:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, January 09, 2012

تشارلي شابلن الهندي


أحد أشهر أفلام السينما الهندية يحكي عن رجل متشرّد من طراز تشارلي شابلن يرتدي حذاءين رثّين وبنطالا قصيرا ويعتمر قبّعة غريبة الشكل. ويظهر الرجل في الفيلم وهو يمشي على طريق ريفي ويتغنّى بهذه الكلمات باللغة الهندية: حذائي ياباني، وبنطالي انجليزي، وعلى رأسي قبّعة حمراء روسية. ثم يقول مشيرا إلى صدره: لكنّ قلبي ما يزال هنديّا".
هذا القلب هو قلب راج كابور، أشهر ممثّلي السينما الهندية في عصرها الذهبي. وأغنيته هذه، التي هي عبارة عن بيان بسيط عن الوطنية الهندية، داعبت وترا حسّاسا في نفوس الناس في الجمهورية الهندية الشابّة عندما ظهرت في فيلم "السيّد 420" الذي أنتج في العام 1955م. ولم يكن نجاح هذه الأغنية كبيرا في الهند فحسب، بل تعدّاها إلى الشرق الأوسط والاتحاد السوفيّتي أيضا.
راج كابور "1924- 1988" كان يُلقّب في زمانه بالاستعراضيّ الكبير. وكان تأثيره واسعا على المشهد السينمائي الهندي كلّه. لكن كيف يمكن تقديم كابور وأعماله لأولئك الذين لا يعرفون سوى القليل عن السينما الهندية؟
كان كابور ممثّلا رائدا. ولطالما لعب ادوار الشعراء والعشّاق. وقد شكّل، مع الممثّلة نرجس، احد أعظم الثنائيات الرومانسية في تاريخ السينما الهندية. لكنّه كان أيضا مخرجا ومنتجا. وفي صناعة رسمية ومحافظة غالبا، قدّم أفلاما مبتكرة وممتعة وسهلة المنال. لكنها كانت بنفس الوقت شيئا أكثر من ذلك. كانت أفلامه ذات النبرة الاشتراكية تخاطب وعي الناس وتتحدّث عن بناء الأمّة. وقد ساعدت تلك الأفلام، إلى حدّ كبير، في التعريف بالهند المستقلّة حديثا والمنشغلة بإعادة اكتشاف نفسها.
ظهور كابور في فيلمه النار، بحركاته التي لا تهدأ وبتأثيراته البصرية المبتكرة، كان إعلانا عن مقدم ممثّل متميّز ومختلف. وقد صنع ذلك الفيلم وعمره لا يتجاوز الرابعة والعشرين. وتم تصوير "النار" بأسلوب الأسود والأبيض الرائع. وفيه تظهر بِرَك من الظلمة تتخلّلها أعمدة من الضوء، بينما تتوهّج عيون لأشخاص تختفي وجوههم في الظلّ. الفيلم يجمع بين التعبيرية والميلودراما المحليّة. وهو يحكي قصّة شابّ من الطبقة الرفيعة يقرّر الانفصال عن عائلته التقليدية كي يمارس مهنة في المسرح.
البطل الذي يعيش بشروطه الخاصّة يبحث عن الحقيقة والجمال وعن الحبّ المفقود منذ زمن طويل. لكن هذه ليست قصّة الشاب وحده، بل قصّة الكثير من الشباب غيره. وهو يعلم أن خلق هويّة خاصّة به ليست بالمهمّة السهلة أو البسيطة. لكنه يفضّل هذا الطريق المليء بالعقبات على الحياة المريحة التي كان يعيشها في منزل والديه.
فيلم بارسات أو المطر، الذي صوّره كابور في كشمير عام 1949، يحكي قصّة حبّ تجري أحداثها في عالم من الأسود والأبيض، تتخلّله الظلال والأضواء والهالات التي تنيرها إضاءة خلفية. ومع أغنيات فريق شانكار جيكيشن، الذي ستصبح موسيقاه علامة فارقة على أفلام كابور، يسرد الفيلم قصصا موازية عن اثنين من فتيان المدينة، احدهما شاعر "كابور" والثاني صديقه العاطفي الساخر "بريم ناث" الذي يقع في حبّ فتاة ريفية.

