خواطر في الأدب والفن
كما صمّم الكثير من البوسترات الدعائية للعديد من المسرحيات والأعمال السينمائية والاوبرالية، كما اشترت أعماله مؤسّسات ثقافية مرموقة مثل مكتبة الكونغرس ومؤسّسة كارنيغي والنادي الوطني للفنون بنيويورك.
في لوحات اولبينسكي توظيف بارع للخدع البصرية على نحو ما يفعله السورياليون، كما أنها تحفل بعنصر المفاجأة ولا تخلو من اللمسات الحسّية والشاعرية.
وفي ملصقاته التي صمّمها لأوبرا موزارت وفيردي وسواهما من كبار الموسيقيين، يبرهن على فهمه العميق لجوهر تلك الأعمال وللإشارات المجازية والمضامين الإنسانية التي تنطوي عليها، وهذا هو السبب في أن رسوماته تضجّ بالحياة وسعة الخيال.
حب اولبينسكي الأوّل كان الاوبرا التي احترفها قبل هجرته إلى الولايات المتحدة، وسبب ما أصاب من شهرة عالمية ربّما يعود بالدرجة الأولى إلى ملصقاته التي صمّمها للاوبرا بشكل خاص، بما تتضمّنه من انفعالات قويّة وصور وشخصيات مشهدية حاول أن يعكسها في رسوماته بمهارة.
في ملصق "مدام بترفلاي "، مثلا، نرى بينكيرتون أحد شخوص المسرحية بقوامه الصغير وهو يصعد على أطراف مروحة تمسك بها إحدى فتيات الغيشا اليابانيات. وفي ملصق اوبرا "البوهيمي" لبوتشيني، تظهر ميمي المرأة الضعيفة وهي تنظر بطريقة حالمة إلى شمعة محترقة، وعبر الدخان الرفيع المتصاعد من الشمعة تتشكّل صورة الرجل الذي تحبّه.
وفي ملصق "قل لا للمخدّرات "، تظهر حمامة بيضاء ميّتة، وقد ذبل جناحاها وانطويا على بعضهما متّخذين شكل يدين مرتفعتين بالدعاء.
التمثيل الحسّي الذي يقدّمه اولبينسكي في لوحاته للنساء يتماشى مع الصورة المألوفة عن نساء الأوبرا اللاتي يتّسمن عادة بالجمال والجاذبية ويرتدين ملابس شفّافة. لكن بعض النقّاد يأخذون عليه تصويره للرجال بطريقة تفتقد إلى البريق والجاذبية. إذ يقدّمهم في هيئة رثّة ويكتفي بإلباسهم إمّا أزياء تاريخية باهتة في الغالب، أو حديثة لكنها مملّة نوعا ما. نال رافال اولبينسكي اكثر من مائة جائزة عالمية اعترافا بموهبته وتقديرا لأعماله الفنيّة المتميّزة.
❉ ❉ ❉
لكن النصّ الشعري الذي ألهم هذه الموسيقى يقول شيئا آخر. فهذا العمل السيمفوني الكورالي المشهور ألّفه كارل اورف اعتمادا على نصّ شعري كلاسيكي يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي عُثر عليه في أحد الأديرة القديمة في ألمانيا.
والغريب أن الشعر يتناول مسائل دنيوية، إذ يتحدّث عن القدَر والحظّ وعن متع الحياة والمسرّات الأرضية. غير أن القصائد تتضمّن أيضا تساؤلات وجودية تشكّك في جدوى الحياة وتصوّر الإنسان كريشة تعصف بها رياح القدَر.
وطبيعة تلك القصائد تشير إلى أن رهبان القرون الوسطى كانوا هم أيضا يتساءلون عن معنى الحياة كما نتساءل نحن اليوم وتؤرّقهم نفس الأسئلة والمشاغل التي يطرحها إنسان العصر الحديث.
ويصحّ أن يقال إن كارمينا بورانا مزيج من كلّ شيء. فمن حيث بُنيتها الموسيقية، تحتوي على إنشاد ديني ورقص ودراما ومسرح. كما أن فيها موسيقى مستوحاة من التراث الألماني. ولا تخلو بعض مقاطعها من رومانسية واضحة ومزج بين المشاعر الوثنية والحديثة.
ومع أن هذه الموسيقى تنتمي لهذا العصر، إلا أنها الّفت لتعيش طويلا. ويقال أحيانا أنها تقدّم دليلا آخر على أن الموسيقى الكلاسيكية ليست دائما موسيقى جادّة أو مملّة. وكثيرا ما تُعزف "كارمينا بورانا" من أجل تعويد الأجيال الشابّة على تقبّل الموسيقى الكلاسيكية التي تتّسم عادة بالجدّية والرصانة.
❉ ❉ ❉
واللوحة فوق هي انعكاس لنظرة الرسّام إلى الوجود ومكان الإنسان فيه. وهي بنفس الوقت ترجمة لعبارة منسوبة إلى السيّد المسيح يقول فيها: أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة أيسر من أن يدخل الإنسان الغنيّ ملكوت الله".
والإسلام يقدّم تنويعا على هذه الفكرة من خلال آية كريمة تتوعّد غير المؤمنين "لا تُفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخِيَاط". وثقب الإبرة في المسيحية، أو سمّ الخياط في الأدبيات الإسلامية، عبارة ترمز لاستحالة حدوث شيء دون تدخّل من الله.
حتّى البوذية، وما يتفرّع عنها من مدارس وفلسفات، توصي أتباعها بالانفصال عن الرغبات والدوافع والمشاعر الدنيوية وتعتبر ذلك شرطا للوصول إلى مرتبة النيرفانا، أي التحرّر من المعاناة وبلوغ أعلى درجات السلام الداخلي والصفاء الروحي.
بعض المؤرّخين يشيرون إلى أن ثقب الإبرة هو اسم حقيقيّ كان يُطلق على بوّابة في مدينة القدس كانت تُفتح ليلا عندما تُغلق بوّابة المدينة الرئيسية. ولم يكن من السهل بالنسبة للقوافل أن تمرّ عبر هذه البوّابة لصغرها. وكان يتعيّن على الجمال أن تنحني وتُزال عنها أحمالها كي تمرّ عبرها.
ولوحة فلاديمير كوش "فوق" تشبه حلما بالألوان وتُذكّر بمناظر دالي وماغريت. في اللوحة، قافلة الجمال التي أعطاها الرسّام لون الذهب، والنهر الذي يكتسي بالزرقة اللامعة، يرمزان للثروة. القافلة تسير ببطء وقت الغروب، بينما تتراجع الألوان في المقدّمة وتهيمن الظلال.
لاحظ الجهد الذي يبذله زعيم القافلة لحمل الجمل الأوّل على المرور من الإبرة. ومع ذلك، فالمفارقة الساخرة هنا هي أن الرسّام حرص على أن يكون الثقب واسعا بما يكفي لأن تمرّ الجمال عبره.
ربّما أراد أن يقول إنه لا مشكلة ولا تناقض في أن يكون الإنسان غنيّا وتقيّا في الوقت نفسه طالما انه اكتسب ثروته بوسائل شريفة ومشروعة وليس عن طريق السرقة والغشّ. وأن بإمكان الإنسان، إذا استخدم الحكمة والعقل، أن يتعامل مع الحياة بطريقة واقعية ومتوازنة، بحيث لا يطغى جانب على آخر وبحيث يضمن السعادة وراحة البال في الدنيا والآخرة معا.
Credits
archive.org
kushfineart.com
archive.org
kushfineart.com

