:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الخميس، مارس 20، 2025

بريغل: حصاد القشّ


في هذه اللوحة لـ پيتر بريغل الأب من عام 1565، يقوم عمّال بجمع الحبوب في حقل كبير، بينما يباشر آخرون مهمّة حصد الخضروات والتوت. الجميع، رجالا ونساءً وأطفالا، يعملون على جلب الطعام، لأن الشتاء لم يعد بعيدا، وسيوفّر التبن احتياجات الحيوانات من العلف في أشهر البرد الطويلة القادمة. كانت الماشية تلعب دورا محوريا في الزراعة، حيث توفّر السماد لتغذية المحاصيل وكانت مصدرا للغذاء.
معظم أراضي هولندا تقع تحت مستوى سطح البحر. لذا استخدم المزارعون منذ القدم السدود وأنظمة الصرف والقنوات لإدارة منسوب المياه واستصلاح الأراضي من البحر.
وكانت الزراعة تُمارس في الغالب من قِبل عائلات الفلّاحين الذين كانوا يزرعون قطعا صغيرة من الأرض. كما كانت هناك طبقة من مُلّاك الأراضي الأثرياء الذين كانوا يؤجرون أراضيهم لمزارعين صغار.
وأدّى نموّ المدن والبلدات إلى زيادة الطلب على المنتجات الزراعية بشكل عام. وكانت المحاصيل الرئيسية تتضمّن الحبوب كالشعير والشوفان والبقوليات. كما انتشرت زراعة اللفت والملفوف وبدأ القمح يكتسب أهميّة مع ازدياد الطلب عليه.
موضوع بريغل المفضّل هو رسم مناظر الطبيعة ومظهرها المتغيّر باستمرار. ويوليو وأغسطس هما الشهران اللذان تُحصد فيهما عادةً معظم المحاصيل الصيفية. والرسّام يصوّر جمع الطعام باعتباره نشاطا بشريّا أساسيا ويوضّح لنا كيف أن كميّة الطعام التي نتناولها على موائدنا تتحدّد بمعرفة الآخرين وعملهم وكدحهم.
كما أن تنوّع الأطعمة المتاحة لنا يتحدّد وفقاً لطبيعة الأرض. ولكي يتمكّن المزارع من الحصول على لقمة العيش من الأرض، يتعيّن عليه أن يفهم الأرض التي يعيش عليها وأن يعتني بها. كما يجب عليه أن يعرف المناطق التي تكون فيها التربة أفضل لكلّ محصول وأن يوظّف هذه المعرفة عند وضع خطّة لكيفية زراعة الحقول، إذ أن لكلّ محصول متطلّبات تغذية مختلفة.
في اللوحة، يُظهر لنا بريغل حكمة المزارعين ومعرفتهم التي لا يمكن الاستغناء عنها الى هذا اليوم. فهو يصوّر الطريقة التي يرتبط بها كلّ من يزرع ويجمع طعامنا بالأرض.
في عام 1565، تلقّى بريغل البالغ من العمر وقتها 40 عاما عمولة كانت الأكبر على الإطلاق. فقد طلب منه تاجر كبير وراع للفنون في أنتويرب، رسم ستّ لوحات كبيرة كي تزيّن جدران قاعة الطعام في مقرّ إقامته الريفي.


