:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, April 06, 2009

حياة في الكُتُب

بعد وفاة احد زملائنا المشتركين، جاء اتصال من ابنه يلحّ فيه بضرورة الإسراع في توظيب أمتعة والده وأشيائه الشخصية تمهيدا لشحنها إلى بلده.
وقد ندبتُ أنا لهذه المهمّة على الرغم من أنني لم أكن اعرف الرجل بما فيه الكفاية بحكم فارق السنّ ونوعية التخصّص.
بدأت بالمكتبة. كان الراحل معروفا بشغفه الكبير بالقراءة وحرصه على اقتناء الكتب بانتظام. وبدأتُ في جمع الكتب من فوق الأرفف ورصّها في كراتين.
لحظتها خامرني إحساس بالحزن والضيق. كنت وأنا ألمس الكتب التي تركها وراءه كمن يباشر عملية تفريغ عالم صغير يخصّ شخصا آخر.
كتب، عناوين وأسماء كثيرة تبدو بلا نهاية: جويس، اورويل، سارتر، ديورانت، لوركا، ديكارت، تولستوي، ووردزوورث، شتاينبك، بورخيس، مارلو، همنغواي، اليوت، طاغور، داروين، كونراد، برونتي، مونتسكيو، وولف، بروست، ارسطو، نيرودا، غوته، كولريدج..
وبينما أنا مستغرق في النظر إلى تلك الأسماء، تذكّرت كلّ الكتب التي سبق لي وأن قرأتها. وتساءلتُ عن جدوى ونفع كل تلك القراءة. روايات، قصائد شعر، مذكّرات، سيَر شخصية، تاريخ، فلسفة.. إلى آخره.
الغريب أنني كلما فكّرت في تلك الكتب، كلّما أصبحت اقلّ تذكّرا لمضامينها.
كلّ ما أتذكّره مجرّد ِنتَف وأجزاء صغيرة. جملة من قصّة أو رواية هنا، وصف ما لشخصية هناك، بيت شعر، سطر من جمال خاصّ ما يزال يسكن زاوية قصيّة من الذاكرة.
وخيّل إليّ أن هذا الذي بقي ليس بالشيء الكثير مقارنة مع كل تلك الملايين من الكلمات والعبارات والصور.
مال كثير ووقت أكثر استثمرناه، وما زلنا، في الكتب.
الآن ذهبت الكلمات وتلاشت المشاهد. لم يبقَ من متعة القراءة سوى انطباعات سريعة وصور عابرة.
وأظنّ أن هذا يشبه، إلى حدّ كبير، الحياة نفسها. دقائق، ساعات، وأيّام لا تعدّ ولا تحصى من الوجود الثمين. التفاصيل تتوارى ويصبح أكثرها نسيا منسيّا.
ولا يبقى في النهاية سوى الإحساس بها. هذا كلّ ما يبقى. مجردّ ظلّ لحياة كان لها وجود ثم تبدّدت، مثل الأزهار التي تذوي وتجفّ في الصيف ولا يبقى منها سوى بعض الشذى الذي لا يدوم طويلا. "مترجم"

8 comments:

Moh'd Shaltaf said...

تحياتي

الموضوع برأيي يحتاج لنظرة أعمق للقراءة والثقافة وما يبقى منها في ذاكرتنا كنصوص وان كان هذا هو المحصول الذي نجنيه من القراءة
كثيرا ما راودتني أسئلة من النوع الاشكالي الذي أوردته في المقالة حين نسيت كثيرا من أفضل القصص والقصائد التي قرأت، شعر بالخجل حين قرأت مقطعاً من قصة قصيرة للشهيد غسان كنفاني وكأني أشاهده لأول مرة رغم قراءتي لجميع قصصه القصيرة واصراري أنها أروع ما قرأت في حياتي.
مع مرور الوقت أدركت أن نتاج تلك القراءة انعكس على شخصيتي وسلوكي بل وقيمي ومبادئي ونظرتي للحياة ككل ولا أبالغ أن شعورأ بأن مجموع تلك الكتب على قلتها شكلت مخزونأ روحيأ لا يمكنني إغفاله بحال من الأحوال وأدركت أن الوقوف عند الجزء الذي علق منه في ثنايا الذاكرة هو ظلم أو قصور في نظرتنا لهذا المخزون.

