:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, September 04, 2009

مشاهد من جنّة المهراجا الأرضية

أنت الآن في "راجيستان". في مملكة "ماروار" الواقعة على قمّة التلال الصخرية. وبالتحديد في قلعة يقال لها "مهرانجار" أو قلعة الشمس. هنا كلّف المهراجات فنّانيهم برسم هذه الصور. وهنا، على الأرجح، رُسمت. ثم نُحيّت جانبا.
ستّون لوحة ظلّت مختفية عن الأنظار لعدّة قرون. كانت اللوحات مكدّسة في الظلام في مكان ما بالقلعة.
الآن أزيح الغبار عن تلك اللوحات وأصبح ممكنا من خلالها تصوّر بعض جوانب الطبيعة السياسية المتغيّرة في فترة غامضة من تاريخ الهند الحديث.
اللوحات ترسم صورة فاتنة عن الحياة ومظاهر الترف في القصور الملكية الهندية خلال القرن السابع عشر.
مشاهد مشبعة بالإثارة والغموض والنشوة. الحفلات الباذخة. الحدائق الغنّاء على أطراف الصحراء. الرحلات الليلية للمهراجات وحاشيتهم على ضوء القمر. الغابات المشذّبة بعناية والتي تبدو وكأنها تتراجع للوراء قبل أن تغيب في الأفق الضبابي. الغدران شديدة الزّرقة. شعاع القمر الشفيف في بدايات المساء. نظرات المهراجات الواهنة والمتعبة. النساء ذوات العيون الواسعة والملامح الدقيقة والأيدي المزيّنة بالحنّاء. رجال البلاط وهم يمشون في أمكنة كالحلم.
اللوحات تكشف عن ذلك اللمعان المألوف لفنّ بلاط المغول. الألوان الزاهية تكاد تتقافز من اللوحات بوهجها الزهري والأصفر والأحمر والزعفراني واللافندر ومئات ظلال الأخضر والرمادي.
في اللوحات لمسة من الحنين والتذكّر الحزين. فيها شيء ما يشي بقرب تحلّل وانهيار المملكة في وقت كان الانجليز يوشكون على إحكام سيطرتهم على الهند.
في بعض اللوحات لا ترى سوى حقول تشعّ بالذهب. تجريدات صافية تستحضر كلّ ما هو ابدي وخالد. تجلّيات فلسفية وشعرية غامضة عن الكون. رجال مقدّسون يسبحون في فراغ مضيء ولا نهائي بين العوالم. ضوء فضّي يقسم المشهد إلى نصفين.
الصور تملأ مجال الرؤية. المحيط لا تحدّه حدود. يتحوّل نحو الأبدية في موجات أنيقة ومتعاقبة.
الجبال شديدة الانحدار. تظنّها مصنوعة من بتلات الزهور وليس من الحجارة. الطبيعة نصف مروّضة. تسكنها النمور والطيور الملوّنة، وليس عامّة الناس.
هنا تعيش مثلما يعيش الملوك. والملوك يعيشون مثل الآلهة.
في مهرانجار، تقوم القلعة العظيمة. جدرانها العالية مصنوعة من الحجر المائل للحُمرة.
هنا يعيش المهراجات منذ سبعمائة عام.
ماذا تشبه حياة المهراجا؟ هذه اللوحات تقدّم الإجابة. أن تصبح مهراجا يعني أن تكون ملك الهند. تحكم مملكتك الخاصّة من ذلك المكان المهيب.
كلّ ما تتمناه تجده طوع يديك. عمامتك مرصّعة بالجواهر. قلائد اللؤلؤ تتدلّى حول عنقك. الأزهار تعطّر حدائق قصرك. بِرَك السباحة واسعة بما يكفي لاستيعاب أسطول من قوارب النزهة. إذا جُعت يقوم على طعامك لوحدك صفّ طويل من النساء الرشيقات. وإذا كنت مفعما بالنشاط الزائد فلديك من النساء ما تريد. وهنّ مستعدّات دائما لتدليك قدميك وتسليتك بالموسيقى وحتى اصطحابك إلى غرف النوم إن أردت.
تصبح مثل إله. ومثل الآلهة يمكنك أن ترى كلّ ما تتخيّله.
الرسّامون في قصرك موجودون لهذا الغرض.
كان هناك ثلاثة مهراجات. الأوّل شهواني متهتّك. الثاني ورع تقيّ. والثالث ملطّخ بالرماد يعيش لوحده في كوخ بائس في زاوية من زوايا حديقة قصره.
كلّهم يظهرون في اللوحات جانبيا. وكلّهم لهم شوارب سوداء. ولأنهم مهراجات، فهم يبدون أعظم من بقيّة البشر. ومع ذلك فكلّ منهم مختلف. واللوحات تأخذك بعيدا داخل عقولهم.


