:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, January 31, 2011

الشرارة التونسية


في اليمن، كانت هتافات المحتجّين تستذكر ما حدث في تونس البعيدة منذ عدّة أيّام. إحدى الصحف اللبنانية أعلنت أن الشرق الأوسط بأسره يراقب ما يحدث في مصر. وأصبحت قصيدة لشاعر من شمال أفريقيا توفّي منذ زمن طويل النشيد الأكثر حماسا لهذه اللحظات الثورية. وردّد المتظاهرون أبياتا من هذه القصيدة خلال تظاهرة مناهضة للحكومة في صنعاء.
وفي الأسبوع الماضي، اشتعلت المزيد من الاحتجاجات في اليمن والأردن ومصر. بينما ظلّت الولايات المتحدة تراقب ما يحدث في ذهول.
في تاريخ الصراع في الشرق الأوسط، كان الدين ومغامرات القادة العسكريين والحروب مع إسرائيل هي العوامل التي تجّيش عواطف الشعوب وتحشد الجماهير.
الآن اختلف الوضع. ففي جميع أنحاء الشرق الأوسط اليوم، أصبحت فكرة الحنين إلى هويّة عربية مشتركة تتقاطع مع شعور غريزي بالتوق إلى حياة حرّة وكريمة. وهذا هو ما يميّز هذه الاحتجاجات التي تبدو وكأنها تربط الجميع بشعور من التعاطف والمصير المشترك.
حوالي الساعة الواحدة من فجر يوم الجمعة الماضي، ظهر الرئيس المصري حسني مبارك على التلفزيون ليوجّه رسالة إلى شعبه والى عموم المنطقة والى العالم بأسره ردّا على يوم طويل من الاحتجاجات التي لم يسبق لها مثيل في مصر. قال مبارك: أتحدّث إليكم في ظرف دقيق يفرض علينا جميعا وقفة صادقة مع النفس". وبينما كان الرئيس يتعثّر بين كلمتي الاستقرار والديمقراطية أعلن: لقد انحزت، وسوف أظلّ، للفقراء من أبناء الشعب على الدوام". وفي نهاية خطابه أعلن انه سيقوم بحلّ الحكومة وتعيين رئيس جديد للوزراء.
لم تمضِ بضع دقائق على الخطاب، حتى نزل الناس ثانية إلى شوارع القاهرة والاسكندرية وغيرها من المدن المصرية. فالمصريون لم يقتنعوا بكفاية أو جدوى الاجراءات التي أعلن الرئيس عن اتخاذها. إنهم يريدون تغييرا شاملا في بنية النظام نفسها.
وأصبح واضحا من البيانات الحذرة للزعماء الغربيين والصمت المطبق للحكّام العرب أن الجميع ما يزالون يعيشون حالة إنكار وعدم تصديق لما يجري.
ومنذ أربعة أيّام كتب طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية يقول: إن تجربة تونس تعتبر نبراسا لمصر. وربّما يكون الأمر كذلك بالنسبة للشعوب في اليمن والسودان وبقيّة العالم العربي التي تبحث عن التغيير. هذه الشعوب أصبحت على ما يبدو مستعدّة لقبول المخاطر، خاصّة في ضوء واقع يقول انه حتى أسوأ الاحتمالات يُعتبر أفضل من الوضع الراهن".
وقد أوضح احد الهتافات التي رُفعت في مظاهرات مصر الأمر بطريقة أكثر تحديدا عندما استبدل المتظاهرون الشعار المشهور الذي ظلّ يردّده الإسلاميون طويلا "الإسلام هو الحلّ" بشعار آخر يقول إن "تونس هي الحلّ".
الذي نراه اليوم في الشوارع العربية يثبت أن الشعوب مجمعة على الحاجة إلى التغيير حتى عندما يعبّر البعض عن قلقهم من أن أيّ بديل عن الديكتاتوريات الحالية يمكن أن يتمّ سحقه بلا رحمة أو هوادة.
الشرق الأوسط يعاني من مخاوف اقتصادية جمّة وتعمّه حالات استياء وسخط من تردّي الأوضاع. كما أن الناس يشعرون بأنهم حُرموا من الحقوق والكرامة لزمن طويل. وهناك إحساس واسع بالفشل والإحباط على مستويات عدّة.
الفضل شلق، الكاتب اللبناني والوزير في حكومة سابقة، يقول: بعد سنوات عديدة من الركود السياسي ومن الاختيار بين ما هو سيء وما هو أسوأ، الآن هناك شيء ما مهمّ وذو مغزى يحدث في العالم العربي".
في الشرق الأوسط القديم، كانت هناك إذاعة مشهورة تُسمّى "صوت العرب". كانت هذه الإذاعة تحظى بشعبية جارفة في كلّ مكان. وكانت تُدار من قبل جمال عبد الناصر، زعيم مصر الكاريزمي، لكن القمعي، الذي حكم من عام 1956 إلى عام 1970م. كانت "صوت العرب" مزيجا من فنّ الخطابة والدعاية السياسية والموسيقى. وكان أهمّ ما يميّزها تلك الأغاني الحماسية التي كانت تبثّها للمطربة المصرية المشهورة أم كلثوم.