في النهاية أعبر لك عن اعجابي كثيرا بالمواضيع الجميلة التي تترجمها ولكني أسأل نفسي دائما عن اسم الكاتب

Prometheus said...

أهلا محمّد.
أوافقك في الكثير مما كتبته. بالتأكيد للكتب أثرها الكبير على شخصية الإنسان وصياغة أفكاره وقناعاته عن الناس والحياة. الكتب ليست منفصلة عن الحياة نفسها. وأتصوّر أن القراءة من بين المتع القليلة التي يمكن للإنسان من خلالها مواجهة متاعب الحياة ومشاكلها الكثيرة. على الأقل، قراءة كتاب ممتع من شانها أن تنسيك الكثير من الهموم والمصاعب. اعرف هذا تماما وقد جرّبته وخبرته. وأشكرك مجدّدا لأنك ذكّرتني بغسان كنفاني. للأسف اعتبر نفسي مقصّرا في مجال القراءة لكتاب وأدباء عرب معيّنين. كثيرا ما تبهرنا الأسماء البعيدة ذات الرنين والصخب فيما نجهل الأسماء القريبة رغم أنها قد كون أكثر أصالة وعمقا. قرأت فقط بعض رسائله إلى غادة السمّان. رغم أني أدرك أنها لا تمثّل سوى جزء بسيط من اهتمامات غسّان كنفاني ومكانته الإبداعية. وأغلب الظن أن الجزء السياسي والثوري فيه طغى على الجانب الإبداعي من شخصيته. وأتمنى بصدق أن تسمح لي الفرصة قريبا بقراءة المزيد من أعماله القصصية والروائية.
مع خالص شكري وتقديري.

Mist said...

بالفعل،يطابق احساسي بالكتب احساس كاتب المقال.أحيانًا يتبقى مشهد من الرواية،أو احساس معين بلحظة مكتوبة،أحيانًا ظروف قراءته ،أكثر من محتواه.

ليست كل الكتب لها التأثير الطاغي على نفس المرء،فهي تتباين في تأثيرها على القارئ.

إلا أنه ورغم ذلك،أجد من الصعوبة بمكان التخلص من كل الكتب،فضلاً عن قراءتها أكثر من مرة،إلا على فترات تطول لسنين.

ودومًا أُعجَب بمن يقرأ الكتب أكثر من مرة ،أو يحفظ المقاطع ويتلوها عن ظهر غيب.
--
أوافق على ملحوظة (محمد)،بخصوص ذكر اسم الكاتب في المقالات المُترجمة،لحفظ الحقوق من ناحية،وليسهل البحث عنه لمن يهتم.

وشكرًا لترجمتك البديعة،دومًا أحس أنك متحد معها ،كأنك كاتب هذه النصوص لا مترجمها.

Prometheus said...

