:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, May 01, 2008

أيّهما أخطر؟


قرأت في احد المنتديات موضوعا عن شرب الخمر وأضرار تلك العادة على ‏الأفراد والمجتمعات.‏
وقد خطر ببالي أن اطرح هنا وجهة نظري عن الموضوع. وما سأقوله قد لا ‏يكون مرتبطا بشكل وثيق بجوهر الأسئلة التي أثارها كاتب الموضوع.
بداية، أنا مع من لا ينظرون إلى متعاطيّ الخمر باعتبارهم ضحايا. ذلك لأنهم يشربونها بمحض ‏اختيارهم وبكامل إرادتهم. وهم يستمتعون بذلك. ‏
وغالبا ليس لهذه الفئة طموحات أو مطالب. غاية ما يريدونه هو أن ينسطلوا ‏ويغيبوا لبعض الوقت عن حقائق الواقع المؤلمة.
وهم يجدون راحة في معاقرة ‏الخمر لأنها تنسيهم همومهم وآلامهم ولو إلى حين.‏
شاربو الخمر لا يأتي منهم في الغالب أذى أو ضرر. فمعظمهم لا يبرح بيته أثناء ‏التعاطي. لذا نجدهم في اغلب الأحيان مسالمين وهادئين. ‏
ولم نسمع يوما أن مدمنا أو متعاطيا للخمرة قاد ثورة أو تزعّم انقلابا أو أبدى رغبة في تغيير ‏العالم أو رشّح نفسه ليصبح رئيسا لدولة أو ملكا على بلد. ‏
طموحات هذه الفئة، المغضوب عليها بلا سبب والمحتقرة بلا مبرّر، بسيطة ‏ومتواضعة. وكلّ ما يريدونه هو أن يُتركوا وشأنهم. مدمنو الخمرة لا يضرّون أحدا. ولا يضمرون الشرّ لأحد. وهم منشغلون طوال ‏الوقت بمحاولة الوصول إلى السماء السابعة. وعندما يبتعدون عنها نجدهم كسالى ‏ومتراخين وعاجزين حتى عن خدمة أنفسهم أو القيام بأبسط الأمور.‏
بالمقابل، هناك إدمان أخطر بكثير على المجتمع والناس من إدمان الخمر. قد لا نتبيّن ‏هذا النوع من الإدمان لأوّل وهلة وقد لا ندرك مخاطره وأضراره. والسبب هو أن أدمغتنا ‏ُبُرمجت لا إراديّا على الكثير من الأحكام التي نعتبرها مسلّمات وأمورا قطعية.
‏لكننا عندما نمحّصها ونعرضها على ميزان العقل وخبرات الواقع سرعان ما يتّضح لنا مدى تهافتها ‏وخطلها. ‏
إن ما هو أخطر من إدمان الخمر هو إدمان التديّن المتطرّف والمغالي الذي قد يدفع بصاحبه في النهاية إلى استسهال التعدّي على الناس وانتهاك حقوقهم وربّما تسويغ قتلهم. ‏
إن انعدام الطموح عند مدمن الخمر هو ما يجعل منه شخصا مسالما ومسكينا. فهو ‏لا يؤذي أحدا. ولا يتآمر على أحد. ولا يؤجّج الفتن والحروب. ولا يدعو إلى قتل المخالفين. ولا يبرّر السرقات أو الفساد. ‏ولا يشرعن الاستبداد. ولا يحرّض على القتل والكراهية.
وأعداد ضحايا الإدمان على التطرّف الديني في مجتمعاتنا أضعاف أضعاف عدد مدمني الخمرة. ‏وخطرهم على الناس وعلى المجتمع أكبر بكثير من كلّ ما يقال عن أضرار الخمرة ومساوئ ‏تعاطيها أو الترويج لها.‏
بالتأكيد ليست هذه دعوة لتحليل الخمر أو إباحة تعاطيها بقدر ما أنها محاولة للموازنة بين خطرين ثبت من خلال الواقع المعاش أن الثاني اشدّ تأثيرا وأعظم فتكاً من الأوّل.