كان الرسّام في ذلك الوقت في ذروة شهرته. وقد أكمل السلسلة كلّها، والمعروفة الآن باسم "الفصول"، خلال عام. وتضمّنت تلك السلسلة لوحته المشهورة "صيّادون في الثلج". كان حصاد القشّ الأوروبّي، الذي يتمّ في أوائل الصيف، متزامنا مع الانقلاب الصيفي وكان القشّ يُجمع لإطعام الحيوانات طوال فصل الشتاء.
في لوحة بريغل، بدءا من أسفل اليسار، نرى رجلاً يشحذ منجله الطويل وهو جالس بجوار سياج على مسار ترابي يؤدّي إلى المستوى الأدنى من الحقل. كما نرى مجموعة من ثلاث نساء من أعمار مختلفة وهنّ يرتدين قبّعات من القشّ ويمشين على طول المسار ويحملن مجارف. المرأة الصغرى في الوسط تدير رأسها وتحدّق في الناظر مباشرة بعينين لامعتين.
وهناك أيضا مجموعة أخرى من أربعة أشخاص، نراهم من الخلف وهم يسيرون بعيدا عنّا باتجاه أسفل التلّ، حاملين على رؤوسهم سلالا كبيرة مليئة بغلّات الربيع. وإلى اليمين تظهر امرأة تركب حصانا أبيض وتسحب زلّاجة بها سلّتان كبيرتان محمّلتان بالغلال. وفي أقصى اليمين تقف شجرة تؤطّر أغصانها وأوراقها المشهد، وهي تنتشر عبر جزء كبير من أعلى اللوحة.
وعند مستوى الحقل الشاحب، يشارك الناس في مجموعة متنوّعة من الأنشطة. فالنساء يجرفن العشب المقصوص باتجاه تلال صغيرة، بينما يقوم الرجال بنقله بالمذراة على عربة تجرّها الخيول. ومن بعيد، نرى قرية وادعة تقوم على جرف صخري ضخم. وعلى أرض القرية الخضراء يظهر مجموعة من الأشخاص وهم يطلقون السهام على هدف موضوع على رأس عمود. ووراءهم يمتدّ الريف بعيدا في مدى أزرق، بينما تمتدّ التلال والمدينة ونهر واسع نحو الأفق تحت سماء ضبابية مكتسية باللون الأزرق.
المعروف أن بريغل تأثّر في لوحاته بأسلافه من الرسّامين. لذلك، لم يكن تقليد اللوحات المخصّصة لفصول السنة المتغيّرة مفهوما جديدا، بل كان ولفترة طويلة سمة مشتركة لما يُسمّى بكتب الساعات، وهي نصوص دينية تتضمن أدعية وصلوات مزيّنة برسوم توضيحية صغيرة. وكانت هذه الكتب المصوّرة شائعة بين العائلات الأرستقراطية والاقطاعية.
ولا بدّ أن بريغل كان على دراية بمثل تلك الكتب ذات المضمون الديني. لكنّه أضاف العديد من الابتكارات لهذا النوع. ولم يفصل اللوحات عن سياقها الديني فحسب، بل زاد أيضا من حجمها بشكل كبير وقدّم مجموعة متنوّعة من المهام التي تُصوّر في كلّ عمل وخلَق شعورا أكبر بالواقعية وأضاف لمسة من روح الدعابة.
وما من شك في أن بريغل كان متأثّرا أيضا بأعمال الفنّان الفلمنكي يواكيم باتينير الذي كان له تأثير كبير على كيفية رسم مثل تلك اللوحات. ومن الواضح أن لوحات بريغل الأخرى من هذا النوع تشترك في نسق أفقي ونقطة نظر مرتفعة ومزيج من مقدّمة صفراء وشريط أفقي أخضر يبدو من مسافة وشريط سماء أزرق وجبال أو بحر بعيد. وكلّ هذه الخصائص شائعة في أعمال باتينير أيضا، على الرغم من أن بريغل لا يتبنّى موضوعات الأخير التوراتية.
بعض النقّاد ينظرون الى سلسلة لوحات "الفصول" على أنها ذروة عمل بريغل في حياته، وأنها تمثّل علامة فارقة في تطوّر رسم المناظر الطبيعية الأوروبيّة. وهذه اللوحات تعكس احترام الرسّام للعمل الشاقّ للفلاحين وكرامة عملهم والدور المركزي للطبيعة في حياتهم وسبل عيشهم.

Credits
pieter-bruegel-the-elder.org