:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, April 01, 2018

الاستبداد والفنّ


لماذا يحبّ بعض الطّغاة الشعر والموسيقى والرسم والسينما، مع أن هذه الفنون تقترن برهافة الحسّ وسموّ المشاعر وتتناقض مع حالة الاستبداد وعقلية القمع والسلطة المطلقة؟
كان كيم ال سونغ، الزعيم السابق لكوريا الشمالية، يحبّ السينما كثيرا. وقد كلّف صنّاع السينما في بلاده بإنتاج عدد من الأفلام الوثائقية عن شخصه وعن حياته. وهو يُصوَّر فيها جميعا كزعيم نصف إله، عظيم وخالد.
كان كيم يلقَّب بوالد الشعب وشمس الأمّة. وقد كتب العديد من المسرحيات ومن قصائد الشعر التي لا تخلو من رقّة وعذوبة. وكان يتقرّب من الفنّانين لأنه كان يرى في ذلك تكريسا لسلطته، مع انه كان دائم الانتقاد "للفنّانين الذين يُنتجون أعمالا منحلّة"، على حدّ وصفه.
ومع ذلك ففي عهد كيم، الشاعر والمسرحيّ، مات ثلاثة ملايين كوري بسبب الحروب والمجاعات.
هتلر أيضا كان يحبّ الرسم، بل ورسم لوحات في بعض الأحيان. لكنه أحبّ السينما أكثر. وكان هو النجم في فيلم دعائيّ اُختير له اسم معبّر هو "انتصار الإرادة". ولطالما عبّر الزعيم النازيّ عن إعجابه بالقوّة السحرية للكلمة المنطوقة ووظّف ذلك في خطبه وبياناته.
ومع ذلك فقد قتل هتلر، العاشق للرسم والسينما، حوالي اثنين وأربعين مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، معظمهم من المدنيين.
في مطلع القرن العشرين، ظهر في ايطاليا مجموعة من الشعراء الذين اسموا أنفسهم بالشعراء المستقبليين. كان هؤلاء يؤمنون بالأفكار القومية المتطرّفة، وكان شعارهم: دعوا الأدب يزدهر بخراب العالم!". وكان زعيمهم يُدعى فيليبو مارتينيتي الذي كان يعشق الحرب. وقد وصفها مرّة بأنها "الدواء الناجع الوحيد لهذا العالم".
وكان ملهم هؤلاء هو الشاعر غابرييل دانونزينو الذي يقال انه كان الشخص الذي ألهمت أفكاره موسوليني الاستيلاء على السلطة في ايطاليا.
وبعد أن أصبح موسوليني زعيما على ايطاليا، كان من عادته أن يترك عددا من دواوين الشعر مفتوحة على سطح مكتبه كي يراها زوّاره من الضيوف الأجانب فيقدّروا ثقافته الواسعة وسعة اطلاعه.
لكن رغم ذلك، فقد تسبّب موسوليني المولع بالشعر في مقتل حوالي نصف مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية وفي غزواته الخارجية.
ستالين أيضا كان عاشقا كبيرا للسينما، وقد تابع عن كثب مراحل إنتاج فيلم "ايفان الرهيب"، ربّما لأنه كان يرى في نفسه بعض سمات بطل الفيلم.
كان ستالين أيضا يكتب الشعر بلغته الأمّ، أي الجورجية، وباسم مستعار. لكن شعره كان يتّسم بالتقليد والصور المبالغ فيها وبكثرة الكليشيهات.
الغريب أن ستالين المحبّ للشعر تسبّب في مقتل حوالي سبعة ملايين إنسان أثناء تولّيه السلطة.
في الصين، لاحظ ماو تسي تونغ أن أباطرة البلاد القدامى لم يتركوا تراثا أدبيا معتبرا، وقال: إن الرجال العظماء فقط هم من ينظرون إلى هذا العهد"، يقصد عهده هو.
وقد كتب ماو شعرا كلاسيكيا قريبا من روح التراث الذي كان يمقته ويحتقره. كان يكتب بالأسلوب القديم، ولطالما وُصفت أشعاره بأنها نخبوية ومنقرضة. كانت تزدحم باللغة الفخمة وبالصور المستهلكة، مثل حديثه عن "الشمس الغاربة الحمراء بلون الدم" و"التلال الزرقاء كأمواج البحر".
