:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, January 06, 2017

مدن في البال

طالما تمنّيت، مثل كثيرين، زيارة مدن معيّنة تشكّلت معالمها في الذهن وفي المخيّلة على مرّ السنين. والمدن التي طالما تطلّعت لأن أراها عيانا ولم استطع كثيرة. وقد سافرتُ إليها بعقلي من خلال ما قرأته عنها أو ما سمعته من الناس الذين زاروها.
هذه السلسلة من المقالات هي عن المدن التي عاشت في الذاكرة والخيال لزمن طويل. وأولى هذه المدن هي سمرقند، والأسباب كثيرة.
فسمرقند هي مدينة الأساطير، وهي من المدن القليلة التي تنتمي إلى الإنسان في كلّ مكان. وفي ذروة ازدهارها كانت تُسمّى مركز الكون.
وزيارة هذه المدينة تشبه الانتقال عبر الزمن إلى عالم آخر من السحر والدهشة، عالم القرن الرابع عشر الميلادي.
أيضا سمرقند مدينة رومانسية بكلّ معنى الكلمة، وربّما أكثر من أيّ مدينة أخرى. وليس من الصعب أن نعرف لماذا اختار مؤلّف أو مؤلّفو "ألف ليلة وليلة" لشهرزاد أن تنسج حكاياتها من قصر في سمرقند.
في عصرها الذهبيّ، كانت هذه المدينة محطّة رئيسية على طريق الحرير، وكانت القوافل الملوّنة تمرّ من وسطها، مانحةً طريق الحرير سمعته الغرائبية. وكان فيها أناس من أراض وأديان وأجناس مختلفة، كما كانت أعجوبة المعمار الإسلاميّ ومركزا عظيما للعلوم والمعرفة.
وفي سمرقند يقع الضريح الأسطوريّ لمؤسّس المدينة الملك التركيّ المغوليّ تيمورلنك. وقد زارها ابن بطّوطة وماركوبولو وغيرهما من الرحّالة الذين كتبوا عنها. وفيها أيضا قضى الشاعر عمر الخيّام سنوات من حياته المبكّرة وألّف العديد من قصائده هنا.
ويقال أيضا أن عبدالله ابن عبّاس، ابن عمّ الرسول الكريم (ص)، ذهب إلى سمرقند كي ينشر الإسلام هناك. لكنه قُتل على يد زارادشتي، وتحوّل قبره إلى مزار يحجّ إليه أهل آسيا الصغرى ممّن لا يستطيعون تحمّل مشقّة الذهاب إلى مكّة. (من الواضح أن هذه أسطورة، إذ المعلوم أن ابن عبّاس توفّي في مدينة الطائف). وفي سمرقند أيضا ولد السلطان بابَر مؤسّس الإمبراطورية المغولية في الهند.
الاسكندر المقدوني فتح المدينة في العام 329 قبل الميلاد إلى أن طرده منها جنكيز خان. وبعد ألف وخمسمائة عام، أي في القرن الرابع عشر، اتخذ منها تيمورلنك عاصمة لملكه بعد أن أعاد بناءها وجعلها مقصدا للشعراء والرحّالة.
كان من عادة تيمور أن يأمر بأن تُضاء الأنوار في حديقته الساحرة عند غروب الشمس. وكانت الحديقة تضمّ جسرا صغيرا ونهرا وأشجار رمّان. وفي قصر للحريم يتميّز بأعمدة زرقاء وبلاط رائع يعود تاريخه إلى منتصف القرن التاسع عشر، يمكنك أن تتخيّل السلطان مع زوجاته الأربع ومحظيّاته الكثيرات وهم يجلسون في الشرفات الواسعة.
وسمرقند ليست عاصمة الأوزبك، بل طاشكند التي شهدت عام 1966 زلزالا عنيفا دمّر معظم أجزائها القديمة. أوزبكستان نفسها أرض مجهولة، غرائبية وأسطورية. هي عبارة عن جزيرة، لكنها غير محاطة بالماء، بل بصحراء وجبال لا تستطيع الفكاك منها.
وعلى امتداد تاريخ سمرقند الطويل، حكمها الفرس والإغريق والترك والمغول والصينيون والروس. وكانت فيها ستّة أديان.
وعمر المدينة، مثل روما وأثينا، أكثر من ثلاثة آلاف عام. وفي معظم هذه الفترة، احتلّت سمرقند مركزا مهمّا في منتصف طريق الحرير الذي ربط أوربّا وآسيا وأسهم في رخاء المدينة وتنوّعها. لكنّ هذا أدّى أيضا إلى أن أصبحت هدفا مغريا للغزاة والرحّالة والكتّاب والمغامرين.
عندما زارها الكاتب الروسيّ تولستوي مع عدد من أصدقائه في نهاية القرن التاسع عشر، امتدح مرافقهم الروسيّ شجاعتهم في المجيء إلى سمرقند رغم مخاطر الطريق. وقد تطوّرت علاقة تولستوي مع "شامل" دليلهم الاوزبكي الوسيم ذي العينين الزرقاوين. لكن الأخير اضطرّ إلى مغادرة المجموعة عند الحدود الصينية. وربّما بسبب رحيله قلّ اهتمام تولستوي بالرحلة وفضّل العودة إلى روسيا.
المعمار في سمرقند يأخذك إلى الأزمنة القديمة، وهي معروفة بمناراتها الزرقاء وقباب مساجدها الرائعة. الموزاييك المذهّب مع ظلال سائلة من الأزرق، هذا جزء من تراث تيمورلنك في مدينته القديمة.
وبعد الاحتلال السوفياتي، تمّ ترميم معظم صروح اوزبكستان المعمارية في ما بدا وكأنه إعادة بناء لتاريخ المدينة نفسه.
وفي سمرقند حيّ اسمه افروسياب، ويُعرف بمدينة الموت. كان هذا الحيّ مركز سمرقند في الزمن القديم، وفيه ارتكب جنكيز خان أسوأ جرائمه. وقد اعتُبر المكان مشئوما لدرجة أن تيمورلنك قرّر ألا يبني فيه.

