طبيعية عادية دون أن يلهب الأخيلة.
لكن النور الذي ولد في صميم الشتاء أصبح طفلا والطفل أصبح إلها دانت له النفوس والأرواح عشرين قرنا.
كنت سعيدا وقلت لنفسي: هذه هي السعادة الحقيقية. أن يعيش الإنسان بلا مطامع ويعمل ويكدّ كأنّ له ألف مطمع. وأن يحبّ الناس ويعمل لخيرهم دون أن يكون في حاجة إليهم. وأن يأكل ويشرب ويشترك في أعياد الميلاد دون أن يتورّط في المتاعب أو يقع في الفخاخ. وأن يسير على الشاطئ والنجوم فوقه والبحر إلى يمينه والأرض إلى يساره. وأن يشعر بأن الحياة أنجزت معجزتها الكبرى فصارت قصّة من وحي الخيال.
ومرّت الأيام وحاولت أن اصطنع المرح رغم الحزن الذي كنت اشعر به في قرارة نفسي. فقد أزال أسبوع الأعياد الغابر عنّي كثيرا من الذكريات؛ ذكريات عن موسيقى بعيدة وأناس أحببتهم. وراعني صدق العبارة القديمة التي تقول إن قلب الإنسان حفرة مليئة بالدم، وأولئك الأحباب الذين ماتوا يلقون بأنفسهم على حافّة الحفرة وينهلون من الدم. وهكذا يعودون إلى الحياة، وكلما كان حبّك لهم عظيما زادت الكمية التي ينتهلونها من دمك.
وفي صباح أوّل يوم من العام الجديد فتحت عينيّ على زوربا وهو يدقّ رمّانة بباب الكوخ. وانشقت الرمّانة وتناثرت بذورها كحبّات الياقوت الصافي الأديم. وسقط بعضها على الفراش، فتناولت بضع حبّات وأكلتها وشعرت بانتعاش.
في صباح اليوم التالي رافقت زوربا إلى القرية ودار بيننا في الطريق حديث جرى عن العمل في المنجم. وفيما كنا نهبط منحدرا، ضرب زوربا بقدمه حجرا فتدحرج الحجر في المنحدر. ووقف زوربا مبهوتا وكأنه يرى هذا المنظر لأول مرّة في حياته. والتفت اليّ وقال: هل رأيت؟ إن الحياة تعود إلى الحجارة في المنحدرات. فلم اجبه، لكني شعرت بسرور وبهجة وقلت لنفسي: هكذا ينظر كبار الشعراء والمفكّرين إلى الأشياء كأنهم يرونها لأوّل مرّة. والواقع أنهم لا يرونها وإنما يخلقونها.
لقد كانت الدنيا في نظر زوربا كما كانت في نظر الإنسان الأول مجرّد مشهد كبير رائع. فالنجوم تتألق فوق رأسه وأمواج البحر تتكسّر تحت قدميه وهو يعيش مع الأرض والماء والحيوان والله دون أن يفسد عليه التفكير العقيم متعة الحياة.
إنني ما زلت أتذكّر أن الوقت كان ظهرا عندما كنا في احد متاحف برلين حيث كان صديقي يودّع لوحته العزيزة "المحارب" للرسّام رمبراندت. ونظر صديقي إلى تلك اللوحة متأمّلا المحارب الحاقد اليائس وقال: إذا ما تمكّنت من القيام في حياتي بعمل جدير بالرجال فسأكون مدينا به له.
كنا في صالة المتحف نقف قرب عامود وأمامنا تمثال من البرونز لفارسة عارية تمتطي حصانا برّيا متوحّشا. وحطّ عصفور على رأس التمثال والتفت صوبنا وهزّ ذيله وأطلق لحنا هازئا ثم طار في سبيله. وارتعدتُ وأنا انظر إلى صديقي وسألته: هل سمعت العصفور؟ خيّل إليّ انه قال لنا شيئا ثم طار في سبيله. وابتسم الصديق وأجابني بمثل من أمثالنا العامّة: انه عصفور. دعه يغني. دعه يتكلّم".
وأتذكّر كيف كانت هذه اللحظة عند طلوع الفجر على شاطئ كريت تعود إلى مخيّلتي مع ذلك المثل الحزين لتملأ عقلي بالمرارة.
ووضعت قليلا من التبغ في غليوني وأشعلته. إن كلّ شيء في هذا العالم له معان خفيّة. البَشَر، الحيوانات، الشجر، النجوم.. إنها تبدو كالرموز الهيروغليفية لمن بدأ في حلّ رموزها ليكتشف خفاياها. وبعد مرور السنين وبعد فوات الأوان تفهم معناها الحقيقي.
ورحت أتابع الدخان المتصاعد من الغليون. وكانت روحي تندمج بهذا الدخان وتتلاشى معه في حلقاته الزرقاء الدائرية. ومرّ وقت طويل كنت اشعر - دون العودة إلى المنطق وبيقين لا يوصف - بحقيقة هذا العالم وانبثاقه وزواله.
- نيكوس كازانتزاكيس، روائي يوناني

7 comments:

السيد طه said...


