:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, November 13, 2006

المدوّنون السعوديون والتحدّيات

عن الواشنطن بوست، 12 نوفمبر 2006 م
بقلم فايزة صالح عبد القادر امبه

عندما كان فؤاد الفرحان، أشهر مدوّن سعودي، طالبا في جامعة ولاية واشنطن، ارتدى ذات يوم قميصا مزركشا مكتوبا عليه "حقوق الحيوان مساوية لحقوق الإنسان"، ونام في حديقة الجامعة أثناء إضراب عن الطعام احتجاجا على قتل الثعالب.
ذلك النوع من الحرّية الذي جرّبه خلال اقامته في الولايات المتحدة لستّ سنوات منح الفرحان فرصة للتعبير عن نفسه، وهو أمر لم يستطع فعله عندما عاد إلى السعودية منذ خمس سنوات.
يقول الفرحان وهو مبرمج كمبيوتر يبلغ من العمر 31 سنة: لا يمكنك أن تكتب في الصحافة هنا ما تشاء ولا أن ترفع لافتة في مسيرة احتجاج. ويضيف: في المدوّنة ثمّة عالم مختلف، والتدوين هو الطريقة الوحيدة التي استطيع من خلالها التعبير عما أريد.
والفرحان جزء من موجة متزايدة من الشبّان العرب الذين حوّلوا المدوّنات إلى وسيلة لتجاوز القيود المفروضة على حرّية التعبير في منطقة تغلب عليها السياسات السلطوية والمحافظة.
والبلوغنغ ممارسة جديدة هنا، وهو مرادف تقريبا لكلمة "تدوين" التي صيغت فقط هذا العام. لكنها انتشرت بسرعة في أوساط الشباب الذين يعيشون في المناطق الحضرية وأسهمت في توسيع هامش حرّية النقاش.
وقد استخدم نشطاء عديدون مدوّناتهم لتنظيم المظاهرات وعمليات المقاطعة، بينما انتقد آخرون الفساد والسياسات الحكومية. أما المدوّنون الاقلّ ميلا للحديث في السياسة فقد حوّلوا مدوّناتهم إلى منتديات لنقاشات ساخنة حول الدين، أو إلى أماكن لتبادل القصص الشخصية والتخيّلات الجنسية.
يقول هيثم صبّاح محرّر الشرق الاوسط في موقع "أصوات عالمية": منذ سنوات كان عدد المدوّنات العربية في الشرق الاوسط لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. اليوم أصبح عددها بالالاف وباتت تشكّل مصدرا جديدا للمعلومات والاخبار.
ورغم أن الانترنت متاحة اليوم لحوالي 10 بالمائة فقط من سكّان العالم العربي، فإن النسبة آخذة في الارتفاع بشكل دراماتيكي. بل لقد تضاعفت خمس مرّات منذ العام 2000 م، طبقا لاحد المواقع الاليكترونية الذي يرصد أعداد مستخدمي الانترنت في العالم.
وقد تضاعف عدد المدوّنين في السعودية ثلاث مرّات منذ بداية هذا العام ليصل إلى حوالي 2000 مدوّن حاليا.
وتشكّل الفتيات حوالي نصف عدد المدوّنين في المملكة التي تعتبر واحدة من اكثر دول العالم تمسّكا بالتقاليد، حيث تجبر النساء على ارتداء ملابس محتشمة ويحظر عليهن قيادة السيارات او السفر دون محرم أو وليّ أمر ذكر.
وبدافع من إغراء الكتابة باسم مستعار، أنشأت نساء سعوديات مدوّنات لهن ملأنها بالشعر الأنثوي والحكايات الرومانسية وإظهار التبرّم والشكوى من القيود التي يفرضها على حياتهن مجتمعهن الابوي.
ومع تزايد نفوذ المدوّنين وجاذبية التدوين في العالم العربي، تزايدت سياسات القمع والتقييد. فقد اعتقل ستّة مدوّنين مصريين في وقت سابق من هذه السنة، كما ُحجب عدد من المدوّنات في البحرين والمملكة العربية السعودية من قبل أجهزة مراقبة الانترنت التابعة للدولة.
