:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, December 18, 2009

أغورا: ملحمة من العالم القديم


المكان: مصر. والزمان: القرن الرابع الميلادي. المسيحية آخذة في الانتشار. والوثنيّون ليس أمامهم سوى واحد من خيارين: إمّا أن يؤمنوا برسالة المسيح وإمّا أن يتقبّلوا مصيرهم.
هكذا يبدأ فيلم أغورا الذي يتناول فصلا من فصول التاريخ الذي نُسي منذ زمن طويل. الفيلم يمزج بين الفلسفة والتاريخ والحبّ، ويروي كيف أن بإمكان أكثر أفكار الأصولية الدينية بدائيةً أن تؤثّر في حياة الناس وأن تولّد البغضاء والكراهية. كما يتناول الفيلم عددا من الأسئلة والأفكار الملحّة التي تتصّل بواقع البشر في ذلك الوقت وفي هذه الأيّام. متى يفسح التسامح الطريق للطغيان والتعصّب؟ وإذا لم تكن الأرض مركزا للكون، فهل في ذلك ما يجعل البشر اقلّ أهمّية؟ وهل يمكن أن يتعايش العلم والدين بسلام؟
منذ أيّام سيرجيو ليوني، لم يظهر فيلم يتحدّث كثيرا وبصوت عال بمثل ما يتحدّث فيلم "أغورا". وهذه ليست مفاجأة. فـ أغورا في اليونان القديمة كانت مكانا عامّا ومفتوحا تؤمّه مختلف طبقات الناس للتجمّع والتسوّق. في الإسكندرية خلال القرن الرابع الميلادي، كانت أغورا ما تزال مكانا عامّا ومفتوحا. لكنّ التجمعّات والأسواق كانت تناقش مواضيع تدور حول الآلهة وكانت تلك النقاشات تنتهي أحيانا بعواقب مأساوية.
الغرض من فيلم "أغورا" طموح، وربّما طموح جدّا. ومثل الكيس الثقيل الذي تستخدمه هيباتيا "ريتشيل فايس" للتدليل على مسار الأجسام الساقطة، فإن "أغورا" لا يرقى إلى الغرض الأصلي منه، لأن مخرجه اليهاندرو امينابار نسي أن الغرض الأساسي من أيّ فيلم هو أن يكون مسلّيا.
وفيلمه يحاول الموازنة بين اثنين من أقطاب الجذب، تماما مثل المسار البيضاوي للأرض حول الشمس. امينابار لم يستطع بوضوح أن يقرّر ما إذا كان فيلمه عن مدينة الإسكندرية أو عن سقوط الإمبراطورية الرومانية أو عن سفك الدماء الذي تسبّب به التعصّب الديني أو عن المسيحية أو عن امرأة يحبّها رجلان أو عن علم الفلك. هذا الغموض محيّر ومربك، لأنه في كلّ مرة يحقّق الفيلم تعاطفا اكبر مع شخصيّاته، يتدخّل امينابار بصريا ليقدّم أفكارا ونظريات مطوّلة عن الأرض والنجوم.
"أغورا" هو فيلم عن الإيمان بالكمال في السماء وعلى الأرض. المسيحيون يعبدون إلها واحدا، ورمزية الصليب أكثر خطورة على البشر من الآلهة التي تحمل الزهور على رؤوسها. هيباتيا تفشل في فهم السماء لأنها تعتقد أن السماء كاملة ومحكمة. وامينابار يعتقد أن البحث عن الكمال المثالي هو أعظم الأخطار.
إن جوهر فيلم "أغورا" هو عن الكواكب الصامتة التي تدور حول الشمس وعن اضطراب مدينة الإسكندرية حول المكتبة. الجنود الرومان يحاولون السيطرة على الحشود الصاخبة. والكهنة والنبلاء يتجادلون بلا نهاية. وهيباتيا تعلّم الطلاب نظام بطليموس عن مدارات النجوم. والمسيحيون يحرقون الناس في الأماكن العامّة ثم يمارسون أعمالهم الخيرية العظيمة بعد ذلك.
وبما أن هذا الفيلم يتحدّث عن الثنائية القطبية، فإن لدى هيباتيا عاشقين وهي تتأرجح بينهما، مع الحفاظ على مسافة معقولة من كلّ منهما في حركة لا تنتهي من الجذب والصدّ. وهناك أوريستيس الشابّ "أوسكار إيساك" الذي يتعقّب هيباتيا مصرّحا بحبّه لها. وأيضا هناك العبد ديفوس "ماكس مينغيلا" الذي يحترق بحبّه القوي، لكن الصامت، لـ هيباتيا.
إذا استخدمنا المجاز في عملية دوران الأرض حول الشمس، عندها يصبح ديفوس هو الأوج بالنظر إلى انه الحبيب البعيد كونه أحد سفّاحي فرقة جنود المسيح. وأوريستيس هو القاع، فهو الأقرب إلى هيباتيا اجتماعيا وفكريا. ديفوس رجل فعل وغضب كما انه مفتون بالعنف. في حين أن أوريستيس رجل كلمات وتسويات كما انه حسّاس وهشّ.