أما وسط المدينة فيُسمّى راجيستان، وهو عبارة عن ساحة يقال أنها اكبر ميدان عامّ في آسيا الوسطى. وتتضمّن ثلاث مدارس بُنيت على مدى قرنين، لكنّها اليوم تحوّلت إلى مزارات سياحية.
المعمار الرائع في ميدان راجيستان ترك بصمته في ما بعد على المعمار الصفويّ والباكستانيّ والهنديّ، وحتى على مسجد سانت بطرسبورغ الكبير. وإحدى خصائص المعمار الإسلامي في سمرقند هو غلبة بلاط السيراميك واللون التركوازي على العديد من صروحها، وهذا واضح خاصّة في مقبرة "شاهي زندا" التي يشاع أن ابن عمّ الرسول الكريم مدفون فيها.
وسمرقند أيضا تؤوي ضريح اوليغ بيك حفيد تيمورلنك. كان اوليغ فلكيّا وعالم رياضيات بارزا. وقد دعا العلماء كي يعملوا ويعلّموا في سمرقند وحولّها إلى عاصمة ثقافية للمنطقة. كما أسّس مرصدا فلكيا وأعدّ أضخم تصنيف للنجوم منذ بطليموس بعد أن رسم إحداثيات أكثر من ألف نجم. واشتهر عنه قوله "إن الدين يضمحل والممالك تأفل، لكن علم العلماء هو الذي يبقى خالدا إلى الأبد".
كان اوليغ بيك محاربا شجاعا وحاكما مستنيرا ورجل علم ومعرفة. وقد تحدّى بعض الأفكار الدينية السائدة في زمانه. وكما هو متوقّع، كان هذا سبب سقوطه. فقد أغضبت دراساته وآراؤه ابنه عبداللطيف الذي كان أصوليّا متعطّشا للسلطة، فاستولى على العرش قبل أن يأمر بقطع رأس والده وتدمير مرصده.
بعد أن دمّر جنكيز خان سمرقند في القرن الثالث عشر، أعاد بناءها تيمورلنك بعد قرن ثم حوّلها إلى مدينة لم يرَ الناس مثلها من قبل واتّخذها عاصمة لملكه. ثم بدأ عددا من الغزوات نتج عنها توسيع حدود امبراطوريته من تركيا والقوقاز إلى الهند. لكن ثمن ذلك كان إبادة أكثر من مليون إنسان، أي خمسة بالمائة من سكّان العالم آنذاك.
وقد عاد من حملاته في فارس ودمشق وبغداد والقوقاز بأفكار معمارية وغنائم أشبعت شهيّته للبناء. كما أعاد معه أشهر البنّائين والفنّانين من البلدان المفتوحة.
كان تيمور فاتحا كبيرا، وفي نفس الوقت مدمّرا متوّحشا ونهّابا في كلّ مكان حلّت فيه جيوشه. لكنه بنى مدينة جميلة وتحوّل إلى راع للفنون والآداب. وقد دامت امبراطوريته حوالي مائة وثلاثين عاما.
ويقال انه بكى ليومين متواصلين حفيده المسمّى محمّد سلطان الذي قُتل في معركة، ثم بنى له ضريحا رائعا تخليدا لذكراه. لكن في النهاية أصبح الضريح مدفنا لتيمور نفسه ولعدد من أفراد سلالته.
الغريب أن اكبر وأفخم قبر في هذا الضريح ليس قبر تيمورلنك، بل قبر معلّمه الروحي الشيخ مير سعيد بركة، وقد أوصى تيمور أن يُدفن عند قدم قبر معلّمه وفاءً له.