Monday, April 28, 2008

العُري في تاريخ الفنّ

العديد من الأعمال الفنّية الجميلة التي ظهرت على مرّ التاريخ تحتوي على تصاوير لأجساد بشرية عارية. ويبدو أن العُري يُستخدم كرمز غالبا، ويمكن أن يمثّل جوانب مختلفة من الإنسان كالجمال والهشاشة والعار والسلطة، وليس فقط من اجل الجنس أو الإثارة الشهوانية.
المزهريات اليونانية القديمة، على سبيل المثال، غالبا ما كانت تصوّر شخصيات عارية أو نصف عارية حول محيطها. وكثيرا ما كان المحاربون يُصوّرون وهم عراة لإظهار قوّتهم وبأسهم. وبالتأكيد من المستحيل أن نتخيّل أن المحاربين الإغريق كانوا يذهبون إلى المعارك بلا ملابس. وهناك بعض الأدلّة على أن الإغريق كانوا يتنافسون في المناسبات الرياضية وهم عراة. وربّما كانوا يفعلون هذا كوسيلة لعرض قوّتهم الجسدية وترويع خصومهم ومنافسيهم.
في الفنّ اليوناني، كان المحارب الميّت عادة يُصوّر وهو عار، ربّما للإشارة إلى ضعف جسد الإنسان. العمّال أيضا كانوا يُصوّرون في الأعمال الفنّية اليونانية وهم عراة، وذلك لإبراز عضلاتهم والتأكيد على الجهد الذي يبذلونه أثناء أداء أنشطتهم البدنية. والآلهة والإلهات كانوا أيضا يُرسمون وهم عراة من اجل إثبات ألوهيّتهم. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن عُري المرأة في الفنّ اليونانيّ لم يكن مسموحا به حتى القرن الثامن قبل الميلاد.
الجسد الإنسانيّ العاري ظلّ موضوعا مفضّلا للفنّانين بسبب جماله ومعناه. وقد أدّى ظهور المسيحية إلى إحداث طفرة في تطوّر الفنّ العاري. فبعض الأعمال الفنّية التي ظهرت في العصور الوسطى وعصر النهضة تصوّر صدر المادونا عارياً وهي ترضع طفلها. وثمّة احتمال بأن هذا الأمر أصبح مسموحا بسبب قداسة الموضوع. كما ظهرت صور لآدم وحوّاء عاريين كترجمة حرفية لقصّة سقوطهما من علياء جنّات عدن. وفي كثير من الأحيان، كان المسيح يُرسم عارياً على الصليب، لإظهار معاناة الإنسان الجسدية.
في عصر النهضة، تبنّى فكرة العُري فنّانون مثل ميكيل انجيلو، كبادرة تكريم للأعمال الفنّية والتصويرية العظيمة من عصور الإغريق والرومان. ميكيل أنجيلو في رسوماته في سقف كنيسة سيستين اخذ العُري إلى آفاق جديدة، عندما صوّر العضلات والحركات الملتوية بشكل مبالغ فيه. حتى الملائكة صوّرها انجيلو في الكثير من الأحيان إما عارية أو شبه عارية.

إحدى أشهر العاريات في تاريخ الفنّ رسمها الفنّان الاسباني فرانشيسكو دي غويا، من خلال لوحته الماها العارية "لا ماها دينيودا". ويمكن رؤية هذا النمط من العارية المستلقية طوال تاريخ الفنّ، وبدءا بالرسّام الفينيسي جورجيوني.
ترى ما الذي يجعل للعارية المستلقية مثل هذه الشعبية الكبيرة؟ اللوحات التي تُظهر أجسادا عارية بالكامل هي تمثيل لنساء جميلات يبدو أنهنّ فخورات بأشكالهنّ المثالية ولا يخالجهنّ الحياء من عُريهن.
لكن، لماذا لوحات النساء العاريات أكثر ظهورا في الفنّ من لوحات الرجال العراة؟ كان عُري الرجال أمرا مقبولا في المجتمع وفي عالم الفنّ قبل ظهور العري الأنثوي. غير أن عُري النساء كان يعني شيئا مختلفا، خاصّة في الفنّ. ففي حين كان يُنظر إلى عُري الرجل كرمز للقوّة، كان عري النساء كثيرا ما يُعتبر ضربا من الفحش والابتذال.
مفهوم الجسد المثالي الأنثوي يعود إلى أفلاطون وأرسطو، بحسب ما يقوله كلّ من كينيث كلارك في كتابه العارية: دراسة في الشكل المثالي ، وهيلين ماكدونالد في كتابها التباسات حسّية: الأنثى العارية في الرسم . ووفقا لـ كلارك، كان أرسطو يعتقد أن "كلّ شيء له شكل مثاليّ، وأن ما نعتبره حقيقة هو في الواقع ظلال لما هو مثالي". وقد انعكس هذا في الفنّ بدءا من الإغريق، على الرغم من أن صورة الأنثى العارية في الفنّ لم تظهر حتى حوالي القرن الخامس الميلادي، لأن البُنى الدينية والاجتماعية كانت تمنعها. وكانت النساء العاريات في الفنّ القديم، وفقا لـ كلارك، هزلية وغير مثالية، وأحيانا لم تكن تبدو بشرية.
المفهوم الحالي للعُري في الفنّ يعود إلى المنحوتات اليونانية القديمة للرياضيين الذكور العراة في القرن الخامس قبل الميلاد. والصفات المثالية للمنحوتات تُعزى إلى الاعتقاد الذي كان سائدا بأن أبوللو، إله العدالة، كان يجسّد النموذج الذكوريّ المثالي. ومعادله الأنثوي كان أفرودايت في اليونان، أو فينوس في روما، إلهة الحبّ والجمال. وفي حين كان الذكور في الفنّ اليونانيّ القديم يُعرفون بقوّتهم ويصوّرون، وفقا لـ كلارك، في "حالة تأهّب وثقة"، كانت الإناث يُصوّرن إجمالا كشخوص رزينة وضعيفة.
الشكل الأنثوي كامل العُري كان نادرا جدّا في اليونان القديمة. لذلك يجب على المرء أن يبحث عن عاريات يرتدين القليل من الملابس. وإحداهن، وربّما أشهرهن، هي فينوس دي ميلو ، التي تصوّر امرأة نصف عارية. "مترجم".