هيباتيا تبدو امرأة عاطفية في سعيها لفهم القوانين التي تحكم حركة الكواكب. إنها امرأة متشكّكة أيضا. كان والدها يحبّ امرأة. وهي كانت ثمرة ذلك الحبّ. لكن إن تزوّجت فمعنى ذلك تخلّيها عن دراساتها وتعليمها. وهي تريد أن تكون حرّة. نضالها الدائم كي تبقى حرّة وأمينة مع نفسها هو أمر يثير المشاعر أكثر من تدمير مكتبة الإسكندرية.
عندما يحاول أوريستيس إقناعها بحبّه لها، تقترح عليه أن يبحث عن وسيلة إلهام مناسبة كالموسيقى مثلا. عندها يعلن أوريستيس عن حبّه لها على الملأ ويعزف لحنا عاطفيا على الناي. وفي اليوم التالي ترسل له هيباتيا شالا ملوّثا بدم الحيض وتسأله ما إذا كان هذا يتناسب مع رغبته في الحبّ المثالي. بالنسبة لها فإن حبّ الفلسفة والرياضيات هو الحبّ المثالي.
فيلم أغورا ينقسم إلى جزأين: الأوّل عن ثورة المسيحيين وسقوط مكتبة الإسكندرية. والثاني عن ثورة المسيحيين الثانية التي تنتهي بمذبحة اليهود وتدمير السلطة المدنية لـ روما والموت العنيف لـ هيباتيا.
اليهاندرو امينابار لا يتعاطف كثيرا مع أبطاله الذكور. فهم ضعفاء وفي حالة شكّ دائم ولا يمكن أن يقدّموا الحماية والحبّ لـ هيباتيا دون أن يلوّثوها أو يقتلوها.
"أغورا" عبارة عن قصّة رجال يخذلون المرأة التي يحبّونها. وهيباتيا تموت عذراء. والعناق المميت لقاتلها يعبّر عن الرغبة أكثر من الانتقام.
إنه فيلم غريب. فيه عظمة المشاهد الأخيرة من فيلمي "سقوط الإمبراطورية الرومانية" و"قائمة شيندلر". لكن الإسكندرية ليست روما أو كراكوف. مصر كانت دائما شوكة في خاصرة الإمبراطورية الرومانية. وبينما انتظر فرنسيّ عشرين عاما كي يصبح عضوا في مجلس الشيوخ في روما، استغرق الأمر أربعمائة سنة من مصريّ. وكانت مصر قد تفسّخت بالفعل عندما وصلها القيصر. وبعد خمسة قرون أصبحت وعاء تجمّعت فيه كلّ عوامل اضمحلال وانهيار الإمبراطورية الرومانية.
السفّاحون المسيحيون يملكون الشوارع مثل النازيّين. وفهمهم الديني للمسيح يملي عليهم أن يصلبوا جميع الكفّار وأن يطيعوا طاعة مطلقة وعمياء زعيمهم الملهم سيريل.
عاشقا هيباتيا الاثنان يشكّلان مزيجا غريبا من الأفكار الرومانسية المثالية. ديفوس هو الأقرب إلى كونه عاشقا حقيقيا. وهو الذي سوف يقتل هيباتيا كي يوفّر عليها آلام التعذيب. أوريستيس لديه أفكار طالب فلسفة يوناني منحطّ. انه يقضي وقتا في قتل المسيحيين قبل أن ينضمّ إلى صفوفهم ويصبح حاكما على الإسكندرية. وفي نهاية المطاف يخون هيباتيا كي يواجه القوّة المتنامية لزعيم المسيحيين سيريل.
ريتشيل فايس غير مقنعة، إلا أن ضعفها غامض. لماذا دخلت هيباتيا المعترك العامّ كي تتحدّي زعيم المسيحيين سيريل؟ لماذا لم تركّز على دراستها فحسب؟ ما فعلته مثال لتدخّل المثقف في الشؤون العامّة وهي ستدفع ثمنا باهظا في النهاية بسبب التزامها المثالي بأفكار الكمال والحرّية.
ومثل آنا بوليتكوفسكايا في روسيا، لن تستسلم هيباتيا. وموتها كان تعبيرا عن الضياع الفاحش للشباب والموهبة. وهكذا تحققت نهاية الزمن في الإسكندرية.
"أغورا" هو وثيقة سياسية عن التسامح. اليهاندرو امينابار يعتقد أن حضارتنا ما تزال رخوة. فمنذ 1500 عام ذبلت الإمبراطورية الرومانية وسقطت بسبب إفلاسها وفسادها الداخلي وبسبب التعصّب الديني.
التعصّب الديني يملك دائما إجابات مبسّطة على الأسئلة المعقّدة. وهذا متجذّر في رغبتنا في الكمال وفي السموّ الروحي.
مجتمعنا الحديث له أصنامه الجديدة المتمثّلة في العلوم والتكنولوجيا. وامينابار يحذّرنا من خطورة الاعتقاد بأن هذه الأصنام ستجعل حياتنا سعيدة وكاملة. لا توجد سعادة، بل ثمّة جنون وتدمير وتعصّب في سعينا للبحث عن الكمال. "مترجم بتصرّف".

2 comments:

Ahd Zarzour said...

رائع

Prometheus said...

شكرا جزيلا واهلا وسهلا بك دائما.