اليوم أصبحت محطّة الجزيرة الإخبارية القطرية تلعب نفس الدور. صحيح أن شهرة الشابّي وشعبيّته تتضاءلان أمام ما كان لأم كلثوم من شهرة ومكانة في زمانها. لكن هذه الأيّام، يبدو أن الشاعر التونسي هو الذي يحدّد وجهة هذه الاحتجاجات الكاسحة وتطلّعات أصحابها.
ورغم أن الجزيرة استفزازية وميّالة لانتقاد الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أنها قامت بتغطية أخبار الاحتجاجات المصرية بلهفة، تماما كما فعلت مع مظاهرات تونس. بل إنها كثيرا ما تحرّض المتظاهرين. وقد انضمّ إليها موقعا الفيس بوك وتويتر على الانترنت، اللذان ربطا المحتجّين في أماكن مختلفة بلغة مشتركة. الحكومة المصرية أقفلت خدمات الانترنت في البلاد اعتبارا من يوم الجمعة الماضي، وهذا في حدّ ذاته دليل آخر على مدى قوّة وتأثير هذه الأدوات على الرأي العام.
الرئيس اليمني علي عبدالله صالح لجأ مؤخّرا إلى تكتيك قديم يذكّر بحالة العداء التي كانت تربط عبد الناصر بزملائه من القادة العرب. فقد شكا صالح "الجزيرة" إلى أمير قطر، حيث يقع مقرّ القناة، وقال إنها تدعم أولئك الذين يريدون إشعال المعارضة في البلدان العربية". وما قاله صالح صحيح تماما. وهو ينطبق أيضا على رسائل الفيس بوك والتويتر كشكلين من أشكال المعارضة السياسية الجديدة في القرن الحادي والعشرين.
فعلى الفيس بوك تعهدّت مجموعة في القدس بدعم مصر وتونس. وقالت: إن العالم العربي ينتقل الآن من الظلمات إلى النور ومن الديكتاتورية إلى الحرّية".
تونس، ذلك البلد الصغير والهادئ في شمال أفريقيا، كانت المكان الذي بدأ منه كلّ شيء. احتجاجات تونس لم تسقط فقط حكم زين العابدين بن علي، بل ألهمت أيضا العرب على امتداد الإقليم أن يهبّوا مدافعين عن حقوقهم وأن يثوروا ضدّ الظلم والاستبداد.
بداية الشرارة كانت في ديسمبر عندما أقدم شابّ تونسي يُدعى محمّد البوعزيزي على إحراق نفسه إثر شعوره بالمهانة والقهر وسوء معاملة السلطات المحلية له. وقد أشعل موته هذه الموجة من الاضطرابات الواسعة التي تجتاح دول الشرق الأوسط وأدّت، من بين ما أدّت إليه حتى الآن، إلى إسقاط حكم الرئيس السابق بن علي.
وبعد ما أصبح يُعرف بثورة الياسمين في تونس، تساءل الكثيرون عن سرّ الانهيار السريع لحكم بن علي. ففي نهاية الأمر، كانت تونس "واحة" في البيئة الكالحة للشرق الأوسط. فهويّة هذا البلد علمانية، كما أنها تحتفظ بعلاقات صداقة مع أمريكا وأوربّا. واقتصاد تونس يعتبر أكثر ازدهارا، وسكّانها أفضل تعليما، ونساؤها يتمتّعن بحقوق أكثر من أيّ بلد عربي آخر. وهي، أي تونس، لم تكن تواجه شبح انقلاب اسلاموي ولم تكن مهدّدة بالإرهاب، بالنظر إلى الاستقرار المظهري الذي كان يميّزها.
الجواب يكمن في كلمتين: الاستبداد السياسي. فابن علي كان احد أكثر حكّام العالم العربي استبدادا. فقد سجن وعذّب آلاف المعارضين وأعاق مؤسّسات المجتمع المدني وخنق وسائل الإعلام.
هذه التغييرات ربّما يكون لها مضاعفات عميقة بالنسبة للولايات المتحدة. فقد قال معين ربّاني، وهو محلّل أردني، إن الإحباطات الاقتصادية تُضاعف حالة الاستياء من الحكومات المحلية التي يُنظر إليها على أنها أدوات للولايات المتحدة وحلفائها". وقد أوضحت نتائج استفتاء اجري مؤخّرا أن عالَما عربيا أكثر ديمقراطية يُرجّح أن يكون أكثر عداءً للسياسة الأميركية. لكن الشغل الشاغل الآن داخلي.