مرحباً Mist
وشكرا جزيلا لك على ملاحظاتك الممتازة.
أنا مثلك، يندر أن اقرأ كتابا ثم أعود لقراءته مرّة أخرى ما لم تفرض ذلك الضرورة.
وكنت حريصا في الماضي على الاحتفاظ بكل كتاب أقرؤه. الآن تنتهي أهمية الكتاب بمجرّد أن افرغ من قراءته. يحدث أن اهديه إلى صديق أو زميل يهوى القراءة وتكون اهتماماته قريبة من اهتماماتي. واستمتع كثيرا بسماع رأيه عن مضمون الكتاب وآراء مؤلفه، إن سلبا أو إيجابا.
بالنسبة لموضوع الترجمة، في كثير من الأحيان قد تعجبني فكرة عابرة قرأتها في مقطع قصير من مقال يمكن أن يستوعب صفحة أو صفحتين. ثم يخطر لي انه بالإمكان التوسّع في تلك الفكرة بالذات والإضافة إليها وتناولها من أكثر من منظور. أي انه يصعب في النهاية الحديث عن حقوق المؤلف، لان الموضوع الجديد من حيث الشكل والمضمون يصبح وكأنه منقطع الصلة بالموضوع الأساسي. والموضوع أعلاه مثال واضح على ما قلته. حقوق المؤلف أو الكاتب يصبح الحديث عنها منطقيا بل وضروريا عند نقل مقال كامل من لغة أخرى حرفيا وبدون زيادة أو نقصان. هنا ينبغي الإشارة إلى اسم الكاتب أو المؤلف ومصدر النقل.
وعلى فكرة، هناك مواقع أجنبية في الانترنت تحظر ترجمة المواد الموضوعة فيها إلا بناءً على إذن واتفاق مسبق مع إدارة الموقع. وللالتفاف على هذا الشرط، يحدث أن يلجأ المترجم إلى نقل الموضوع ثم يكتفي بتذييله بعبارة "مترجم" دون الإشارة إلى مصدر المقال توخيّا للحذر والابتعاد عن المشاكل. حدث هذا معي أكثر من مرّة وموضوع غويا الأخير مثال على هذا.
قد تعجبك فكرة عابرة قرأتها في مدوّنة تصدر بلغة أخرى ثم تفكّر في ترجمتها ونقلها مع شيء من التغيير والإضافة. هنا لا أتصوّر انه من الضروري أن يشير الكاتب إلى اسم المدوّنة او اسم الكاتب ما لم ينقل الموضوع كاملا. ولو تمسّكت أنا بهذا الشرط لكان عليّ أن اكتب قائمة بعشرات المدوّنات والمواقع الأجنبية التي قرأت فيها أفكارا أعجبتني وقمت باقتباسها والإضافة إليها وتحويرها كي تتناسب مع سياق الموضوع الذي اكتبه وتصبح قريبة من مزاج وفهم من يقرأ العربية.
في مدوّنة الفنّ التشكيلي، مثلا، كثيرا ما اقتبست مقاطع قمت باجتزائها من مقالات ومواضيع كثيرة مكتوبة بلغات غير العربية في معرض الحديث عن هذه اللوحة أو تلك. وفي هذه الحالة يستحيل من الناحية العملية إدراج تلك الاقتباسات والمقتطفات في جزء خاص لان الأمر عندئذ يدخل خانة لزوم ما لا يلزم. فالقارئ العادي يريد في نهاية الأمر أن يقرأ كلاما متماسكا ومفهوما ولا يهمّه بحال من الأحوال أن يعرف من قال هذه الجملة ولا أين قالها أو كتبها. وقد أشرت إلى هذه النقطة مرارا في أكثر من موضوع.
أحيانا يمكن الاكتفاء بالإشارة إلى أن الموضوع أو جزءا منه مترجم، ويمكن للناقل أن يشير فقط إلى انه قرأ في احد المواقع فكرة مفادها كذا أو كذا، وهو ما افعله غالبا، لكي يستريح ضميره ويبعد نفسه عن دائرة الادعاء أو الشبهة.
في أحيان كثيرة يخيّل إليّ أن كلّ كلمة كتبتها في هذه المدوّنة أو في المدوّنة الأخرى يصحّ أن تعزى لشخص آخر، وأن الكثير من الأفكار التي نكتبها هي بشكل أو بآخر نتاج لأفكار أشخاص آخرين بعضهم سبقونا وجرّبوا الحياة قبلنا وتشرّبوا من الوعي والثقافة والحكمة ما جعلنا نتأثر بهم ونشكّل أفكارنا على هدى من ما أنتجوه وأبدعوه مما أصبح مع مرور الأيام ميراثا مشتركا للأجيال التي تقرؤه وتبني عليه وتنسج على منواله، تماما كما نفعل نحن.
ويبقى السؤال المهمّ: هل ما ُيكتب مهمّ، وهل ينتفع منه القارئ؟ ثم هل لما نكتبه صلة أو ارتباط بالواقع؟
وفي كلّ الأحوال، أنا انظر إلى المترجم على انه كاتب مبدع على طريقته، لأنه في الحقيقة إنما يكتب نصّا جديدا إذ يضيف إليه من فكره وثقافته ورؤيته أشياءً قد لا يتضمّنها النصّ الأصلي.
ولا أجد ما اختم به هذه المداخلة خيرا من تلك العبارة الطريفة المنسوبة إلى اينشتاين إذ يقول: لا يمكن للإنسان أن يصبح مبدعا إلا عندما يتعلّم كيف يخفي مصادره".
مع خالص تحياّتي ومودّتي لك وعذرا للإطالة.

أحلام said...

مرحبا عزيزي بروميثيوس
جميل ما كتبت
ولكني أوافق السيد محمد شلتف بما قال
فالكتب لا تختصر في كمية المقاطع التي علقت في ذاكرتنا.. بل في تركها بصمة وأثرا على شخصيتنا وفي تأثيرها علينا وعلى أفكارنا وعلى نظرتنا للحياة وعلى إثرائها لعالمنا وخيالنا وأحلامنا

لا أعلم اذا كان ما أشعر به يشعر به الجميع، لكني أجد نفسي في كثير من الأحيان أفكر في فكرة او يخطر في بالي خاطر أو تصرف ما لا أعلم أين صادفت فكرة او تصرفا مماثلا في هذه اللحظة.. أكون أعلم اني قرأت هذا الشيء في كتاب ما ساعدني اليوم على اختيار التصرف او الفكرة المناسبة، لكني حتى لا أذكر اسم الكتاب او اسم الكاتب.. يكفي أن ظل عبق صغير من هذا الكتاب أوحى الي بفكرة ما او بتصرف مناسب
وفي أحيان أخرى أجدني أردد قولا او فكرة قالها أحد في رواية ما.. قد لا اذكر من القائل ولكن يكفي ما تركه الكتاب من اثراء لعقلي وروحي

أعلم عزيزي أنه لا تفوتك مثل هذه الأمور خاصة وأنا أعلم شغفك بالكتب والمطالعة.. ولكنه مجرد رأي شدني الموضوع لكتابته

كل الود وباقة حب
أحلام خالد رحال

Mist said...

بل أنا من أشكرك على التوضيح الجميل،

كان اقتراحي،لظني أنك مترجم المقالات دون إضافات،لكن إن كانت منقولة بتصرف،فأنا أوافقك.
وبخصوص المقالات التي استفدت من مقالات أخرى ترجمتها،فذكر مصدرها يبجعل من الأمر بحثًا علميًا،لا مقالات مكتوبة للقارئ العادي.

أكثر ما شد انتباهي في ردك هو سؤالك المهم،عن مدى استفادة القارئ بما نكتب ومدى ارتباط مانكتب بالواقع،فلطالما قاد السؤال الجيد إلى إجابة أجود.

وشكرًا مرات عديدة عزيزي :).

Prometheus said...

أهلا أحلام.
طبعا معك حقّ في كلّ ما كتبت. ما من شكّ في أن القراءة تسهم في تشكيل وعي الإنسان مثلما تفضّلت وتعينه على فهم ومواجهة الكثير من المواقف والحالات التي تصادفه في مشوار الحياة. إن للقراءة متعة لا يشعر بها سوى من ألِف الكتب واعتاد رائحة الحبر. وأتذكّر للمناسبة جملة منسوبة لجيمس جويس يقول فيها إن قيمة أي كتاب تقاس بما يمكن أن تأخذه منه ويبقى معك إلى الأبد. هذا الصنف من الكتب قليل ونادر. وأتصوّر أن هذا بالضبط ما يقوله الموضوع. ما يحدث هو أننا نقرأ كثيرا من الكتب، لكن في النهاية لا يبقى معنا من معظمها شيء. هذا هو الفرق بين قراءة كتاب جيّد وقراءة كتاب رديء. ولهذا السبب فإن الانتقائية في اختيار نوعية الكتب التي نقرأ مسألة مهمّة. يحدث كثيرا أن اقرأ كتابا وعندما أتمّ قراءته اشعر في النهاية انه لم يضف لي شيئا ولم يبقَ في ذاكرتي منه شيء. بينما عند قراءة كتاب جيّد تشعر وأنت على وشك إتمام قراءته بالحزن لأنه لن يبقى معك فترة أطول على الرغم من أن تأثيره في عقلك ونفسك يدوم طويلا. انه نفس الإحساس الذي يساور الإنسان عندما يفقد صديقا قريبا من نفسه، وعندما يتذكّره يحسّ نحوه بالشوق ويعاوده الحنين للقياه والتحدّث إليه. ومن هذه الناحية لا أتصوّر أن الكتب تختلف كثيرا عن البشر.
المهم أنني سعيد بتواجدك من جديد وشكرا للموضوع لأنه أعاد إلينا حضورك الجميل ومداخلاتك الرائعة التي طالما أسعدتني واستفدت منها.
مع خالص محبّتي وتقديري.

Prometheus said...

عزيزتي Mist
بل أنا الذي أشكرك على ملاحظاتك الحصيفة والممتازة التي كثيرا ما استفدت منها.
مع خالص مودّتي وتقديري لك.