ووضعت قليلا من التبغ في غليوني وأشعلته. إن كلّ شيء في هذا العالم له معان خفيّة. الرجال، الحيوانات، الشجر، النجوم.. إنها تبدو كالرموز الهيروغليفية لمن بدأ في حلّ رموزها ليكتشف خفاياها. وبعد مرور السنين وبعد فوات الأوان تفهم معناها الحقيقي.

ما أعمق تلك الجملة, حقا ان كل ما يحيط بنا و نحيط به له معان مختلفة, كل شئ يبدو كالرمز يشير لمعنى ما, كأسهم الأتجاهات,و أسر اللحظة يقف بنا كثيرا عن قنص المعنى, فنؤجل الفهم و الوعى, أو يستغرقنا الفهم و الوعي, فتمر اللحظة و قد ذاب عنها سحر رمزها الخفي, فننظر للخلف نتحسر عليها, و نتمنى عودتها من جديد لنعيشها باكتشافنا, لكننا لاندرك أن كل لحظة تحمل إشارة خفية خاصة بها.

حقيقة الأدب الصادق دوما يعبر عن الإنسان, مطلق الإنسان, لهذا تخترق الكلمات الصادقة كل الحواجز و السدود.

Anonymous said...

Prometheusعزيزي
ابداع لاحدود له ... وجاذبيه تستهويني للقراءة حين أتصفح مدونتك لتميزها بما تضيفه أناملك السخية ... دمت لنا بفكر متوهج وعطاء مميز .
لك مني كل الود

Mist said...

"راعني صدق العبارة القديمة التي تقول إن قلب الإنسان حفرة مليئة بالدم، وأولئك الأحباب الذين ماتوا يلقون بأنفسهم على حافّة الحفرة وينهلون من الدم. وهكذا يعودون إلى الحياة، وكلما كان حبّك لهم عظيما زادت الكمية التي ينتهلونها من دمك."

هذا التشبيه شدني.
يعجبني في كتابة كازنتاكيس أنها نابضة بالحياة،رغم حدتها أحيانًا.حدة تبلغ حد الرهافة أيضًا.

--
"المحارب" للرسام رامبراندت ،هل هي المرافقة للتدوينة؟
--
تساؤلاته عن السعادة والعيش بلا فخاخ،ثم حزنه مع تآكل هذه السعادة..كل هذا يجعل النص قريبًا للمرء كأنه يخصه،رغم أنه قد يكون شعورًا مشتركًا،ومن هنا يكتسب النص خصوصيته.

--
شكرًا لهذا التناغم.

Prometheus said...

العزيز السيد طه:
تعليقك أنت أيضا فيه عمق وبصيرة. وكم أنا سعيد أن أجدك هنا أيضا واستمتع بمطالعة المزيد من اضاءاتك الرائعة.
خالص التحية لك.

Prometheus said...

Anonymous
التحية والتقدير لك على مشاعرك الطيبة واهلا وسهلا بك دائما.

Prometheus said...

العزيزة Mist
أهلا وسهلا بك وشكرا لك على الملاحظة الجميلة. رواية زوربا فيها الكثير من هذه الإشارات العميقة ويصح أن نصفها بأنها رحلة روحية في أعماق الإنسان وأسرار الخلق وأسئلة الوجود.
أشاركك الإعجاب بكتابات كازانتزاكيس، وحديثك عن قرب النص من نفس القارئ أجد له ما يبرّره لأنني أنا أيضا اشعر بنفس هذا الإحساس. لا ليست اللوحة لـ رمبراندت بل هي بورتريه لمايكل انجيلو للرسام الايطالي مارسيللو فينوستي. وواضح انك لا تستخدمين متصفح الاكسبلورر الذي يتيح بمجرّد تمرير الماوس على الصورة قراءة معلومة عن اسمها وصاحبها. انا استخدم فايرفوكس بالتبادل مع الاكسبلورر. المشكلة مع الأول انه لا يدعم الملفات الموسيقية كثيرا ولا الخلفيات والصور بما فيه الكفاية. ومع كل عيوب الثاني إلا أنني ما زلت اعتبره أفضل، خلافا لما يقال.
تحياتي.

عمر said...

مدهــش

الروايات الكبيرة لقوتها وروعة صياغتها تحس بأن بطل الرواية قد تحرر من سيطرة الراوي نفسه
كراسكولينكوف مع دوستويسكي

وها نجده مرة أخرى في زوربا مع نيكوس

رواية أكثر من رائعة لشخص لا يعرف سوى الدهشه فقط "فاقد الدهشة انسان ميت" -عبده خال- وهكذا يجب أن نعيش

على فكرة, قد تجد السعادة إذا ما شهدت فيلمه ببطولة انتوني كوين

ممتع يا زوربا وممتعة كذلك مساحتك

دمت بود