:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, December 17, 2009

وليام بليك: الفوضوي الحالم

عندما ولدت، تأوّهت أمّي وبكى أبي
قفزت إلى هذا العالم الخطير
اعزل، عاريا، مزقزقا بأعلى صوتي
مثل شيطان مختبئ في غيمة!

بعد مرور قرنين ونصف على ولادته، ما يزال وليام بليك حيّا من خلال ميراثه البصري وقيمه الفكرية. عاش حياة ثريّة وكانت عين عقله مليئة بصور الأبطال من الرجال والنساء والقدّيسين ذوي اللحى الطويلة البيضاء والوحوش المجنّحة والمخيفة.
ومع ذلك كان أسلوب حياته اليومي متّسما بالكفاح والفاقة.
وخلال السنوات السبع الأخيرة من حياته، عندما كان يرسم الكوميديا الإلهية ويصوّر شخصيات شكسبيرية، كان هو وزوجته يمرّان بأوقات صعبة. كانت غرفة معيشتهما في شقّتهما بـ لندن هي أيضا غرفة نومهما ومطبخهما واستديو الرسّام في وقت وحد.
احد الجوانب المثيرة في سيرة حياة وليام بليك يتمثّل في حقيقة أن النقّاد والناس ما يزالون منقسمين بشدّة حول شخصيّته وقيمة أعماله.
البعض يرى انه كان شخصا غريب الأطوار. أو هذا على الأقلّ ما وصفه به بعض معاصريه. وبينما قد لا يرقى الوصف لمستوى المرض العقلي، فإنه كانت هناك دائما درجة من الشكّ عن هذا الرجل الذي قيل مرّة انه ادّعى انه كان يرى الملائكة في الأشجار.
عندما مات بليك سنة 1827 كان مفلسا، ثم لم يلبث أن أصبح نسيا منسيا.
لكن حدث أمر غريب خلال المائة والثمانين عاما الأخيرة. فـ بليك الهامشي والضئيل دخل إلى مؤسّسة الفنّ والأدب بقوّة وأصبح شخصية ثقافية لها مكانتها ووزنها.
ورغم أن بليك مات عام 1827 فقيرا في سنّ السبعين، فإنه استطاع بعد موته أن يكتسب شعبية بأكثر مما كان يحلم به.
وأكثر من ذلك فإن نجاحه كفنّان وشاعر يتجاوز النواحي المالية. فشعره يدرّس لتلاميذ الثانوية كما أن له تأثيرا واضحا في الثقافة الشعبية.
في فيلم التنّين الأحمر يستشهد بطل الفيلم بلوحة بليك التي تحمل نفس الاسم والموجودة اليوم في متحف بروكلين للفن الحديث. ويندر فعلا أن تجد لمعاصري بليك، مثل توماس لورانس وجوشوا رينولدز وبنجامين ويست، مثل هذا النفوذ في أوساط الثقافة الشعبية.
في العام 1789 كتب وليام بليك أغاني البراءة، وهي مجموعة من القصائد الغنائية القصيرة. في ذلك الوقت لم تعد رؤاه ساكنة، بل تحوّلت إلى كائنات بأجنحة تكشف عن رؤى مظلمة. كان العالم الذي يراه بليك يمرّ بتحوّلات دراماتيكية أيضا. الثورة الأمريكية، التي اندلعت عندما كان بليك ما يزال طالبا في الفن، تمكّنت من تحرير 13 مستعمرة واستقلّت عن ملك كان يسقط في وهدة الجنون. والثورة الفرنسية جاءت بالتنوير وبالأفكار الإنسانية عن العدالة والحرية والمساواة.
كان بليك يقوم بكلّ شيء. كان يكتب القصائد ويرسمها. وخلال أربعة عقود تقريبا تطوّرت لغته الصورية وشعره كثيرا.
سبب شعبية بليك يكمن، على الأقل جزئيا، في قصيدته عن القدس التي أصبحت نشيدا خلال الحرب العالمية الأولى. وقد جرت العادة أن يظهر كلّ سنتين شخص يقترح دمج تلك القصيدة في النشيد الوطني لانجلترا.
وبليك محبوب من اليساريين بسبب الإصلاح الاجتماعي الذي تحدّث عنه في إشارته إلى "الطواحين الشيطانية المظلمة". واليمينيون أيضا يحتفون به باعتباره نموذجا للوطنية المتّقدة. وعشّاق الرياضة أيضا يحبّونه لأن أوّل سطر في تلك القصيدة يشير إلى القدمين.
لكن لا توجد رسالة سياسية يمكن تمييزها بسهولة في القصيدة أو في معظم أعمال بليك، كما تقول شيرلي دنت مؤلفة كتاب "بليك الراديكالي". "إنها قصيدة رجعية وراديكالية بنفس الوقت. وهي تمنح أشياء كثيرة لأناس كثيرين. وهناك شيء ما في الشعر نفسه يجعله متناقضا".
الذين يدّعون أن بليك وطني بإفراط يجب أن يتذكّروا انه كتب القصيدة عندما كان ينتظر المحاكمة على ما قيل إنها ملاحظات مهينة منه تجاه الملك وعلى تغنّيه بنابليون.
أعمال بليك تتضمّن ميثولوجيا معقّدة وشخصيات غيبية ورؤى فانتازية عن الريف البريطاني وإشارات إلى الأساطير ونقدا للرقّ وثناءً على التصوّف المسيحي.
ويبدو أن صورته باعتباره غير منتمٍ إلى التيّار السائد أسهمت في تعزيز جاذبيّته الشعبية.