المهراجا باكات سنغ قويّ كمحارب وقاس كإبن. أصبح ملكا بعد أن قتل والده. لن تعرف هذا من اللوحات التي أمر برسمها. لا يركب الخيل ولا يخرج للصيد. هو فقط مغرم بإقامة الحفلات في القصر في كلّ حين.
في إحدى اللوحات تظهر عشرات النساء الشابّات وهنّ يجلبن له العشاء. أخريات يعزفن له السيتار. إحداهن، المفضّلة لديه، تجلس إلى جانبه.
في لوحة أخرى، يبدو وهو يلهو في بركة السباحة محاطا بعشرين من نسائه. يرشقهن بالماء من آنية كبيرة من النحاس.
باكات سنغ له ابنة أخت شابّة. أحضرت له ذات يوم معطفا أنيقا. كانت قد غمست المعطف في السمّ. وبهذه الطريقة مات.
عندما تولّى فيجاي سنغ العرش، فقد الرسم نكهته. لم يكن الرجل معتادا على حياة الترف.
ما نزال في القلعة الكبيرة. المكان لم يتغيّر. ما يزال بالإمكان رؤية نفس النوافير والشرفات والمدرّجات والحدائق. لكن اختفت النساء اللعوبات ومعهنّ الفرقة الموسيقية المكوّنة بالكامل من النساء.
نحن الآن محاطون بالآلهة. قوارب النزهة ما تزال تطفو في برَك السباحة. لكنها هناك من أجل الإله راما. وفي حدائق القصر هناك حفل، لكنه مقام على شرف الإلهة كريشنا.
عندما تولّى المهراجا مان سنغ الحكم، تغيّرت الصورة مرّة أخرى.
عزا مان سنغ صعوده للحكم إلى عون وبركة جلالدارنات، أكثر النسّاك وَرَعا وزهدا. مخلوق كامل أصبح مع مرور الأيّام شخصا خالدا.
أدار مان سنغ ظهره للوراثة والنبل وكرّس مملكته للمعلّمين اليوغيين وأتباعهم.
كان صنفا غير مألوف من المهراجات. لم يكن يهتمّ بنفسه ولا بأمور الدنيا.
في اللوحات التي أمر برسمها، ليس من الصعب أن تتعرّف على المعلمّين. بشرتهم رمادية. جميعهم يلبسون أقراطا ثقيلة. أقراطهم من النوع الذي يثقب غضروف الأذن وليس حلمتها. وجميعهم يرتدون قبّعات مدبّبة. الزهّاد كانوا يمثلون مشكلة. فعامّة الهندوس كانوا يحتقرونهم. لم يكونوا يهتمّون كثيرا بالنظافة. وكانوا يأكلون مع الطبقات المنبوذة. كانوا دائمي التجوال ولا يستقرّون في مكان واحد. وكانوا مغرمين بتدخين الحشيش. لكن مع استمرار هبوط النعمة الملكية عليهم بلا حساب، أصبح سلوكهم مشينا. وشكّلوا عصابات منفلتة تختطف الأطفال المولودين حديثا وتسرق ممتلكات التجّار.
أصبحت سلطتهم عظيمة. لكنهم كانوا ذوي قدرات إعجازية. أشيع عنهم في بعض الأوقات أنهم يستطيعون أن يطيروا ويحلّقوا في الهواء وأن يتنبّئوا بالمستقبل.
لم يكونوا قد رُسِموا من قبل. الآن هناك مئات الصور المرسومة لهم بناءً على أوامر مان سنغ.
المعلّمون اليوغيون كان باستطاعتهم أن يعيشوا على الهواء فقط وأن يمارسوا التأمّل لأيّام دونما انقطاع، وكان بإمكانهم أن يدمجوا أنفسهم في المطلق.
ماذا كانت تشبه تلك الحالة؟ كانت نقيّة، زرقاء كماء المحيط، متألّقة وذهبية.
كانت طقوس وحالات الحكماء اليوغيين وما رُوي عنهم من ضروب السحر والمعجزات مؤذنة بظهور قرن كامل من اللوحات الجديدة.
روبرت روشنبيرغ رسم لوحات لا وجود فيها سوى للفراغات المذهّبة.
إيف كلين رسم لوحاته الزرقاء بالكامل.
ومارك روثكو اختار أن يملأ مناظره بالأشكال المسطّحة والفراغات الغامضة والمتوهّجة.
كان الأمر أشبه ما يكون بالنبوءة.

Credits
wsj.com
telegraph.co.uk

6 comments:

Anonymous said...

