:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, December 17, 2007

من صندوق البريد

الرسالة التالية تلقيتها عبر البريد الاليكتروني من قارئة رمزت لنفسها باسم "أم الخير". وأنشرها هنا كما وردتني على أن أعود في وقت لاحق للتعليق على بعض النقاط التي تضمّنتها..

من خلال تصفّحي لبعض مواضيع مدوّنتك، لاحظت انك ممن يدعون إلى حرّية المرأة والى أن تأخذ النساء بعضا من حقوقهن.
ومن حيث المبدأ اعتبر هذا موقفا حضاريا وجيّدا تستحق عليه التقدير والشكر.
لكن ما اختلف معك حوله هو الدعوة لان تقود المرأة السيّارة عندنا. وأنا هنا أسجّل اعتراضي على هذه المسألة بالذات، أولا بوصفي امرأة وثانيا بصفتي أمّا لثلاث بنات ينتظر أن تتخرّج صغراهن من الجامعة نهاية هذا العام.
وليس هذا الموقف نابعا من رؤية ظلامية أو متحجّرة كما قد يظن البعض، وإنما لأنني انظر إلى الأمور بواقعية وأزن أحكامي على ضوء ما أراه وألاحظه في الواقع وليس بناءً على الشعارات أو المزايدات والمواقف الجاهزة.
إنني اؤمن إيمانا راسخا بأن أمرا مثل قيادة المرأة للسيارة لا يحتاج لإنفاذه إلى قرار حكومي أو ديني، بل المسألة مناطة في الأساس بقناعات الأفراد التي تتشكّل من خلال درجة وعيهم بمكانة المرأة وأهمية دورها في التنمية وفي بناء المجتمع ككّل.
لقد قضيت ما يزيد على الثماني سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، ومعظم تلك الفترة أمضيتها في ميشيغان حيث كنت ادرس في جامعتها بمعيّة زوجي.
في أمريكا كنت أقود السيّارة بمفردي وكان زوجي يعتمد عليّ في انجاز الكثير من الأعمال خصوصا عندما يكون مشغولا أو مرتبطا بمهام لا تمكّنه من أن يقوم هو بانجاز الأعمال والواجبات المنزلية الروتينية.
كان كل شيء يمشي على ما يرام وبدون أية مشاكل. وخلال تلك الفترة التي اعتبرها أجمل فترات حياتي اكتسبت العديد من الصفات والخصال الجيّدة وأهمها احترام الوقت وتقديس الحرّية الفردية والاعتماد على النفس واحترام خصوصيات الآخرين.
كما كنت وما أزال اقدّر كثيرا نظرة المجتمع الأمريكي والغربي عموما للمرأة من حيث اعتبارها شريكا للرجل وعاملا مهمّا في تطوّر ونهوض المجتمع.
في الأوقات التي كنت أعود فيها إلى المملكة كان ينتابني إحساس متزايد بالغربة حتى عندما أكون جالسة مع أهلي وأقاربي. وتنامى هذا الشعور أكثر فأكثر خلال السنتين الأخيرتين قبل عودتنا نهائيا إلى ارض الوطن.
وكان يسيطر علينا، زوجي وأنا، هاجس يدفعنا للخوف من ألا نتأقلم مع أحوال مجتمعنا عندما نعود، خاصة بعد السنوات الطويلة نسبيا التي قضيناها في الخارج واندمجنا أثناءها إلى حد كبير بنمط الحياة الأمريكية والقيم المجتمعية السائدة هناك.
وبعد أن عدنا جاهدنا كثيرا وتحمّلنا وصبرنا. وكنا وما زلنا نشعر بكثير من الطمأنينة ونحن نرى أبناءنا يتصلون بجذورهم ويعيشون ضمن محيطهم الطبيعي الذي يفترض انه يوفّر لهم الحماية والرعاية والإحساس بالانتماء.
بقية القصة قد لا تكون مهمّة كثيرا وأخشى إن استمريت في سردها أن أضيع وقتك ووقت القارئ في حديث لا طائل من ورائه.
