:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, August 06, 2011

محاكمة مبارك


رجل عجوز يرقد على سرير في قفص. بالتأكيد ليس هذا منظرا فخماً، بل هو صورة من الماضي الدموي للثورات. وهي تدلّ على سوء الطالع الذي قد ينتهي إليه مصير الديمقراطية الناشئة في مصر.
ظَهر حسني مبارك في المحكمة وهو مستلقٍ على ظهره. وكان الناس قد عبّروا عن شكوكهم في أن يظهر بتلك الطريقة وانتظروا أشهرا كي يروا هذه الصورة.
لكن مبارك الآن في الثالثة والثمانين من عمره. وقد بدا في الصورة وهو مستلقٍ على سرير مستشفى وفي معيّة ابنيه. الابنان أيضا متهمّان بالاستفادة من حكم والدهما. لكن مبارك يواجه اتهامات تتضمّن قتل المتظاهرين، وهي تهمة قد يواجه بسببها عقوبة الإعدام. وقد ظهر في الصورة وهو يحرّك رأسه بشكل خفيف ويرفع يده إلى وجهه، بينما بدت عيناه ميّتتين.
وفي جميع أنحاء مصر، تجمّع الناس حول شاشات التلفزيون لمشاهدة هذه الصور المثيرة للشفقة. كانت لحظة ثورية حقّا.
من المستحيل أن نبالغ في الطبيعة البصرية والمذهلة للثورة. وكلّنا نتذكّر جموع الناس التي كانت تتدفّق إلى ميدان التحرير للاحتجاج. لكن الثورات يمكن أن تعيش أو تموت بفعل صورة واحدة.
الثورة لحظة تنطوي على معان رمزية ووجودية. البطء الاعتيادي للأخبار والنقاشات يتسارع فجأة. والصورة المرئية هي أسرع شكل من أشكال الاتصال.
بدأت المرحلة الأولى من الثورة المصرية مع صورة ذلك التجمّع الشعبي العظيم في ميدان التحرير. ثم بدأت المرحلة الثانية مع هذه الصورة التي يظهر فيها طاغية مخلوع. وهذه هي النقطة التي تصبح فيها الأشياء غريبة.
العديد من مؤيّدي الثورة يرون في هذه اللحظة لحظة انتصار وعدالة رمزية. في مناخ التغيّر المتعثّر والإحباطات الكثيرة، يبدو أن هناك في النهاية شيئا ما يحدث. لكن إذا نظرتم إلى الصورة الايقونية، أي التاريخ المرئي للثورة، فإن صورة مبارك القابع في قفص تصبح أكثر مدعاة للقلق والانزعاج.
في لندن، وبالتحديد في عام 1649، سِيق الملك تشارلز الأول إلى حيث كان ينتظره جلاد يحمل فأساً. وعندما سقطت رأس الملك، ران على الحشود صمت يشبه صمت الموتى.
وفي باريس، في العام 1793، ذهب الملك لويس السادس عشر إلى المقصلة. وبدلا من ذلك الصمت الذي خيّم على الوايتهول في لندن، استقبل الفرنسيون مشهد إعدام ملكهم بصيحات الفرح والابتهاج. وقد قُدّر عدد من حضروا الإعدام بأكثر من ثمانين ألف شخص تدافع الكثير منهم لغمس أصابعهم في دم الملك الميّت.
وفي روسيا، عام 1918، أُمِر أفراد عائلة الإمبراطور المخلوع رومانوف بأن يتجمّعوا لالتقاط صورة عائلية. ثم أُطلقت عليهم النار وقُتلوا جميعا.
كانت الثورة الفرنسية هي التي دشّنت مشاهد الانتقام في تاريخ الثورات. وقد تمّ الاحتفال بإعدام لويس السادس عشر بطباعة صورة له تُظهِر رأسه المقطوع ودمه المسفوح. الفنّان الثوري جاك لويس دافيد رسم لوحة للملكة ماري انطوانيت وهي ذاهبة إلى المقصلة. هذه الصورة يمكن إلى حدّ ما مقارنتها بصورة مبارك وهو موضوع على محفّة بينما عيناه خاويتان وقاتمتان.
غير أن مبارك يحظى الآن بمحاكمة علنية ومفتوحة، وهو أمر لا يحلم به الأشخاص الذين قُتلوا أثناء الثورة.
ربّما كان مبارك يتظاهر بالمرض. وهذه ليست مسألة مهمّة حقّا. غير أن الاحتفال والفرح بصور طاغية مخلوع ليس أمرا صحيّا على الإطلاق.
إن ما يجمع الثورتين الفرنسية والروسية هي أن أيّا منهما لم تؤدّ إلى حكومات ديمقراطية مستقرّة. وعلى النقيض من ذلك، فإن كلّ ثورة تجنّبت مشاهد الانتقام والعقاب قادت في نهاية المطاف إلى نهايات سعيدة.
الصورة التي اقترنت بالثورة الأميركية لم تكن رأسا مقطوعة. ولم يفكّر الجيش الأميركي أن يغزو انغلترا ليعتقل الملك جورج الثالث. الصورة التي ارتبطت في الأذهان بالثورة الأمريكية كانت تُظهِر مجموعة من الرجال يوقّعون على إعلان الاستقلال.
والجموع التي تدفّقت على جدار برلين في نهايات القرن الماضي كانت مبتهجة ولم تكن تحمل صورة ديكتاتور مثير للشفقة يقبع في قفص الاتهام.
إن ما يدفع المرء لأن يخاف من صورة مبارك وهو في قفصه ليس مردّه العاطفة أو الشعور بالشفقة على رجل عجوز يخضع للمحاكمة. سبب الخوف أن الصورة تثير أصداءً مزعجة للعنف الثوري الذي سجّلته العديد من أحداث التاريخ.
الثورة هي لحظة من لحظات الانزياح النفسي الهائل. والناس عادة ينشغلون بالصور أكثر مما تشغلهم الكلمات.
لقد أذهلت صورة ميدان التحرير العالم بأسره. لكن صورة مبارك المخلوع تستحضر رمز المقصلة والاضطراب واللحظات التي تُغرِق فيها الأمم نفسها في هواجس القتل والانتقام. "مترجم".