جميل هذا الوصف.
قرأته وعشت في أجوائه الخيالية لحظة بلحظة.
لكن أين ذهب المهراجات؟
هل ما يزال احد من سلالتهم موجودا؟
أم أن ما تبقى هي مجرد صور تحمل ذكريات غاربة لماضي ولى ولن يعود؟
وبما ان الحديث عن المهراجات، هل شاهدت فيلم جودا وأكبر؟
وأنا اقرأ سردك الماتع تذكرت وجوه وأجواء ذلك الفيلم الجميل.
إن كنت لم تشاهده بعد فأنصحك بمشاهدته ولن تندم.
اعتقد انه يكمل بعض جوانب الصورة.
عاطر التحايا.

salam said...

عزيزي المدون:
شكرا لك على المعلومات والشرح المفيد.
عالم المهراجا مليء بالقصص والحواديث والمؤامرات العجيبة والغريبة. ولا ادري ان كنت سمعت بالسلطان تيبو. هذا الرجل يعتبره الهنود خاصة المسلمين منهم بطلا قوميا وتنسج حول سيرته الكثير من القصص القريبة من الخيال. تيبو لم يكن مهراجا. كان ثائرا ومحررا تصدى للانجليز عند مجيئهم للهند. كان من اعيان مدينة بنغالور التي تسمى الى اليوم المدينة/الحديقة للهند. واشتهر بجسارته وشجاعته وقوة باسه. ويحكى انه بلغ من قوته انه كان يتصارع مع النمور في الغابات بيديه العاريتين أي بلا سلاح وكثيرا ما كان يتفوق على تلك الحيوانات الضارية ويسيطر عليها ويشل حركتها. وقد دوخ الانجليز كثيرا وفتك بالكثير من جنودهم الى ان تمكنوا منه وقتلوه على بوابة قصره بعد ان رفض الاستسلام. وبهذا قدر له ان يموت مثل والده السلطان حيدر علي الذي قتل هو الاخر في احدى معاركه ضد الجيش الانجليزي. وهناك مسلسل تلفزيوني مشهور تم عمله عن سيرة حياة السلطان تيبو بعنوان سيف السلطان اخرجه وقام ببطولته المخرج الهندي الايراني الاصل سانجاي خان.
الغريب ان شخصا مثل السلطان تيبو الذي كان مقاتلا شريفا ومعروفا بحبه للعلوم والثقافة لا تغري سيرته الغربيين الذين يستهويهم قصص الحريم والملذات التي كانت تكثر في قصور المهراجا المتخلعين الذين كانوا يعيشون على دم البسطاء وعرقهم.
اشكر لك هذا الفرصة وكل عام وانتم بخير.

المطالع said...

رائع
شكرا لك

Prometheus said...

Anonymous
شكرا جزيلا لك.
لم يذهب المهراجات بعيدا. هناك من سلالات الأقدمين من لا يزال يعيش إلى اليوم في بعض مدن الهند. لكنهم فقدوا الكثير من سلطتهم وهيلمانهم.
نعم، شاهدت ذلك الفيلم وأعجبني كثيرا. كان واضحا انه يحاول إيصال رسالة في منتهى الأهمية خاصّة في ضوء ما نراه في العالم هذه الأيام من مظاهر التعصب ومصادرة الآخر.
الفيلم كما فهمت يقول ان الإنسانية والتسامح يسموان فوق اعتبارات الدين والطبقية. وهذا أمر صحيح تماما.
شكرا جزيلا لك ومرحبا بك دائما.

Prometheus said...

عزيزي سلام:
نوّرت المدوّنة. وشكرا جزيلا لك على المعلومات الضافية والمفيدة. لم اسمع بذلك السلطان من قبل. لكن ما كتبته عنه دفعني للبحث والقراءة عنه أكثر. الآن فهمت من خلال ما ذكرته لماذا لا يذكره الغربيون في كتاباتهم عن الهند. في المقابل، هم يهتمون بالمهراجات بسبب الصورة الاكزوتية التي يمثلونها عن الشرق وتراث الحريم وحياة البذخ والرغد. ثم إن المهراجات لم يبدوا مقاومة تذكر للاحتلال الانجليزي بل سمحوا للانجليز بالدخول إلى مدنهم شريطة أن يبقوا على سلطتهم ونفوذهم وهذا ما حصل في نهاية الأمر.
تحياتي لك ويا هلا..

Prometheus said...

عزيزي المطالع:
ممتن لزيارتك وتعليقك. مدونتك هي الأخرى متميّزة وتضم بين جنباتها كلّ نافع ومفيد.
تحياتي ومودّتي.