يقول عبد العزيز العويشق، وهو اقتصادي سعودي: لو أن الحكومات أفلحت في حلّ القضايا الاقتصادية الأساسية، لغضّت الشعوب الطرف عن الفساد وسوء الإدارة والحكم الاستبدادي. لكن عندما تفشل الشعوب في توفير لقمة العيش، فإنها تنظر إلى حكوماتها".
هذا العامل ربّما أسهم في صوغ فكرة "القضيّة المشتركة". فقد قام محتجّون في أماكن نائية جدّا بتعلّم الدرس من أناس آخرين في أماكن أخرى يجمعهم نفس التفكير ونفس الهمّ. في تونس مثلا، بادرت مجموعة من المحتجّين بالتجمّع خارج مبنى السفارة المصرية تضامنا مع مظاهرات المصريين وهتفوا بصوت واحد: أخرج، أخرج يا مبارك"!
وأوردت جريدة لبنانية مشورة قدّمها نشطاء تونسيون لنظرائهم المصريين تقول: احتجّوا في الليل، وارتدوا أكياسا بلاستيكية لتجنّب الصدمات الكهربائية، واغسلوا وجوهكم بالكوكاكولا لدرء آثار الغاز المسيل للدموع، ورشّوا طلاءً أسود على الزجاج الأمامي لسيّارات الشرطة".
تقول منى السباعي، وهي امرأة مصرية تعيش في بيروت: أتمنّى لو كنت معهم. كما أتمنّى لو أمكننا الخلاص من هذه الأنظمة جميعها. إنّني اشعر بالفخر ممّا يجري".
في العام 1930 كتب ماو تسي تونغ يقول: قدحة واحدة تكفي لإشعال حريق هائل في البراري". كان ماو يشير إلى احتمال اندلاع انتفاضة للفلاحين في مكان ما من الصين. ويمكن لتلك الانتفاضة أن تمتدّ بعد ذلك لتتحوّل إلى ثورة شاملة في عموم البلاد.
هذه الشعلة بدأ حريقها اليوم يجتاح العالم العربي. هذه المنطقة من العالم التي يعيش فيها أكثر من 360 مليون نسمة يعانون من بعض أسوأ الديكتاتوريات في العالم اليوم.
موت التونسي البوعزيزي جعل منه بطلا وشهيدا في عيون الكثير من شعوب العالم العربي بعد أن تسبّب في إسقاط ديكتاتور كريه. وأصبح لسان حال الكثيرين من العرب: إذا كان التونسيون استطاعوا الإطاحة بحاكمهم، فلماذا لا نستطيع نحن فعل ذلك". إنها قوّة الأمل والإيمان الحقيقي بالتغيير.
هذا التغيير لا احد يعرف نوعيته ولا درجته أو نطاقه ولا مآلاته الأخيرة. في احد شوارع تونس العاصمة، اعتاد الحلاق فتحي أن يبدأ نهاره بتشغيل آيات من القرآن الكريم من جهاز تسجيل. لكن تلك مجرّد عادة. فهو نادرا ما يذهب للصلاة في المسجد الذي يقع في الجهة المقابلة لمحلّه. وفتحي يتخوّف من احتمالات بروز حزب النهضة الذي يرأسه راشد الغنوشي ووصوله إلى السلطة.
كان الغنوشي قد عاد أمس إلى تونس بعد 22 سنة قضاها في المنفى في بريطانيا. وعندما وصل إلى مطار تونس الدولي كان في استقباله ألف شخص من أنصاره. يقول فتحي على سبيل التندّر: إذا وصل الغنوشي إلى السلطة فسيمنع البيرة والنبيذ". وعلق شخص آخر كان يستمع إلى الحديث بقوله وهو يبتسم: أنا أحبّ أن أصلي. وهو يحبّ أن يشرب البيرة. هذه هي تونس".
إسلاميّو تونس لعبوا دورا ضئيلا للغاية في الثورة التي أطاحت بالنظام السابق. العلمانيون والجماعات اليسارية لعبوا دورا اكبر بكثير من المتديّنين. والدين في تونس ليس أيديولوجيا، بل شيء موقّر من صنع الإنسان، تماما مثل الأبواب الزرقاء في المباني البيضاء التي تميّز العمارة التقليدية في هذا البلد.
معارض أردني علّق على الاحتجاجات بقوله: الناس تريد حرّيتها وتريد رغيف الخبز وتريد منع هؤلاء الطغاة الرديئين من الاستمرار في نهب أوطانهم. ويضيف: سأمشي وراء أيّ شخص. وسأتبع حتى فلاديمير لينين إذا جاء ليقودني". ولا ينسى الرجل أن يشير إلى الشابّي، الشاعر الذي مات شابّا عام 1934م. ويردّد أبياتا من قصيدته الشهيرة التي يقول في مطلعها: إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر. ولا بدّ لليل أن ينجلي، ولا بدّ للقيد أن ينكسر". ويقول معلّقا: هذا الرجل يقودنا اليوم من قبره". "مترجم بتصرّف".