Friday, August 05, 2011

خواطر رمضانية


كثيرا ما أتأمّل تلك المشاهد التي تظهر في التلفزيون وتصوّر أقارب وذوي بعض من انتقلوا إلى الدار الآخرة وهم يحيطون قبور أحبّائهم بالزهور ويدعون لهم بالرحمة والمغفرة، بينما ينهمك آخرون في غسل رخام القبر بخلاصة الزهور والزيوت العطرية.
اعتقد أن مثل هذه الأمور تدلّ على الوفاء والإنسانية. وهي، بمعنى ما، ترمز لاستمرار الوشائج بين الأحياء والأسلاف وتعطي الأحياء شعورا بأن صلتهم مستمرّة بمن رحلوا وأن الموتى وإن غابت أجسادهم عن هذه الدنيا فإنهم باقون في القلب والمشاعر.
والكثير من أقاربنا رحلوا عن هذه الدنيا دون أن يُستدلّ على قبورهم ولو بحجر أو شاهد صغير من رخام أو نحوه كي نزورهم وندعو لهم ونتذكّرهم. والحجّة الجاهزة هي أن زيارة القبور أو وضع علامات عليها هي من قبيل الممارسات الشركية التي تناقض الدين وتخدش صفاء العقيدة.
أن يموت الإنسان فلا يعرف أهله لقبره مكانا هو من الأمور الغريبة والمحزنة. وطبعا أقول هذا الكلام بمعزل عن أيّ اعتبارات فقهية أو دينية أو مذهبية. إذ أنني اعتدت أن لا أثقل على عقلي بمثل هذه الأمور الجدلية. كما أنني لا أعوّل في قليل أو كثير على منطق من يقولون بعبثية زيارة الميّت أو عدم الحاجة لتمييز قبره. كلّ ما في الأمر أنني اُخضع المسألة للجانب الإنساني وما يرتبط به من عواطف شخصية.
وقبل أيّام سألت صديقا عن رأيه في الموضوع فقال: من المؤسف أننا وباسم مكافحة الشرك نعامل الموتى بأقلّ مما تعامَل به القطط والكلاب. وأضاف: لقد أوصيت أهلي عندما تحين منيّتي بأن يضعوا على قبري شاهدا يحمل اسمي وبأن يزوروا القبر بانتظام ويدعوا لي بالرحمة والغفران".
الفطرة السويّة تمنع ازدراء الأموات وتحفظ للميّت حرمته. والقول بأن تمييز القبر يدفع الناس لعبادة صاحبه هو قول يدلّ على تخلّف في الفهم وسذاجة في التفكير. والمسألة في النهاية لا علاقة لها بالمفاضلة بين المذاهب، فجميعها دون استثناء تتضمّن أفكارا وممارسات شاطحة وبعيدة عن العقل.