يقول الكاتب المسرحي جاك شيبرد: كان ذكاء بليك يجذب الانتباه فلم يتقيّد بالفكر الأكاديمي لذلك الزمن. كان واحدا من أولئك الناس النادرين الذين يتمتعون برؤية شاملة. بدأت قراءته عندما كنت طفلا وكانت لوحاته معلقة على جدران الكنيسة التي كنا نذهب إليها. وقد وجدت صوره كريهة وفاتنة، مريحة ومخيفة بنفس الوقت. كنت أحبّ كرهي لها. كان لها تأثير هائل. ومع الأيام انجذبت إلى فلسفة بليك الخطرة".
جون ويتيكر مؤلّف كتاب "بليك وأساطير بريطانيا" يقول: مكانة بليك كفنّان وشاعر لم تنشأ سوى منذ الحرب العالمية الثانية. والكثير من الناس يتحمّسون له حتّى دون أن يقرءوا شعره أو ينظروا في فنّه".
معتقدات بليك المسيحية القويّة وتصوّفه الذي يصعب فكّ طلاسمه يمكن أن يدفع المرء للاعتقاد بأن بليك يمكن أن يتواءم مع هذا العصر العلماني. غير أن هذا ليس هو واقع لحال.
الناقد فالديمار يانوتشاك لا يفهم ما يقال عن المكانة شبه الإلهية التي يبدو أن بليك استطاع تحقيقها. "الرجل لم يكن يستطيع أن يرسم جيّدا. وشخصياته متهاوية. إننا نحبّ كثيرا الأشخاص الغريبي الأطوار، خصوصا القدامى منهم. في هذا العصر اعتدنا على فكرة الفنّان الغريب الأطوار الذي لا يتمسّك بالقواعد. لقد اسقط الجمهور الحديث جزءا كبيرا من تسامحه على عصر آخر. لذا هناك من يعتبر بليك إنسانا فطريا ورائدا من روّاد الفن. ويضيف يانوتشاك: لقد كان الرجل مجنونا. كان يزعم انه يتحدّث إلى الملائكة. في عصرنا هذا، لو قال احد مثل هذه الكلام لانتهى به الأمر إلى السجن. ثم إن الكثير من أشياء بليك مملّة جدّا".
لكن جون ويتيكر يرى أن من الخطأ وصف بليك بالمرض النفسي، رغم ما يفترضه بعض الأكاديميين من أعراض الهوس والاكتئاب وغيرها من الحالات الطبية. إن رؤية الملائكة ما هي سوى أمور مجازية. أن تقول إن الرجل كان مجنونا، هذا تبسيط مخلّ للأمور. ربّما كان يعاني، مثل الكثير من الفنانين، من درجات من الحالات العقلية المتطرّفة نسبيا".
ويتيكر يصرّ أيضا على أن لا علاقة لـ بليك بعالم المخدّرات، ولا يوجد دليل أبدا على انه كان يتعاطى مخدّرات إطلاقا".
كان بليك متعاطفا مع الثورة الفرنسية التي أصبحت محورا لاهتمامه وموضوعا للعديد من قصائده. وقد وضعته دعوته ودفاعه عن الحرّيات السياسية والحقوق المدنية على طريق الصدام مع حكومة وليام بيت القمعية. وهناك من النقاد من ذهب إلى أن بليك حاول عمدا إخفاء آرائه السياسية والفكرية خلف قناع التصوّف كي يتجنّب رقابة الحكومة وغضبها.
كان الشاعر يرى أن الطبيعة هي خيال بذاتها وأن الخيال بدوره يقود إلى الرؤيا والحكمة. وكان يفضّل الخيال على عالم المادّة، كما اعتبر أن مهمّته الشخصية تتمثّل في توظيف الخيال لإضفاء طبيعة تنبؤية على أعماله.
هل كان بليك إنسانا مجنونا أم عبقريا؟
يقول الشاعر وليام ووردزوورث محاولا الإجابة عن هذا السؤال: لا يوجد شكّ في أن هذا الإنسان المسكين كان مجنونا. لكن هناك شيئا ما في جنونه يشدّني أكثر من عقلانية بايرون ووالتر سكوت".
اليوم يمكن العثور على بليك الرسّام في العروض الدائمة في تيت غاليري. وليس صعبا أن تقرأ اسمه في قائمة تتحدّث أيضا عن كونستابل وتيرنر وغينسبورو.
كما أن شعره يعلّم في المدارس. وكثير من التلاميذ ظلّوا يشتكون من صعوبة وغرابة قصائده.
وحتّى بالنسبة إلى أولئك الذين لا تربطهم علاقة مباشرة بالشعر والفنّ، ما يزال بليك بالنسبة لهم شخصية شاهقة. وقد احتلّ مؤخّرا المرتبة الثامنة والثلاثين في الاستفتاء الذي أجرته إذاعة البي بي سي عن أعظم مائة شاعر بريطاني.
الغريب في الأمر أن شعراء ورسّامين مثل ووردزوورث وكولريدج وكونستابل وتيرنر لم تشملهم تلك القائمة.