وفي إحدى قصائده، يتغنّى ماو بنساء الصين اللاتي يعشقن المعارك ولا يكترثن بملابس الحرير". وفي قصيدة أخرى كتبها قبيل انطلاق الثورة الثقافية، يتنبّأ ماو بالعاصفة القادمة: انظروا! العالم يوشك أن ينقلب رأسا على عقب".
ومع ذلك، استحقّ ماو الشاعر لقب اكبر قاتل جماعيّ في التاريخ. فخلال أربع سنوات فقط من حكمه، تسبّب في مقتل خمسة وأربعين مليون فلاح صينيّ.
رادوفان كاراجيتش، احد كبار مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة والمعروف بجزّار البوسنة، كان هو أيضا يقرض الشعر. ولم يتخلَّ عن تلك الهواية الرقيقة حتى في ذروة حرب الإبادة التي قادها ضدّ المسلمين والكروات.
في برنامج وثائقيّ بُثّ مؤخّرا، يظهر كاراجيتش في لقطة قديمة مع شاعر روسيّ يُدعى ليمونوف. وكاراجيتش يتلو قصيدة على مسمع الأخير يتنبأ فيها بالعنف القادم. وعلى وقع القصيدة، يقوم ليمونوف بإطلاق وابل من الرصاص باتجاه أسفل الوادي الواقع تحتهما.
وفي أثناء الحرب البوسنية، كان كاراجيتش يتفاخر بصدق نبوءته تلك التي وردت في إحدى قصائده بعنوان "سراييفو" والتي يقول في نهايتها: ترى ما الذي يخبّؤه لنا المعدن الأسود في المرآب؟!".
المعروف أن كاراجيتش، عالم النفس المحبّ للشعر، قتل حوالي ثمانية آلاف مسلم خلال حصار سريبرينتسا عام 1995.
لكن أقدم نموذج للديكتاتور المحبّ للفنون كان الإمبراطور الرومانيّ نيرون. المؤرّخون يذكرون أن روما تعذّبت من شعره بقدر ما تعذّبت من طغيانه. وبحسب من أرّخوا لحياته، كان نيرون مثالا في عنفه ودمويّته.
وعلى الرغم من قلّة طموحاته العسكرية، إلا أن أفعاله الانتقامية كانت مدويّة. والصورة الشائعة عنه هي صورة طاغية متبلّد الإحساس يعزف القيثارة ويتلو شعرا بينما عاصمة ملكه تحترق وتتحوّل إلى رماد.
خلال رحلة له إلى اليونان، شارك نيرون في مسابقة للشعر وفي سباق للعربات، وعاد من رحلته تلك محمّلا بالعديد من الجوائز. ويقال انه خطّط لانتحاره مسبقا وتدرّب كثيرا على ذلك قبل أن يكتب جملته الشعرية الأخيرة: أيّ فنّان سيموت معي"؟!
كان عهد نيرون مرتبطا بالطغيان والبذخ. وقد قتل الكثيرين بمن فيهم أمّه وزوجته، كما أمر بإحراق مسيحيّي روما وهم أحياء بعد أن حمّلهم المسئولية عن حريق المدينة.

Credits
huffingtonpost.com

2 comments:

Haitham Al-Sheeshany said...

أظن لكل حالة خصوصيتها، من ناحية تفسير وتحليل التناقض الصارخ ولكن ربما -ببساطة- أن هؤلاء لا يرون التناقض هذا بل أنه متسق مع كونهم من هم -داخل وعيهم- ولا غضاضة من قتل وتشريد وظلم للملايين وما يمارسونه من سلوكيات
فنية

أشكرك

Prometheus said...

أحسنت يا صديقي.
بعضهم فعلا قد لا يرون التناقض كما تفضلت. والبعض الآخر ربما يوظفون شغفهم الظاهري بالفنون كأداة علاقات عامة وادعاء للثقافة والتحضّر وما إلى ذلك.
الغريب انه اليوم لا احد يأتي على ذكر هتلر مثلا أو ستالين إلا مقترنا باستبدادهما وبطشهما. ونادرا ما يتذكر احد لوحات الأول أو حبّ الأخير للموسيقى والسينما وخلافه.
تحياتي ومودّتي لك.