❉ ❉ ❉


يجد المرء صعوبة في قبول بعض الأفكار والمسلّمات، حتى وإن راجت وانتشرت بين الناس. من هذه الأفكار تلك التي تذهب إلى أن بعض البشر معصومون عن ارتكاب الأخطاء أو الوقوع في الذنوب. وقد تفاجأت منذ أيّام عندما علمت بأن بابا الفاتيكان نفسه هو أيضا شخص معصوم.
والحقيقة أن هذه المعلومة أدهشتني. فقد كنت أظنّ أن اللاهوت المسيحي أصابه شيء من تأثير الأفكار العقلانية التي تجذّرت في المجتمعات الغربية على مرّ قرون.
وممّا عرفته أيضا أن عصمة البابا هي في الأمور التي تخصّ الدين فقط، رغم أنها تخضع لتدقيق مجلس الكرادلة قبل إجازتها. لكنّ عصمته لا تمتدّ لتشمل الأمور الشخصية، إذ أن البابا يمكن أن يقع في الإثم أو الخطيئة مثله مثل سائر البشر.
مع مجيء إدارة بوش السابقة، تكرّست من جديد سلطة الكنيسة الكاثوليكية وانتعش تأثير رجال الدين المسيحيين. والاحتفاء الكبير الذي تقابَل به خطب الوعّاظ المتعصّبين يوحي بأن العوامّ يقدّسونهم وربّما يعتبرونهم معصومين.
رجال الدين، من كلّ مذهب ودين، هم أوّلا وأخيرا بشر يصيبون ويخطئون. ولا يصحّ أن يقال أنهم معصومون أو أنهم لا ينطقون عن الهوى. كما لا يجوز إضفاء مفردات وصفات التقديس على أشخاصهم من قبيل "لحوم العلماء مسمومة" و"العلماء مبلّغون عن الله" وغير ذلك من أشكال الخطاب الديني السائد. هذه رهبانية جديدة لا يقرّها الدين ولا يستسيغها العقل.

❉ ❉ ❉


قبل فترة نشرت بعض المواقع العلمية خبرا عن اكتشاف كوكب جديد قيل انه الأقرب والأكثر شبها بكوكبنا وأن هناك احتمالا قويّا بوجود بعض أشكال الحياة عليه. لكنّ المشكلة أن هذا الكوكب القريب، بالمقاييس الفلكية طبعا، يبعد عن الأرض بحوالي عشرين سنة ضوئية، ويلزم للوصول إليه خمسمائة ‏ألف سنة من السفر عبر مسافة تُقدّر بتريليونات الأميال. أي انه أصلا خارج نطاق مجرّتنا.
وقيل أيضا إن الجاذبية على ذلك الكوكب اكبر من جاذبية الأرض لأن كثافته أعلى. كما أن العام لا يدوم هناك لأكثر من ثلاثة عشر يوما. علاوة على أن سماء الكوكب تميل إلى الحمرة، وهو لون يبعث على الكآبة والانقباض.
عشرون سنة ضوئية تُعتبر مسافة هائلة جدّا ولا يمكن تصوّر قطعها حتى بالسفن الفضائية. ‏
الأمر المثير للاهتمام هو انه بفضل تلسكوب هابل الفضائي يمكن الآن مشاهدة ‏مجرّات تقع على أطراف الكون البعيد وخارج مجرّتنا ولمسافة قد تصل ‏إلى بلايين السنوات الضوئية.
ويُتوقّع أن يثير هذا الكشف وما سيترتّب عليه من نتائج الكثير من الأسئلة المتّصلة بإمكانيات وجود ‏أشكال أخرى من الحياة في هذا الكون. بعض تلك الأسئلة ديني وبعضها الآخر ‏فلسفي. وهناك من ينتظر ليرى في أيّ سياق يمكن أن يُوضع هذا الاكتشاف مع النظريات التي تتعلّق ببدايات خلق الكون ‏وتطوّر الحياة على الأرض.