Credits
blakearchive.org
thetimes.co.uk

5 comments:

عمر said...

"إننس أصرح لنفسي أنني لا أرى المخلوقات الخارجية الأخرى؛ وإنها لا تمثل بالنسبة لي حركة ما, وإنما عائقا. إنها كالتراب الذي يعلق بقدمي، والذي لا يمكن أن يعتبر جزءا مني. قد يسألون: ألست ترى، حين تشرق الشمس، حلقة ملتبهة من النار تشبه الجنيه الذهبي؟ أواه، كلا.. كلاـ إنني أرى ما لايحصى من ملائكة السماء هاتفين: مقدس مقدس مقدس،ربنا الله العظيم."

كان هذا الجزء المقتبس تحدث عنه كتاب اللامنتمي لكولن ولسن أكمل بعدها

أن بليك أخبر كراب روبنسن بأنه كان قد رأى شبح يوليوس قيصر، وأنه قضى معظم حياته متحدثا مع الأرواح أكثر من حديثه مع البشر. ويمكننا أن نعتبر هذا أحد أمرين: جنونا مطبقا، أو شكلا غريبا من أشكال صحة العقل.

يبدأ بعد ذلك ولسن بتفصيل أكثر من حالة لأكثر من شخص في فصل كامل أسماه "اللامنتمي كإنسان يرى رؤى"

جميل ما خطته يداك وما عانيته لكتابته :)

كانت طريقا طويلة جدا حتى وصلت هنا وعلى ما يبدو أني سأكرر زيارتي لمرات أخرى :)

دمت بود

Prometheus said...

عزيزي عمر
أهلا وسهلا بك وشكرا جزيلا لك على إضافتك المهمّة والمفيدة.
شكرا لك أيضا على تعليقك الممتاز الآخر على موسيقى اينيو موريكوني.
بالعكس، يسرّني دائما تفاعلك ومشاركتك وعلى الرحب والسعة.
تحيّاتي وموّدتي.