وفي الشهر الماضي وصف عبد الله الجاسر أحد مسئولي وزارة الثقافة والاعلام السعودية الاعلام الاليكتروني بأنه "خطر"، وتحدّث عن اجتماع يعقد في ديسمبر القادم بالرياض للبحث في طرق جديدة لمراقبة الانترنت، طبقا لما ذكرته صحيفة الحياة السعودية.
وفي إجراء مضادّ، بادر المدوّنون إلى استجماع قواهم وتعزيز دورهم الجماعي. فعندما تمّ حجب مدوّنة الناشط البحريني محمود اليوسف الشهر الماضي لنشره معلومات عن فضيحة فساد حكومي، سارع مدوّنون في البحرين ومصر والسعودية إلى نشر خبر حجب مدوّنة اليوسف وحثّوا الناس على التوقيع على عريضة مقدّمة للحكومة البحرينية.
ورغم أن الحكومات الخليجية تقوم وبشكل روتيني بحجب المواقع الاباحية والمواقع المعارضة وتلك التي تتناول الارهاب والمخدّرات، فإنه من الصعب على تلك الحكومات أن تراقب المدوّنات. ففي غضون ساعات، كانت مدوّنة اليوسف قد عادت ومن موقع آخر.
لقد اتاحت التكنولوجيا الجديدة للناس إمكانية أن يفعلوا ما لا يستطيعون فعله في بلد كالمملكة العربية السعودية، حيث الملكية المطلقة التي تحظر التجمّعات العامة والاحزاب السياسية وجماعات الحقوق المدنية وتقصر حق التصويت في الانتخابات البلدية المحدودة على الرجال دون النساء.
وخلال هذا الشهر، ستقوم رابطة المدوّنين السعوديين التي أنشاها الفرحان وعدد من أصدقائه بنشر ميثاق رابطتهم على الانترنت وفتح باب العضوية فيها للمدوّنين من الجنسين الرجال والنساء.
وبعد ذلك سيقوم الاعضاء بانتخاب رئيس للرابطة، ذكرا أو أنثى، وسيقترحون أيّ تعديلات على الميثاق وفق تصويت الاغلبية.
وقد أقرّ أوّل تعديل في الميثاق عندما صوّتت أغلبية الاعضاء على حذف فقرة اقترحها الفرحان تحظر تناول الاديان بالنقد، على أساس أن احترام الأديان أمر بدهيّ ومتعارف عليه ضمناً.
يقول الفرحان أنه يستمد آراءه الديمقراطية من الدين، وأن أيّ إصلاح سياسي يجب أن ينبثق من الاسلام نفسه. وكثيرا ما انتقد في مدوّنته الحكومة لفشلها في الوفاء بوعودها، كما انتقد بعض كبارالمسئولين الذين وصفهم بالديناصورات التي تعيش في الماضي ولا تتحسّس واقع وهموم الجيل الجديد من الشباب.
وفي بلد يتعرّض فيه الاصلاحيون والصحفيون ونشطاء حقوق الانسان والمحامون للسجن أحيانا بسبب انتقادهم للحكومة، فإن ذلك لا يثني من عزيمة البعض في المجاهرة بآرائهم حتى مع إدراكهم لمخاطر اغضاب الحكومة. فالمهم أن لكتاباتهم مصداقية عند القارئ وأن دافعهم في النهاية هو حبّ الوطن والمصلحة العامة.
وغالبا ما يستخدم الفرحان في كتاباته أسلوب الفكاهة للتخفيف من أثر انتقاداته اللاذعة.
وأحد الملامح المهمّة في مدوّنته رابط يتضمّن تصريحا أدلى به مسئولون حكوميون في العام 2000 وفيه يتنبؤون بحلّ مشكلة البطالة خلال خمس سنوات.
وفي الموقع مؤشّر يقرأ تنازليا ما تبقّى من أيام تلك المدّة التي يفترض أن تختفي البطالة بنهايتها.
كما يحتوي موقع الفرحان على استقصاء من سؤال واحد يقول: هل تثق بالحكومة؟ وقد أجاب 60 بالمائة ممن شاركوا في الاستبيان بالنفي.
غير أن من اللافت أن دفاع الفرحان عن حرّية التعبير يقف عند عتبات مدوّنات سعودية معيّنة مثل مدونة "Mystique" ذات المضمون الجنسي الصريح.
يقول الفرحان معلقا على الموضوع: أحترم حقّ تلك المدوّنة في أن تكتب ما تشاء، لكن لا اظنّ أنني سأقف لادافع عما تكتب. فالحرّية التي أؤمن بها لا تتضمّن مثل هذا النوع من الكتابات.

نص التحقيق بالانجليزية هنــا ..