:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الثلاثاء، مارس 18، 2025

قصّة الغراب والثعبان


تشكّل القصص أساس المجتمع البشري. فمنذ أقدم الأزمنة، كان البشر يتبادلون القصص من خلال الكلمات والأغاني والصور. والقصص تسافر وتشقّ طريقها عبر تاريخ الناس والأماكن والأزمنة وتنتقل عبر اللغات والثقافات والأديان والحدود السياسية وتصل إلى القلب والعقل والذاكرة.
وكتاب "كليلة ودمنة" يُعتبر من أكثر كتب القصص الرمزية انتشاراً وتأثيراً في العالم. وهو يقدّم مثالاً غنيّاً ورائعاً لكيفية انتقال القصص وكيف تتخذ أشكالاً ومعاني مختلفة وكيف يتمكّن الناس من فهم وخلق العالم من حولهم. وقصص الكِتاب نفسها تعلّمنا الكثير عن كيفية فهم الناس والمواقف وتكوين الصداقات والتعامل مع الصراعات واكتساب الحكمة وكيفية التعامل مع عواقب الغيرة والكبرياء والتصرّفات غير المدروسة.
ومن أجمل قصص هذا الكتاب قصّة الغراب وابن آوى والثعبان. ظاهرياً، هؤلاء الثلاثة يبدون مختلفين الى الحدّ الذي يمنعهم من التوافق. لكنهم سرعان ما يدركون قيمة كلّ منهم ويتواصلون إلى تفاهم متبادل ويتغلّبون على التهديد الذي يواجه أحدهم بالعمل معا، مجسّدين القاعدة الأخلاقية التي تقول إن الصداقات الحقيقية تتعزّز في مواجهة الشدائد.
تقول الحكاية إن غرابا كان له وكر في شجرة فوق جبل. وكان بالقرب منه جحر ثعبان. وكان الغراب إذا فرّخ، عمد الثّعبان إلى فراخه فأكلها. وبلغ ذلك من الغراب وأحزنه، فشكا ذلك إلى صديق له من أبناء آوى. وقال له: أريد مشاورتك في أمر قد عزمت عليه".
سأله ابن آوى: وما هو"؟
قال الغراب: قد عزمت أن أذهب إلى الثّعبان إذا نام فأنقر عينيه فأعطبهما لعلّي أستريح من شرّه". قال ابن آوى: بئست الحيلة التي احتلت، فالتمس أمرا تصيب به بغيتك من الثّعبان من غير أن تغرّر بنفسك وتخاطر بها. وإيّاك أن يكون مثلك مثل العلجوم "وهو طائر" الذي أراد قتل السرطان فقتل نفسه".
فسأله الغراب: وكيف كان ذلك"؟
قال ابن آوى: زعموا أن علجوما عشّش في بحيرة كثيرة السّمك، فعاش بها فترة طويلة، ثمّ كبر في السّن ولم يعد قادرا على أن يصطاد، فأصابه جوع وجهد شديد، فجلس حزينا يلتمس الحيلة في أمره. فمرّ به سرطان فرأى حالته وما هو عليه من الكآبة والحزن فدنا منه وسأله: أيّها الطّائر! ما لي أراك هكذا حزينا مغموما"؟
فقال له العلجوم: وكيف لا أحزن وقد كنت أعيش من صيدي الوفير هنا من السّمك. وقد رأيت اليوم صيّادَين مارّين بهذا المكان، فقال أحدهما لصاحبه: إن ههنا سمكا كثيرا، أفلا نصيده أوّلا"؟


فقال الآخر: إنّي قد رأيت في مكان كذا سمكا أكثر من هذا، فلنبدأ بذاك فإذا فرغنا منه جئنا إلى هذا فأفنيناه". فانطلق السّرطان من ساعته إلى جماعة السّمك فأخبرهنّ بذلك، فأقبلن إلى العلجوم فاستشرنه وقلن له: إنّا أتيناك لتشير علينا، فإن ذا العقل لا يدع مشاورة عدوّه". قال لهم العلجوم: أمّا مكابرة الصّيّادين فلا طاقة لي بها، ولا أعلم حيلة إلاّ المسير إلى غدير قريب من ههنا، فيه سمك ومياه عظيمة وقصب، فإن استطعتنّ الانتقال إليه كان فيه صلاحكن وخيركن".
فقلن له: ما يمنّ علينا بذلك غيرك".
فصار العلجوم يحمل في كلّ يوم سمكتين حتّى ينتهي بهما إلى بعض التلال فيأكلهما. حتّى إذا كان ذات يوم، جاء لأخذ السّمكتين فجاءه السّرطان وقال له: إنّي أيضا قد أشفقت من مكاني هذا واستوحشت منه، فاذهب بي الى ذلك الغدير". فحمله وطار به، حتّى إذا دنا من التّلّ الذي كان يأكل السّمك فيه، نظر السّرطان فرأى عظام السّمك مجموعة هناك، فعلم أن العلجوم هو صاحبها وأنه يريد به مثل ذلك. فقال في نفسه: إذا لقي الرّجل عدوّه في المواطن التي يعلم فيها أنّه هالك سواءً قاتلَ أم لم يقاتل، كان حقيقا أن يقاتل عن نفسه كرما وحفاظا". ثم أهوى بكلّابتيه على عنق العلجوم حتّى مات، وخلص السّرطان إلى جماعة السّمك وأخبرهن بما حدث.
قال ابن آوى: وإنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّ بعض الحيلة مهلكة للمحتال. ولكنّي أدلّك على أمر إن قدرت عليه كان فيه هلاك الثّعبان من غير أن تُهلك به نفسك وتكون فيه سلامتك".
قال الغراب: وما ذاك"؟
قال ابن آوى: تنطلق فتبصر في طيرانك لعلّك أن تظفر بشيء من حليّ النّساء فتخطفها، فلا تزال طائرا بحيث تراك العيون حتى تأتي جحر الثّعبان فترمي بالحليّ عنده، فإذا رأى النّاس ذلك أخذوا حليّهم وقتلوا الثعبان وأراحوك من شرّه".
فانطلق الغراب محلّقا في السّماء، فرأى امرأة من بنات العظماء فوق سطح منزل تغتسل وقد وضعت ثيابها وحليّها جانبا، فانقضّ واختطف من حليّها عقدا وطار به، فتبعه النّاس. ولم يزل طائرا بحيث يراه كلّ أحد حتّى انتهى إلى جحر الثّعبان فألقى العقد عليه والنّاس ينظرون إليه، فلمّا أتوه أخذوا العقد وقتلوا الثّعبان.
العبرة من هذه القصّة: لكي تتغلّب على عدوٍّ قوي، يجب انتظار اللحظة المناسبة وتنفيذ خطّة ملائمة. وقد انتظر الغراب الى أن ظفر بخطةٍ جيّدة للتخلّص من الثعبان. كان يعلم أنه لا يستطيع مهاجمته مباشرةً، لذا تحلّى بالصبر والذكاء للقضاء على عدوّه. في الحياة، قد نواجه مصاعب وأعداءً خطرين. وفي مثل هذه المواقف، علينا التحلّي بالصبر وطلب المشورة من العقلاء والتصرّف في الوقت المناسب والابتعاد عن التعجّل والانفعال والتصرّفات غير المدروسة.

Credits
bedtimeshortstories.com