H. M. H. said...

[وقد وجدت صوره كريهة وفاتنة، مريحة ومخيفة بنفس الوقت. كنت أحبّ كرهي لها.]

يُعبر هذا الاقتباس عمّا أعتقده في لوحات ويليام بليك، فلوحاته - خصوصاً "التنين الأحمر العظيم" - كريهة تذكرني برعب التفسخ الجسدي، وفي الوقت نفسه فإنها تشف عن رؤيةٍ عبقرية - وإن كان توظيف توماس هاريس لها في روايته مزعجاً، فويليام بليك يُصبح ملهماً لقاتل تسلسلي مخبول اسمه فرانسيس دولرهايد يعبد التنين الأحمر العظيم.
أعتقد أن سر عبقرية ويليام بليك يكمن في أنه احتفظ بجزء كبيرٍ من طفولته حتى بلغ من الكبر عتياً، فالأطفال وحدهم من يستطيعون القول بثقة إنهم يتحدثون مع الملائكة - أو مع المخلوقات اللطيفة بين الأشجار - ووحدهم من يتسع خيالهم للصور المرعبة التي يرسمها ويليام بليك بكل ما فيها من غيبية وفطرية.
كان لا بُد وألا يُعترف بعبقرية بليك في زمانه ذلك أنه جاء في مرحلة انتقالية بين عصر التنوير - وأدبه المديني الاصطناعي - والعصر الرومانتيكي - وأدبه الرعوي الطبيعي، وجاء في الشكل كالأول، وفي الروح كالثاني. إضافة إلى ذلك، فإن معارضة بليك الحادة للثورة الصناعية، وللصناعيين الذين جزأوا حتى نهر التيمز واحتكروه، وتعاطفه مع منظفي المداخن وغيرهم من الطبقات المسحوقة لا شك جالبٌ عليه حنق ذوي النفوذ.
ميراث بليك الشعري يتضمن [أغاني البراءة]، ومقابلتها [أغاني الخبرة] التي كتبها بعد زمنٍ طويل من كتابة أغاني البراءة، وفيها أغنية تقابل كل أغنية للبراءة كتبها من قبل. الأمر الذي يذكرني بقصة موديل دافنشي، إذ يُقال إنه أراد نموذجاً جميلاً وصريحاً وأميناً يرسم المسيح عليه السلام من خلاله، ووجد شاباً تنطبق عليه هذه الصفات فرسمه، ثم بحث - بعد سنين - عن نموذج آثم يحمل وجهه الندوب التي تشوه روحه، فعثر على شخص تنطبق عليه هذه المواصفات، وجاء به ليرسمه، ليكتشف في النهاية أنه موديل المسيح السابق.
ربما هي السنين التي تجردنا من براءتنا، وربما إن البراءة شيء غير طبيعي في هذا العالم. لذا كان بليك مجنوناً في نظر معاصريه.
طريفٌ أن ويليام ووردزوورث الذي وصف بليك بالمجنون، كان يوصف هو أيضاً بالجنون بسبب مخيلته الشاسعة التي تمكنه من الرقص مع أزهار النرجس والقفز مع أقواس قزح. كما أنه عُد مجنوناً بسبب غرابة أطواره.

جزيل شكري، وعميق مودتي واحترامي لك بروميثيوس على هذا المقال الرائع كما هي العادة في كل تدويناتك. وكُل عامٍ وأنت بخير.

Prometheus said...

H. M. H
أهلا وسهلا بك يا صديقي.
تعليقك وتشريفك الدائم مكسب كبير لي وللمدوّنة.
والشكر الجزيل لك على كلماتك وملاحظاتك التي أغنت الموضوع وكانت مصدر فائدة عظيمة لي.
جميل حديثك عن دافنشي وأجمل منه إشارتك إلى ووردزوورث ورأيه في بليك.
<<<
ربما هي السنين التي تجردنا من براءتنا، وربما إن البراءة شيء غير طبيعي في هذا العالم. لذا كان بليك مجنوناً في نظر معاصريه.
>>>
رائع كثيرا ما كتبته.
مع خالص سلامي ومحبّتي لك.

Arpy Asmar said...

شكرا لك

اربي اسمر