اقترن راج كابور مع الممثّلة نرجس. وأفلامهما تخلو من القُبلات. وهذه هي إحدى سمات السينما الهندية التي تحظر القُبلات على الشاشة منذ زمن طويل. ومع ذلك فإن كابور، المخرج، لم يكن يعدم الوسائل لإضفاء شحنة ايروتيكية على مشاهد أفلامه. شاهده مثلا وهو يمسح على رأس نرجس أو يداعب شعرها أو يناديها من خلال نغمات كمانه. وهي أيضا لا تتردّد في لعق أصابعه التي تصلّبت من اثر العزف على الكمان.
في فيلمه المتشرّد "1951م" والذي يُعتبر، ربّما، أفضل أفلامه، يحاول كابور للمرّة الأولى الخروج من أسر شخصيّته النمطية كمتشرّد. هو هنا لا يظهر كفتى مدلّل من أبناء الطبقة العليا، وإنما كصبيّ يتيم اسمه راجو، ينشأ في احد أحياء بومباي الفقيرة، ثم لا يلبث أن يقع في حبّ فتاة متعلّمة اسمها فيديا "وتقوم بدورها نرجس". لكنّه يستسلم لإغراء حياة المجون والجريمة التي يوفّرها له رجل أعمال مستغلّ وامرأة سيّئة السمعة. فيديا تحاول جاهدة أن تصنع من راجو إنسانا طيّبا. لكنها تفشل في ذلك، فيزداد احتقارها له. ومع مرور الأيّام، يصبح راجو شخصا ثريّا. لكنه سرعان ما يدرك انه دفع ثمنا باهظا مقابل ذلك.
"المتشرّد" يمزج بين الأفكار الأسطورية "قصّة والدي راجو التي تُروى بطريقة الفلاش باك والتي تحمل أصداءً من ملحمة رامايانا" وبين الموضوعات الاجتماعية. كما انه يطرح أسئلة صعبة مثل: هل يمكن أن يأتي إنسان طيّب من الحضيض؟ وهل يمكن كسر حلقة الفقر والجريمة؟
وهل يجوز الحكم على إنسان اعتمادا على مَن يكون والده؟
قصّة الحبّ التي يتناولها الفيلم هي بين شخصين من طبقتين متفاوتتين. وهذه هي إحدى أفكار كابور المفضّلة. ويبلغ الفيلم ذروته عندما نكتشف أن والد فيديا، الذي يعمل قاضيا، هو نفسه والد راجو الذي نبذه، هو ووالدته، عندما كان الصبيّ ما يزال طفلا.
وإذا كان فيلم المتشرّد هو أفضل أفلام راج كابور، فإن فيلمه السيّد 420 ربّما يكون أكثر أفلامه رمزية. الرقم في عنوان الفيلم يشير إلى فقرة من قانون العقوبات الهندي تتناول حالات الغشّ والاحتيال. في الفيلم يبحث المشرّد "كابور" عن عمل في المدينة الكبيرة، أي بومباي، حيث يتخذ من الرصيف منزلا يشاركه فيه فقراء آخرون. ثم يقع في هوى معلّمة مدرسة "تلعب دورها نرجس بالطبع".
أغنية الحبّ يؤدّيها العاشقان تحت ضوء القمر وفي طرقات مشبعة بالمطر، بينما تظهر المدينة المتلألئة من خلفهما. مشهد مشهور لا تتجاوز مدّته أربع دقائق، ومع ذلك يختزل سحر السينما بأبهى صورة.
شيئا فشيئا، يصبح بطل الفيلم شخصا فاسدا ومحتالا بعد أن تأثّر بطبيعة الحياة في المدينة. لكنه يحصل على خلاصه في النهاية، عندما ينجح مع جموع الفقراء والضعفاء في الالتفاف حول قضيّة مشتركة ويفلحون معا في انتزاع حقّهم البسيط في السكن.
أفلام بوليوود اليوم لا تبدو كبيرة الشبه بأفلام راج كابور من الحقبة الذهبية. لكن سلالته ما تزال مزدهرة. فبعض إخوته وأبنائه هم اليوم من نجوم السينما في الهند. ويساور اثنين من أحفاده، كارينا ورانبير، حلم بأن يخرجا ذات يوم فيلما عن راج كابور وعن العصر الذهبي للسينما الهندية. "مترجم".

No comments: