:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Tuesday, July 28, 2009

سيكولوجيا الرائحة 1 من 2

دعيني أكتشف، طويلاً طويلاً، رائحة شعرك، وأُغرِقُ فيه وجهي كظامئ إلى ماء نبع، وأداعبه بيديّ كمنديل عطر، كي أهزَّ الذكريات في الفضاء. في موقد شعرك الملتهب، أتنشّق رائحة التبغ ممزوجاً بالأفيون والسكَّر. وفي ليل شعرك، أبصر تألّق اللانهائية في السماء الاستوائية الصافية. وعلى ضفاف شعرك، أنتشي بالروائح المضمّخة بالقطران والمسك وزيت جوز الهند".
- شارل بودلير، شاعر فرنسي



إحدى الخصائص الغامضة للرائحة هي أنها تقيم روابط مع الأشياء والأشخاص والأمكنة. ويمكن أيضا أن تساعدك على اكتشاف جوانب خفيّة من شخصيّتك. شيء ما من قبيل اكتشاف الذات واستنطاق المشاعر واستكناه الرغبات الكامنة.
شخصيا تجذبني كثيرا رائحة القهوة في الصباح، والتي اعتبرها أحد أروع وأجمل العطور التي خلقها الله في هذا الكون. مع انه يصعب تفسير هذا الإحساس أو التعبير عنه بالكلمات.
هناك أيضا، وإنْ بدرجة أقل، رائحة الشاي، الشموع المحترقة، رائحة بيتنا القديم ورائحة الخشب المحترق.
أتذكّر ذات مرّة، وكان الوقت شتاءً، أن جمعتني في احد الأمكنة جلسة حديث وسمر مع بعض من أحبّهم وآنس إليهم. لم يكن فوقنا تلك الليلة سوى السماء الرمادية والنجوم المتلألئة والهدوء الذي لم يكن يقطعه سوى همهمات وأصوات بعض كائنات الليل. وكانت هناك طبقات من الندى الذي راح يحجب شيئا فشيئا منظر الجبال خلفه. كان الوقت قبيل الفجر تقريبا. ولم نكن قد نمنا حتى تلك الساعة حيث فضّلنا أن نظلّ مستيقظين كي نستمتع برؤية المطر الذي يبدو انه جاء في غير أوانه. ومع مرور الوقت لاحظنا أن المكان يضوع برائحة عطرية شذيّة. وتبيّن لنا أن مصدرها فرع شجرة يابسة كنا قد استخدمناه كحطب. كانت رائحتها تعبق في الجوّ ممتزجة برائحة المطر الخفيف وباعثة شعورا نادرا وغريبا من ذلك النوع الذي يخلب العقل ويُسكِر الحواس. وما زلت أتذكّرها كأنني أشمّ أريجها في هذه اللحظة. كما لا أتصوّر أنني يمكن أن أنسى أدقّ تفاصيل تلك الليلة، ربّما بسبب تلك الرائحة بالذات.
وقد خطر لي الآن أن الرائحة، علاوة على أنها تعدّل المزاج وتشكّل الصور وتثير الذكريات القديمة، يمكن أيضا أن توفّر للإنسان موضوعا يستطيع أن يوظفه في الكتابة وفي أشكال الفنّ المختلفة.
والحقيقة أن ما يجذبني في موضوع الروائح بشكل خاصّ هو تأثيرها السيكولوجي والصور الذهنية التي تثيرها وعلاقتها بالرسم والموسيقى والأسرار الكامنة وراء انجذاب الناس إليها.

أعرف شخصا قضى أكثر من عشرين عاما في تجارة وصناعة العطور. وخلال هذه الفترة أصبح خبيرا بارعا في معرفة أسرار الروائح المختلفة، رغم انه لم يدرس الكيمياء ولم يتلقّ دروسا في تركيب وتوليف العطور.
وقد بلغ من مهارته انه يستطيع أن يميّز رائحة العطور عن بعد، بل وأن يفرّق بين ما هو أصلي ومقلد. وقد ذكّرتني مهارته وإلمامه ببطل رواية الكاتب الألماني باتريك ساسكيند "عطر" التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي مشهور. بطل الفيلم كان يمتلك أنفا شديدة الحساسية. كان باستطاعته، مثلا، أن يشمّ العطور من مسافة بعيدة وأن يعرف مكوّنات وتركيبة كلّ عطر. وقد اكتسب هذه المهارة منذ صغره عندما كان يتجوّل بين النوافير التي تتناثر فوق مياهها أزهار القرنفل والليلك والسوسن والياسمين والقرفة والنرجس. كان يقضي ساعات المساء هناك مستنشقا عبير الأزهار الذي تحمله نسائم الليل لتنشره في كلّ اتجاه.
وقد فكّر ذات يوم في تركيب عطر يخصّه هو ويحمل اسمه ويكون أفضل عطر في هذا العالم.
لكن حدث في أحد الأيام أن اجتذبته رائحة امرأة عابرة. وتحت تأثير افتتانه بعطرها، قرّر أن يتابعها ليعرف سرّ ذلك العطر الغريب الذي كانت تضعه. وأثناء محاولته تلك يقتل المرأة عن طريق الخطأ أثناء مشاجرة.
وفي الرواية تختلط رائحة العطور برائحة الدم عندما يتحوّل البطل إلى قاتل محترف.
خبراء العطور اليوم يستطيعون التعرّف على شخصيّتك وطبيعة انفعالاتك من خلال عطرك المفضّل. يكفي مثلا أن تذكر اسم عطر أو اثنين ليكون ذلك مفتاحا لقراءتك من الداخل ومعرفة أدقّ سمات شخصيّتك، مثل ألوانك المفضّلة والموسيقى التي تحبّ سماعها بل والأماكن التي ترتاح لارتيادها أكثر من سواها.
يقول الروائي ساسكيند إن للروائح قوّة إقناع أكثر من الكلمات أو التعبير الصريح عن المشاعر. كما أن القدرة الاقناعية للعطر لا يمكن مقاومتها. إنها تنفذ إلى دواخلنا مثلما ينفذ الهواء إلى الرئتين فيملأهما".
وهناك دائما نوع من الشعور الذي يثيره العطر. حبّ أوّل، لقاء حميم، وداع، صورة من زمن الطفولة، شخص خاص، مزاج ما، حالة حنين إلى لحظة معيّنة في مكان ما من زمن ماض، إلى آخره.