❉ ❉ ❉


منذ سنوات، قرأت في احد منتديات الحوار الاليكتروني موضوعا جميلا يتحدّث فيه كاتبه عن تعريفه لليبرالي السعودي بحسب بيئته الجغرافية.
وقد قال الكاتب إن الليبرالي النجدي، مثلا، لا همّ له سوى نقد المطاوعة وشتم الهيئة. كما انه يحمّل المتديّنين المسئولية عن تخلّف المجتمع، مبرّئا السياسي من أيّ تهم أو أخطاء. والليبرالي النجدي يمكن أن يتحدّث طويلا عن حقوق الشيعة وعن أهمّية المساواة والعدالة الاجتماعية. لكنه ليس على استعداد لأن يتنازل عن الذات أو عن المركزية النجدية التي تقتضي الاستئثار بالمناصب القيادية والوظائف الرئيسية. وبالإضافة إلى ذلك فالليبرالي النجدي يعاني من ازدواجية واضحة. إذ أنه يتحدّث كثيرا عن حقوق المرأة ويتباكي على الظلم التاريخي الذي لحق بالنساء. لكنه ليس على استعداد لأن يعطي زوجته أو ابنته شيئا من تلك الحقوق. أي انه ما يزال محكوما والى حدّ كبير بقيمه الاجتماعية الخاصّة والموغلة في محافظتها وتشدّدها.
أما الليبرالي الحجازي فمن الواضح انه يؤمن بالتنوّع والتعدّدية إلى حدّ كبير. ومشكلته الكبرى تتمثّل في نفوره من الأصولية السلفية التي تنزع نحو الإقصاء وفرض الوصاية على الآخر. ولأن المجتمع الحجازي متسامح بطبيعته، فإن الليبرالي الحجازي يتجنّب استفزاز الآخرين ويحاول بدلا من ذلك استمالتهم عن طريق الحوار وتبادل الأفكار والبحث عن قواسم مشتركة.
أما الليبرالي الشرقاوي "نسبة إلى المنطقة الشرقية"، فهو، إن كان من الشيعة، على قدر كبير من الانفتاح والتسامح. وهو ليبرالي في كلّ شيء إلا عندما يصل الأمر إلى السيستاني والمرجعية. عندها سرعان ما يتعذّر ويتعثّر ويبحث عن أسرع السبل والوسائل للدفاع عن المذهب ورموزه. أما الليبرالي الشرقاوي السنّي فهو يميل في العادة إلى تجنّب الصدام المباشر مع الآخرين، محاولا الإمساك بالعصا من منتصفها توخيّا لعدم إغضاب احد.
أمّا الليبرالي الجنوبي فهو متأثّر دائما بالرياح واتجاهاتها. إذ أنه يدرك انه يعيش في مجتمع انتقل بقضّه وقضيضه من مرحلة اعتدال إلى تطرّف ومزايدة على الوهابية الرسمية. لذا فهو مقتصد كثيرا في نقد أحوال مجتمعه التماسا للسلامة ورغبة في عدم استعداء احد. لكن مهمته تظلّ أسهل إلى حدّ ما بالنظر إلى أن مجتمعه سهل الانقياد نسبيا ويمكن أن يتحوّل من فكر مذهبي لآخر بسهولة وسلاسة، تماما مثلما تحوّل من الشافعية إلى الوهابية في ظرف ثلاثة عقود فقط.
عند هذا الحدّ انتهى كلام الكاتب. وقد خطر ببالي أن اسأل عمّا إذا كان هذا التشخيص ما يزال ذا صلة بالواقع اليوم.
أعرف أن الولاءات الدينية والقيم الاجتماعية الضاربة في أعماق المجتمع ما تزال تتحكّم في أفكار أكثر الناس إيمانا بالأفكار المتحرّرة والليبرالية. وهذا هو حال المجتمعات بشكل عام. ومن الواضح أن الكثير من التصوّرات والمواقف التي نفاخر عادة بالتمسّك بها باعتبارها من لوازم التحضّر والانفتاح، سرعان ما تتلاشى عندما توضع على محكّ الواقع الاجتماعي، حيث تتضارب المصالح وتتجزّأ العصبيّات وتلوذ الجماعات إلى مكوّناتها الأوليّة التي توفّر لها عوامل الخصوصيّة والبقاء.