وفي بعض الأوقات، راجت أسطورة تقول إن كلّ من يجرؤ على فتح قبر تيمور سيُصاب بلعنة وسيحلّ الخراب بأرضه. لذا ظلّ القبر مغلقا لأكثر من خمسمائة عام. لكنّ عالم آثار روسيّا فتح القبر في أربعينات القرن الماضي. وبعد ثلاثة أيّام بدأ الغزو النازيّ لروسيا الذي نتج عنه مقتل ثلاثين مليون إنسان.
ومن اكبر معالم سمرقند المعمارية الأخرى جامع بيبي خانوم الذي يُعتبر احد اكبر المساجد في العالم، مع تفاصيل وألوان رائعة وأخّاذة. وعلى منارة المسجد كُتبت عبارة غريبة تقول إن البهلوان البارع الذي يتسلّق حبال الخيال لن يصل أبدا إلى قمّة المنارة الممنوعة. وقد بنى تيمور هذا المسجد تكريما لذكرى زوجته المفضّلة بيبي خان، وذلك بعد عودته من حملة بالهند.
وكان قد ذهب إلى الهند كي يؤدّب سلطانها بسبب تسامحه المفرط مع رعاياه من الهندوس. وأحضر معه من هناك خمسين ألف أسير ومائة فيل استخدمها في بناء المسجد الذي شيّده على الطراز المعماريّ الهندي.
حفيد تيمور الآخر، أي بابر، فتح الهند بعد ذلك بمائة وثلاثين عاما وأسّس هناك السلالة المغولية التي حكمت ذلك البلد لأكثر من ثلاثمائة عام.
لكن ماذا بقي من سمرقند القديمة؟ لقد تغيّرت المدينة كثيرا اليوم. وبالتأكيد لن تجد فيها شخصا مثل تيمور الذي يقال انه مات بالانفلونزا، وهي نهاية عبثية لرجل خارق واستثنائي. لكنّ تيمور موجود في كلّ مكان في المدينة بما تركه من صروح ومعالم خالدة.
أما طريق الحرير القديم فقد تغيّر الآن إلى طريق النفط، بعد أن تحوّلت اثنتان من دول آسيا الوسطى، هما اذربيجان وكازاخستان، إلى دولتين من اكبر منتجي النفط. كما استُبدلت قوافل الجمال بخطوط الأنابيب التي تحمل النفط والغاز إلى أوربّا وروسيا.
يبلغ عدد سكّان سمرقند اليوم حوالي ثلاثة ملايين نسمة، ولكنّها في بعض الأوقات - بحسب من زاروها مؤخّرا - تكاد تكون فارغة إلا من أسراب الطيور. وقد أدرجت اليونسكو المدينة قبل خمسة عشر عاما ضمن المدن ذات التراث التاريخيّ والإنساني.

Credits
lonelyplanet.com

2 comments:

Haitham Al-Sheeshany said...

مدينة ذات تاريخ غني بالفعل!

كنت أعلم أن تيمورلنك أعاد بناءها ولكن الباقي معلومات جديدة ، أشكرك

تذكرت رواية معلوف وأنا أقرأ
:)

Prometheus said...

اهلا بك هيثم. وشكرا لك على الحضور والتعليق.
صحيح، المعلوف كتب عن سمرقند رواية جميلة وممتعة. لكن عرفت ايضا ان هناك اكثر من ثلاث روايات اخرى اختار لها مؤلفوها ان تجري احداثها في سمرقند.
فعلا كما تفضلت هي مدينة ذات ثقافة غنية وتاريخ ضارب في الزمن.
تحياتي لك.