والعطر يمكن أن يكون عامل تحفيز وإلهام. كما انه لا شيء يستثير الذاكرة مثل نفحة عطر. بل لقد ثبت أن تأثير الرائحة على الذاكرة يفوق تأثير بقيّة الحواس.
وفي حالات كثيرة فإن أثر العطر الذي يضعه الإنسان يكون أقوى ممّا يمكن أن توفره المصافحة بالأيدي. بل إن العطر يمكن أن يقول عن صاحبه أكثر ممّا يمكن أن يقوله خطّ يده أو طريقته في الكتابة.
أتذكّر صديقا كان مغرما بأحد العطور الكلاسيكية المشهورة، واسمه سفاري من رالف لورين. هذا العطر بالمناسبة قديم نسبيا وهو مصنوع في الأساس للرجال لكن النساء أيضا يفضّلنه على النسخة النسائية منه. هو مركّز، قويّ جدّا ويدوم طويلا. كان ذلك الصديق يضع ذلك العطر وما أن يدخل مجلسا أو مكانا عامّا حتى يلفت إليه انتباه الحضور الذين كانوا يمطرونه بأسئلتهم عن اسم العطر وعن سعره وأماكن بيعه.
وبعض أنواع العطور برغم كلاسيكيّتها وقدمها ما تزال تجد طريقها إلى القلب والعقل وتلهب الأحاسيس وتثير المخيّلة. وأقرب الأمثلة على ذلك كْرِيد سيلفر ماونتين، ودراكار من غي لاروش. وأيضا لا يبدو أن النساء اقلّ افتتانا من الرجال بهذين العطرين.
والحقيقة انه يصعب أحيانا في عالم العطور رسم خط فاصل بين ما هو كلاسيكي وخالد وبين ما هو عصري وحديث. وهناك من يرى أن الكلاسيكي ليس معناه القديم بالضرورة. ما يحدث هو أن بعض العطور يعاد تركيبها ومزجها والإضافة إليها بطريقة مبتكرة حتى تروج وتبيع.
والعطر قريب الشبه جدّا بالموسيقى من حيث أن كليهما يتضمّن عنصري الإيقاع والتناغم. فالموسيقى ذات الإيقاعات المتناسقة تطرب الإنسان وتحمله إلى أماكن مختلفة. والعطر هو الآخر يأخذ الإنسان في اتجاهات متعدّدة متى أمكن التحكّم في مسارات الرائحة ودرجات تركيزها وبرودها أو جفافها. وقد تثير الرائحة في الذهن صورا وأشكالا وألوانا وحالات وبيئات معيّنة. انه نوع من تزامن الحواسّ الذي تحدّث عنه الفلاسفة والفنانون منذ القدم، وهي ظاهرة بعضها فطري والبعض الآخر يُكتسب عن طريق التجربة والمران.
كما أن هناك علاقة وثيقة بين العطر والرسم. فقد يعجب الواحد منا بلوحة ما ويستوقفه تناسق عناصرها وتناغم ألوانها. والعطر لا يختلف كثيرا عن اللوحة. فمدى نجاح وشعبية عطر ما تعتمد على إلمام صانعه بمهمّته ودقته في اختيار نسب المكوّنات والعناصر التي يتألّف منها العطر.



وهناك عنصر آخر مشترك بين العطر والموسيقى والرسم. وهو عنصر المتعة التي تشكّل هاجسا دائما للإنسان. والمتعة الكامنة في العطور يصعب شرحها أو تفسيرها. لكنها متّصلة بالعقل والحواسّ. والمتعة ليست فقط في رائحة الأزهار والنباتات والأخشاب العطرية، وإنما تمتدّ لتشمل رائحة الفحم والتبغ وحتى رائحة الكتب القديمة. وكلّ هذا المزيج الغريب من الروائح موجود في تركيب أفضل وأغلى أنوع العطور المعروفة في العالم اليوم.
ولا بدّ وأن ذاكرة كلّ منا تختزن عددا من روائح العطور التي خبرناها في مراحل مختلفة من حياتنا. وكلّ رائحة تستحضر شعورا ما. بعضها يذكّرنا بليالي الصيف في الأزقة القديمة وبعضها يذكّرنا بصديق أو حبيب قديم. وبعضها الآخر برائحة رياح الخريف الممزوجة بالمطر وهي تهبّ فوق الحقول.