لكني أريد فقط أن أتحدّث قليلا عن موقف المطالبين بقيادة المرأة للسيارة. صدّقني أنني كثيرا ما أتصوّر أن هؤلاء منعزلون عن واقع مجتمعنا ولا يعرفون شيئا عن نظرة المجتمع للمرأة.
هل ترى مثلا ما يحدث في الشوارع والطرقات من تصرّفات وأفعال يندى لها الجبين على يد بعض الشباب وحتى الرجال الكبار؟
إن شريحة كبيرة من هؤلاء يعتبرون أي امرأة يرونها في السوق أو الطريق صيدا مشروعا وهدفا مستباحا والمرأة في عرفهم وفي تفكيرهم ليست أكثر من مخلوق ضعيف يسهل التغرير به واستغلاله من اجل متعة الرجل وراحته.
بل إن كثيرا من أفراد هذه الفئة يرون أن أية امرأة تذهب إلى السوق بمفردها أو تظهر في الشارع دون رفقة رجل لا بد وان تكون امرأة منحرفة بطبيعتها ومن ثم تبدأ سلسلة التحرّشات والمطاردات والمضايقات.
عندما تنزل إلى الشارع بسيارتك حاول أن تراقب سلوك السائقين من حولك عندما يلمحون خيال امرأة داخل سيارة، وسترى العجب العجاب. نظرات مفترسة وحركات رعناء وأصابع تكبس على أزرار الهواتف الجوالة بطريقة عصبية انتظارا لاصطياد رقم من هنا أو هناك.
عندنا يا عزيزي مجتمع فاقد لاتزانه، وإنسانيته ناقصة وهو بحاجة ماسّة وعاجلة إلى إعادة تربية وتأهيل، خاصّة في ما يتعلق بنظرته المتخلفة للمرأة وطريقة تعامله مع النساء.
أحيانا يخيّل اليّ أننا ما زلنا حديثي عهد بالمدنية والحضارة، وانه لولا خوف الناس من النظام وسلطة القانون لرأيت من صنوف الجرائم والموبقات ما لا يمكن للعقل أن يحيط به أو يتصوّره.
وأتمنى ألا يفاجئك أن تعرف أن درجة اعتراضي على قيادة النساء للسيارة هي اليوم أقوى من أيّ وقت مضى. نعم أقول "لا كبيرة" لقيادة المرأة للسيارة ولا أتصوّر على الإطلاق أنني سأسمح لبناتي بذلك تحت أي ظرف ومهما كانت الحجج أو المبرّرات لأنني من واقع الخبرة والملاحظة أدرك المخاطر والمحاذير المترتّبة على ذلك.
ويصبح الاعتراض أكثر منطقية ووجاهة إذا أخذنا في الاعتبار هذه الأحكام القضائية العجيبة التي أثارت علينا سخط وسخرية العالم عندما مالأ القضاء عندنا مرتكبي جرائم الاغتصاب وجرّم ضحاياهم من النساء. وما قصّة فتاة القطيف عنا ببعيدة ولا قصص النساء الأخريات اللاتي اغتصبن وصوّرن ومع ذلك صدرت أحكام تخفيفية على الجناة وتركوا لينفذوا بجرائمهم بل وأصبحت تلك الأحكام عاملا مشجّعا على تكرار حوادث الإساءة إلى النساء وامتهانهن وهدر حقوقهن.
لقد لاحظت مؤخرا أن الناس بدءوا حقيقة يخافون على أعراضهم والكثير من الأزواج وأولياء الأمور أصبحوا أكثر تشددا في مسالة خروج نسائهم من المنزل لوحدهن.
بعد كل هذا الذي حصل من قصص ومآسي هل هناك عاقل لا يزال يطالب بأن تمكّن المرأة من قيادة السيارة في الوقت الذي تمتلئ فيه شوارعنا وأسواقنا بهذا العدد الكبير من الضباع البشرية التي لا يردعها دين أو خلق عن إيذاء أعراض الناس وارتكاب الجرائم التي تستنكف عنها حتى الدوّاب والبهائم؟!
في الختام أرجو أن تعذرني إن كنت أطلت الكلام أو إن كان في ما كتبته بعض الحدّة، وعذري في ذلك أنني أتكلم عن معرفة ودراية في أمر يخصّ النساء بالدرجة الأولى. وكما قيل: أهل مكّة أدرى بشعابها.